السودان.. الفيضان يجبر أحياء على مجاورة الموتى

لم تكن السيدة السودانية أماني محمد تتوقع -في أسوأ كوابيسها- أن تلجأ هي وأطفالها إلى العيش بجوار مقبرة لدفن الموتى في العاصمة الخرطوم، بسبب السيول والفيضانات التي دمرت منزلها بالكامل.

وتحت وطأة شمس حارقة نهارا وأمطار ليلية دون انقطاع وانعدام الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، يعيش مشردو الفيضانات. ولا تخشى الأسر الهاربة من تمرد النيل الأزرق وحده، بل أيضا من تداعياته المتمثلة في خسارة كل ممتلكاتهم ومدخراتهم، إضافة إلى انتشار الأمراض والوضع البيئي والصحي السيئ الذي سيخلفه الفيضان.

وأماني (51 عاما) هربت -ضمن 90 أسرة- من فيضان النيل الأزرق قبل أكثر من 20 يوما، إلى قطعة أرض خالية بجوار مقبرة لدفن الموتى في حي شمبات شمال العاصمة الخرطوم.

تقول أماني إن الأسر التي حطمها الفقر طالتها أضرار بالغة بسبب مياه السيول والفيضانات، مضيفة "لدينا أطفال، ونحن فقراء ونسكن حاليا في المزارع بجوار المقبرة، ونكتسب رزقنا يوما بيوم. تركنا كل مدخراتنا في المنازل التي غمرتها المياه". وطالبت السيدة الجهات الحكومية بالتدخل لتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة لإنقاذ الأطفال من وطأة الجوع والمرض.

أما تمراية آدم رمضان (47 عاما) التي تقطن أيضا في المكان ذاته إلى جوار المقبرة، فتقول إن الأسر التي اجتاحت منازلَها مياه فيضان النيل الأزرق، تحتاج إلى الإيواء والغذاء والدواء، وتضيف "المياه لم تترك لنا شيئا، ولأكثر من 20 يوما لجأنا إلى مساحة خالية بجوار المقبرة، ولا نملك شيئا، ولدينا أطفال مرضى. نحتاج إلى خيام لإيواء الأطفال من الأمطار، لأننا نسكن في العراء".

Heavy rain hits Sudan's Omdurman city
الأمطار الغزيرة تنهمر ليلا لتضاعف معاناة المنكوبين (الأناضول)

طلاب مشردون

فيضان النيل أثّر بشكل بالغ على الطلاب، خاصة الذين يحضّرون لامتحان شهادة الثانوية العامة، ومنهم سكينة عبد الله (18 عاما) التي تضطر إلى مذاكرة دروسها مساء عبر إضاءة خافتة تنبعث من هاتفها الصغير، لكي يسعفها الوقت في التحضير لشهادة الثانوية العامة، وتقول إنها تعيش أوضاعا كارثية بالتزامن مع ظروف الامتحانات.

وتضيف "داهمتنا المياه وأغرقت منازلنا وكتبنا، وأوراقنا اندثرت تحتها ولم نستطع إخراجها، ولجأنا إلى المقبرة لنعيش بجوارها دون توافر أبسط مقومات الحياة. أذاكر دروسي بإضاءة الهاتف النقال، ولكن القراءة صعبة للغاية بضوء خافت، ناهيك عن حرارة الجو المرتفعة والحشرات".

وتطالب سكينة الحكومة بالوصول إلى المتضررين من السيول والفيضانات، وإنقاذهم من الوضع المأساوي الذي يعيشونه، ونقلهم إلى أماكن آمنة.

Heavy rain hits Sudan's Omdurman city
بلغ عدد المنازل المتضررة  بالفيضانات أكثر من 70 ألفا  (الأناضول)

مبادرات  وأضرار

وتحاول بعض الجمعيات الإنسانية الوصول إلى متضرري الفيضانات والسيول وتقديم المساعدة لهم، لكن إمكاناتها تبقى محدودة في ظل الظروف الكارثية للعائلات الباحثة عن المأوى والغذاء والدواء.

وتقول رئيسة مبادرة "أم الفرسان" الخيرية حنان فهمي -للأناضول- إن المبادرة قدمت وجبة إفطار للمتضررين من السيول والفيضانات في حي شمبات، وتسعى مستقبلا لحصر المتضررين لتوفير المشمعات والخيام لهم.

والسبت، أعلنت وزارة الداخلية أن 106 أشخاص لقوا مصرعهم جراء السيول والفيضانات، بينما أصيب 54 آخرون، وبلغ عدد المنازل المتضررة أكثر من 70 ألفا. ومؤخرا أصدر والي (حاكم) الخرطوم أيمن خالد نمر، قرارا بتكوين غرفة طوارئ الخريف الصحية برئاسة مدير عام وزارة الصحة بالولاية.

وتختص الغرفة بمتابعة الوضع الصحي في مناطق الولاية المختلفة فيما يتعلق بالأمراض الناتجة عن الخريف، ومتابعة المراكز الصحية لتقديم خدمة طبية ودوائية جيدة، إلى جانب توفير الكوادر الصحية والأدوية.

وبحسب تقرير لمكتب الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة (أوتشا) أمس، فإنه قد تضرر أكثر من 506 آلاف شخص منذ بدء هطل الأمطار، أكثر من 110 آلاف منهم في الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول الجاري وحده.

وأوضح التقرير الأممي أن أكبر عدد من المتضررين هم في ولاية الخرطوم، إذ خلفت السيول النهرية والفيضانات المفاجئة 100 ألف بحاجة إلى مأوى عاجل ومستلزمات منزلية ومياه نظيفة وصرف صحي وخدمات صحية، في مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري.

ويبدأ موسم الأمطار الخريفية في السودان من يونيو/حزيران من كل عام ويستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول، وتهطل عادة أمطار قوية في هذه الفترة، وتواجه البلاد فيها سنويا فيضانات وسيولا واسعة.

المصدر : وكالة الأناضول