أوريان 21: إرادة العالم لن تنتشل العراق من عثراته

الكاظمي وعد بإصلاحات ومحاربة الفساد والاستجابة لمطالب المتظاهرين (الأناضول)
الكاظمي وعد بإصلاحات ومحاربة الفساد والاستجابة لمطالب المتظاهرين (الأناضول)

رغم تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة الانتقالية في العراق قبل عدة أشهر، وشروعه في محاربة الفساد والحد من العنف ضد الناشطين، فإن أزمة تفشي فيروس كورونا ما تزال تزيد الضغط على خزينة الدولة الفارغة أصلا، وهو ما يؤشر إلى أن تحسين ظروف العراقيين وتحقيق الإصلاحات المنشودة بعيد المنال، ولا يغيب عن كل ذلك استمرار التنافس بين طهران وواشنطن على العراق.

هذا ما وصل إليه مقال نشره موقع "أوريان 21" (orientxxi) الفرنسي، ذكّر في بدايته بوعود الكاظمي، بإخراج العراق من الأزمة وتقوية دعائم الدولة والقضاء في مواجهة الفساد والحفاظ على السيادة، وطمأنة المتظاهرين.

وعدّ المقال أن ظهور الكاظمي المتكرر على مواقع التواصل الاجتماعي خلال زياراته لمؤسسات الدولة، يؤشر إلى أنه يعتزم التميز جذريا عن سابقيه.

العراق يشهد احتجاجات مطالبة بإصلاحات وتحسين ظروف المعيشة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019 (الجزيرة نت)

مجال مناورة ضيق
ونبه المقال إلى أن المهمة الصعبة فيما يتعلق بالإصلاحات الإدارية، والاقتصادية تحظى باهتمام خاص من حكومة الكاظمي، والدليل أن وزير المالية التكنوقراطي علي علاوي يبدو حريصا على أن يكون في المقدمة؛ لكن جهله بالتعقيدات المحلية للسلطة، كخريج من جامعة هارفارد ومدرس في أكسفورد، قد يكون بالنسبة له مشكلة.

يقول أحمد الحاج رشيد، النائب الكردي عن حزب كومال في برلمان العراق، إن "علاوي لديه مهارات أكاديمية جيدة؛ لكنه يفتقر إلى معرفة السياسة المحلية وكيف يُتعمل بصورة غير رسمية مع ممثليها"، لافتا إلى أن البعد عن الحقائق على الأرض كان السبب الرئيسي لفشل محاولات الإصلاح في العراق في السنوات الماضية.

وعلى الصعيد السياسي -حسب المقال- يعاني الكاظمي من ضعف مماثل؛ لأنه لا يملك قاعدة حزبية تدعم جهوده الإصلاحية، وإن كان ائتلاف جديد اسمه "عراقيون" يدعمه، إلا أنه صغير لا يتجاوز 50 عضوا في البرلمان من أصل 329.

وبالتالي يبقى مجال المناورة ضيقا للغاية بالنسبة للكاظمي، وقد يكون نجاحه مسبتعدا؛ لأنه مرتبط بسياسيين مخضرمين أمثال زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم وزعيمة حركة إرادة حنان الفتلاوي، المعروفين.

ترامب خلال استقباله للكاظمي في البيت الأبيض الشهر الماضي (الأناضول)

التوازن المستحيل
رغم إن تحسين الوضع المعيشي للعراقيين يعد من أهم ما يشغل الحكومة في ظل ما تواجهه من أزمة مالية صعبة، بعد أن انخفضت إيرادات الدولة بشدة بسبب هبوط سعر النفط، الذي يشكل أكثر من 93% من إيرادات الموازنة العاملة للعراق، ومع الحاجة إلى إنفاق شهري يبلغ 6 مليارات دولار، لا تتلقى الحكومة منها سوى 3.

وللتقليل من الضغط على ميزانية الدولة، عمدت حكومة الكاظمي لاتخاذ العديد من الإجراءات، حيث أعيد النظر في قائمة موظفي الدولة لمحاربة "الأجور الوهمية"، كما شُرع باستبدال أكثر من 6 آلاف من كبار المسؤولين "الفاسدين".

غير أن هذا "التطهير" يواجه بمقاومة كبيرة من قبل الفاعلين السياسيين، الذين يخشون فقدان امتيازاتهم، كما تقول الباحثة المتخصصة في صراعات الشرق الأوسط في معهد كلينغينديل نانسي عز الدين، إنه "سيكون من الصعب على الكاظمي التوصل إلى تسوية سياسية تحد بالفعل من شبكات المحسوبية في العراق".

ورجح المقال أن يظل السجل المالي للعراق في المنطقة الحمراء لعدة أشهر أو سنوات قادمة رغم بذل أفضل الجهود.

وتقول نانسي إن "إجراءات الحكومة تسير في الاتجاه الصحيح؛ لكنها ما تزال خجولة للغاية؛ لأن إعادة هيكلة الإنفاق العام، وخفض ميزانية الدولة، وخفض رواتب الخدمة المدنية، وتحفيز القروض العامة لإنعاش الاقتصاد، وحتى القروض والمساعدات الدولية لن تكون كافية لإتاحة مخرج حقيقي من الأزمة".

وعلق المقال على قضية الجمارك التي حظيت باهتمام من الدولة في الأسابيع الأخيرة، حيث يتوقع أن تدر الجمارك ما يقرب من 10 مليارات دولار سنويا، بينما لا تقدم الآن إلا أقل من مليار دولار، الأمر الذي حدا بالحكومة إلى إقالة عدد من المسؤولين الفاسدين مثل مديري جمارك البصرة وميناء أم قصر وأتباعهما.

أما الموضوع الشائك الأخير بخصوص الموازنة، فهو حصة إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي، فرغم أن الدستور ينص على أن تدفع الحكومة المركزية 17% من إجمالي الميزانية للإقليم مقابل إنتاج النفط في الإقليم، إلا أن الخلافات بين الفاعلين جمدت التحويلات.

الكاظمي (يمين) خلال لقائه بخامنئي في طهران قبل شهرين (رويترز)

التوازن
ومن أجل فهم الإصلاح الذي تحاول الحكومة العراقية الوصول إليه لا بد من أخذ التنافس بين إيران والولايات المتحدة في الاعتبار، حيث عمدت واشنطن لتقليل نفوذ طهران من خلال دعم المفاوضات بين السعودية والعراق بهدف تطوير البنية التحتية للكهرباء والغاز في العراق، كما أبدى البيت الأبيض استعداده، للتعاون مع بغداد في مجالي الكهرباء والطاقة.

وقالت نانسي إن واشنطن عرضت على العراق خلال استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للكاظمي قبل شهر تقديم مستشارين واستثمارات مقابل تقليص وجودها العسكري، الذي سيعاد انتشاره في الخليج؛ لكن بعض الفاعلين السياسيين العراقيين يرون في هذا الحوار وسيلة لتكريس الوجود الأميركي في البلاد.

وفي محاولة للتعامل مع جميع المتورطين في العراق، زار مصطفى الكاظمي المرشد الإيراني علي خامنئي قبل أن يتوجه إلى واشنطن الشهر الماضي، كما استقبل الرئيس الفرنسي في بغداد قبل أيام، كعلامة على أن العراق يحاول إعادة وضع نفسه كلاعب رئيسي على الساحة الدولية، وينوي طي صفحة عدم الاستقرار.

وختم المقال بالقول إنه من شبه المؤكد، في ظل هذه الظروف، أن كل إرادة العالم لن تكون كافية لوضع البلد المتعثر على قدميه مرة أخرى.

المصدر : أوريان 21

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة