حجر الزاوية في الصفقة.. توني بلير من شريك في غزو العراق إلى مهندس للتطبيع

توني بلير (يسار) مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في لقاء سابق بلندن (رويترز-أرشيف)
توني بلير (يسار) مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في لقاء سابق بلندن (رويترز-أرشيف)

بينما كانت عدسات المصورين وكاميرات القنوات التلفزيونية تركز كل اهتمامها على تلك المنصة التي نصبت في البيت الأبيض لتوقيع اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل من جهة وبين الإمارات والبحرين من جهة أخرى، كان هناك شخص يجلس بين الحضور منتشيا وسعيدا بما ظهر فيما بعد أنه صنيعه بعد سنوات من العمل.

يتعلق الأمر برئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي تربطه بالشرق الأوسط وقضاياه علاقة شائكة، بسبب تورطه في غزو العراق، حيث يحضر المسؤول البريطاني دائما في ذهنية المواطن العربي أنه كان ثاني أبرز المشاركين في غزو العراق إضافة للرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن.

واحتفت وسائل إعلامية بريطانية، وقبلها الإعلام الإسرائيلي، بما أسموه الدور المحوري الذي قام به بلير للوصول لاتفاق التطبيع، بل إن بعض وسائل الإعلام المحسوبة على اليمين في بريطانيا اعتبرت أن ما قام به لإتمام هذه الصفقة، يجعل منه مؤهلا لدور أكبر في حل بعض قضايا بريطانيا العالقة، وفي مقدمتها قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست).

مهندس التطبيع

بعد إتمام صفقة التطبيع، رشحت الكثير من المعلومات عن الدور الذي لعبه بلير، وهي المعلومات التي لم ينفها الأخير، بل ترسخت أكثر مع الأيام، ذلك أن الزعيم السابق لحزب العمال بدأ العمل على تقريب العلاقات بين تل أبيب وأبو ظبي منذ سنة 2015.

وبالفعل نجح في ربط اتصالات بين الطرفين، قبل أن تتحول هذه الاتصالات إلى لقاءات سرية، في البداية، ثم علنية في الأشهر الأخيرة، وعمل بلير أن يبقى في الظل ولا يظهر طيلة فترة عمله.

وتجمع بلير علاقات جيدة مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وذلك منذ أن كان بلير رئيسا للوزراء، كما نجح الأخير في بناء علاقات جيدة مع أبو ظبي، بل إن وسائل إعلام إسرائيلية كشفت أن أول ما قام به نتنياهو بعد إعلان التطبيع مع الإمارات هو رفع سماعة الهاتف للاتصال ببلير ليشكره على جهوده في إتمام هذه الصفقة.

واتضحت بعد الإعلان عن اتفاق التطبيع الذهنية التي يشتغل بها بلير، والتي ظهرت أكثر من مرة في خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتقوم نظرة بلير على أنه عوض التركيز على ترسيخ سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيجب تركيز العمل على إرساء علاقات بين الدول العربية وإسرائيل في البداية، وبعد أن يصبح هذا الوضع قائما حينها يمكن الانتقال للمرحلة الثانية، وفيها ستحدث التسوية مع الفلسطينيين.

ويذهب بلير إلى قلب المعادلة، بأن تكون المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، المحطة الأخيرة وليست نقطة المنطلق، وأن يكون هذا المسار مصحوبا بالإغراءات المالية للفلسطينيين.

لا يخفي بلير طموحه في المواصلة على هذا المنوال وانضمام دول عربية أخرى لصفقات التطبيع في مشروع عمل عليه لسنوات، ويرى فيه بوابة لتحقيق مجد دبلوماسي، يعيده للواجهة في بلاده أولا، بعد ما لحق صورته من خدوش بسبب قرار الانضمام للولايات المتحدة في غزو العراق.

جرح العراق

كان لقرار بريطانيا المشاركة في غزو العراق تأثير سلبي على مسار بلير السياسي أولا، وعلى حزبه من جهة ثانية، فلسنوات طويلة ظل هذا القرار يطارده، ويقيد تحركاته السياسية في الداخل البريطاني، مما جعله يأخذ مسافة من الحزب في السنوات الأولى لمغادرته رئاسة الوزراء عام 2007.

وكشف أكثر من مصدر في حزب العمال، للجزيرة نت، أن أنصار الحزب كانوا يجدون صعوبة في إقناع الناخبين العرب والمسلمين للتصويت لصالح الحزب، ذلك أن غزو العراق شكل حاجزا نفسيا سميكا جدا، جعل الأقلية المسلمة في بريطانيا إما تعزف عن التصويت أو تصوت للمحافظين.

المصادر نفسها كشفت أنه خلال الحملات الانتخابية، وخصوصا منذ سنة 2010، كان أول ما يصادفونه في المناطق ذات الأغلبية المسلمة هو انتقاد قرار بلير المشاركة في غزو العراق، مضيفة أن النجاح الأكبر للزعيم السابق لحزب العمال جيرمي كوربن كان المصالحة بين الأقلية المسلمة وحزب العمال، حتى أصبح حوالي 70% منهم يصوتون للعمال.

ولحد الآن ما زال حزب المحافظين يذكر حزب العمال بخطيئة غزو العراق، لدرجة أن وزير الدفاع البريطاني بن والاس صرح في البرلمان البريطاني خلال مواجهة مع وزير الدفاع في حكومة الظل بأن غزو العراق كان انتهاكا للقانون الدولي، وأدخل بريطانيا وجيشها في حالة من الفوضى.

نفوذ الداخل

منح ملف البريكست لتوني بلير بوابة للعودة لتصدر المشهد السياسي في بلاده، وذلك بعد سنوات تراجع فيها تأثيره في صناعة الرأي والقرار، بسبب الخلاف الكبير بينه وبين كوربن.

ورغم الشعبية التي تمتع بها كوربن بين قواعد الحزب، فإن تيارا داخل العمال ظل وفيا لبلير وهم من يطلق عليهم الإعلام "البليريين"، بل إن التحليلات السياسية تذهب لكون هذا التيار الذي يدين بالولاء لبلير كان هو السبب في إسقاط كوربن من زعامة حزب العمال.

ومازال هذا التيار محافظا على قوته، خصوصا بعد أن تسلم كير ستارمر زعامة الحزب، ويعتبر هذا الأخير أيضا قريبا من تيار بلير رغم أنه يحاول أن يختط لنفسه مسارا مستقلا عن سابقيه.

ونجح بلير في أن يفرض نفسه كواحد من "الحكماء" الذين تتطلع وسائل الإعلام لآرائهم في ما يتعلق بموضوع البريكست، ويقدم النصيحة حول المسار الذي يجب أن تأخذه المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.

وكشفت تقارير إعلامية أن توني بلير ما زال يقدم الاستشارة حتى لقيادة حزب العمال، رغم أنه لم تعد له صفة قيادية فيه، وهو ما يؤشر على النفوذ الواسع الذي يتمتع به في الساحة البريطانية وقدرته على التأثير في صنع القرار، رغم حالة الضعف التي يمر بها الحزب.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة