خريطة إشبيلية.. تعرف على وثيقة تتهم تركيا اليونان بتوظيفها لحبسها في شريط ساحلي ضيق

تعقيدات وتداخلات الحدود البحرية بين دول شرق المتوسط (إيكونوميست)
تعقيدات وتداخلات الحدود البحرية بين دول شرق المتوسط (إيكونوميست)

برز في الفترة الأخيرة ضمن التوتر القائم بين تركيا واليونان حول مناطق السيادة البحرية في شرق المتوسط اسم "خريطة إشبيلية"، والتي ترى أنقرة بأن اليونان وقبرص تستخدمانها لحبس تركيا ضمن شريط ساحلي ضيق في بحر إيجه وشرق المتوسط، فما قصة هذه الخريطة؟

نشرت خريطة إشبيلية ضمن دراسة أعدها الأستاذ في جامعة إشبيلية الإسبانية خوان لويس سواريز دي فيفيرو برفقة زميله خوان كارلوس رودريغز ماتيوس في العام 2004، وتحمل الدراسة عنوان "أوروبا البحرية وتوسيع عضوية الاتحاد: آفاق جيوسياسية"، وتطرقت إلى تبعات الانضمام المحتمل حينها لدول مثل رومانيا وبلغاريا وكرواتيا وتركيا إلى عضوية الاتحاد على الوضع البحري للتكتل الأوروبي.

وتمنح الخريطة، التي كانت بطلب من المفوضية الأوروبية، لكل جزيرة من الجزر اليونانية الكثيرة مهما كان صغر حجمها، مثل كاستيلوريزو (ميس) منطقة اقتصادية خالصة بطول 200 عقدة بحرية (370 كلم)، بالمقابل تُبقي خريطة إشبيلية لتركيا منطقة بحرية محصورة في سواحلها رغم أنها صاحبة أطول شريط ساحلي في المتوسط من بين كل دول حوض المتوسط.

آلاف الجزر
وتمتلك اليونان قرابة 4 آلاف جزيرة في بحر إيجه وحده أغلبها جزر صغيرة، وهو ما يجعلها تستحوذ على كل هذا البحر عبر مد الجرف القاري والمياه الإقليمية لكل جزيرة على حدة.

وحسب دراسة "دي فيفيرو" فإن حدود المنطقة التي تقول اليونان إنها الجرف القاري التابع لها في بحر إيجه والمتوسط، وكذلك المنطقة الاقتصادية الخالصة التي أعلنتها قبرص عام 2004، تشكلان الحدود الرسمية للاتحاد الأوروبي، ووفقا للخريطة فإن حدود اليونان (التي هي حدود الاتحاد الأوروبي) وجرفها القاري يبدأ من جزيرة كاستيلوريزو (ميس)، ويمتد جنوبا حتى منتصف البحر المتوسط، بما لا يدع لتركيا متنفسا سوى خليج أنطاليا.

وترفض تركيا الخريطة؛ لأن مساحة جزيرة ميس تبلغ 10 كيلومترات مربعة، ولا تبعد سوى كيلومترين عن حدودها البرية، فيما تبعد عن بر اليونان الرئيسي نحو 580 كيلومترا. وتمنح اليونان جزيرة كاستيلوريزو بموجب الخريطة جرفا قاريا بمساحة 40 ألف كيلومتر مربع.

رفض تركي
وتقول تركيا إن اليونان وقبرص تستعملان الخريطة كأداة أساسية لتحقيق حلمهما في عزل تركيا عبر حبسها في مساحة بحرية ضيقة على ضفاف خليج أنطاليا في البحر المتوسط، ونقلت وكالة الأناضول عن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، تصريحه الأسبوع الماضي بأن أنقرة تجدد رفضها لخريطة إشبيلية، وأضاف "أستطيع أنه أقول إنه إذا استمر التمسك بهذه الخريطة، فلن يكون بإمكاننا حل المشاكل".

وأضاف الوزير التركي أنه مع هذه الخريطة "لن تكون هناك مفاوضات أو مباحثات، وإن وجدت المباحثات، فلن يتم التوصل لنتائج، ومن ثم نحن نرغب في مفاوضات تجري في إطار من العدل وتسفر عن نتائج".

ويقول الأدميرال التركي المتقاعد جيم غوردنيز، في مقال له نشر في 17 من الشهر الحالي إن خريطة إشبيلية نشرت في موقع الاتحاد الأوروبي في العام 2004، وفي آخر العام نفسه أطلق عليها هذا الاسم، لتشرع وكالة تابعة للاتحاد الأوروبي باستخدام هذه الخريطة. ويضيف الأدميرال غوردنيز، والذي شغل في السابق منصب مدير قسم التخطيط في البحرية التركية، أن الأستاذين الإسبانيين ليسا متخصصين في القانون البحري؛ لكنهما يعملان في قسم الجغرافيا البشرية في كلية إشبيلية.

مولود جاويش أوغلو: إذا استمر التمسك بخريطة إشبيلية فلن يكون بإمكاننا حل المشاكل(الأناضول)

خلفيات الخريطة
ويشرح الخبير العسكري التركي أن دوافع إنجاز هذه الخريطة مرتبطة بما وقع قبل العام 2004 تاريخ إقدام الاتحاد الأوروبي على توسيع عضوية التكتل ليضم دول جديدة، إذ باشر الاتحاد في إجراء دراسات للتخطيط للمجال البحري الأوروبي، وذلك للإجابة على بعض الإشكالات المرتبطة بالمياه والبيئة من قبيل إقامة محطات لطاقة الريح ومزارع الأسماك في البحر، وتطوير مناطق سياحية.

وفي هذا السياق، كلفت المفوضية الأوروبية جامعة إشبيلية بإنجاز دراسة حول المجال البحري الأوروبي بحكم سمعة هذه الجامعة الإسبانية في هذا التخصص، واختير دي فيفيرو وزميله لخبرتهما في هذا المجال.

وخلال إنجاز الدراسة التي تضمنت خريطة إشبيلية، طلب دي فيفيرو من الدول الأعضاء في الاتحاد خريطة مناطق النفوذ البحرية الخاصة بهم، سواء القائمة أو المستقبلية، فقدمت له اليونان وقبرص خريطتهما، التي تضمنت أقصى امتداد بحري لهما في شرق المتوسط وبحر إيجه، بحيث لم يتبق لتركيا أي حيز بحري ضيق قبالة سواحلها.

وفي عام 2007، نشرت الخريطة ضمن دراسة صدرت في مدينة برشلونة بعنوان "أطلس أوروبا البحرية: الولاية القضائية، والاستخدامات والإدارة"، واستعملت الخريطة نفسها في مشروع يموله الاتحاد الأوروبي ويشرف عليها المجلس الإسباني الوطني للبحوث.

تدارك خطأ
ويضيف الأدميرال غوردنيز أن الأكاديمي الإسباني خوان لويس سواريز دي فيفيرو أنجز دراسة أخرى نشرت في 2010 تتعلق بمناطق الصيد البحري الخاصة بالاتحاد الأوروبي لفائدة المديرية العامة للسياسة الداخلية التابعة للاتحاد.

وفي هذه الدراسة التي تحمل عنوان "الولاية القضائية البحرية في البحرين المتوسط والأسود"، عدّل دي فيفيرو من تفاصيل الخريطة بحيث لم يظهر سوى مناطق الجرف القاري أو المناطق الاقتصادية الخالصة المعلنة من طرف الدول الأعضاء، ومنها اليونان وقبرص. وقال دي فيفيرو في الدراسة إن حدود المياه الإقليمية بين تركيا واليونان تبقى نظرية.

ويرى الخبير العسكري التركي أن الأستاذ الجامعي الإسباني لم يكرر في دراسة 2010 الخطأ الذي ارتكبه في دراسة 2007؛ إلا أنه يضيف بأن الاتحاد الأوروبي ظل طيلة السنوات الماضية يستعمل خريطة إشبيلية في وثائقه الرسمية ومواقعه الإلكتروني.

وخلال التوتر الذي وقع بين اليونان وتركيا في الأشهر القليلة الماضية، صدرت تصريحات من مسؤولين في الاتحاد الأوروبي تشدد على أن التقارير والدراسات الخارجية التي تصدرها مؤسسات في دول الاتحاد ليست وثائق رسمية للاتحاد، وهو ما يعني أن الاتحاد لا يعتبر الخريطة وثيقة رسمية.

المصدر : مواقع إلكترونية + مواقع التواصل الاجتماعي + وكالة الأناضول

حول هذه القصة

يبدو أن التوتر الذي شهدته مياه شرق المتوسط بين تركيا واليونان، ودقت معه طبول الحرب، بدأ بطريقه للتلاشي بعد إعلان الجارين موافقتهما على إجراء مباحثات استكشافية، قد تؤدي لتوصلهما لتفاهمات بشان خلافاتهما

تستأنف بمقر حلف الناتو ببروكسل اجتماعات الوفود العسكرية التركية واليونانية الرامية لوضع آلية لفض النزاعات شرقي المتوسط، فيما يتوقع أن يعقد الرئيس التركي اليوم لقاء مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة