لوبس: جمهورية مالي.. هل هي أفغانستان فرنسا؟

قوات فرنسية في صحراء مالي (الفرنسية)
قوات فرنسية في صحراء مالي (الفرنسية)

بعد 7 سنوات، أصبحت دولة مالي، التي كان من المقرر أن تكون رمزا لنصر فرنسا، رمزا لفشلها، فلا البلد استعاد توازنه أو السيطرة على شماله، ولا نجاحات الجنود الفرنسيين في معركتهم ضد الإرهاب، أوقفت نشاط الجهاديين، الذين أصبحوا يهاجمون الآن وسط مالي والدول المجاورة.

بمثل هذه الحصيلة الثقيلة، لخصت مجلة "لوبس" L'OBS الفرنسية مقالا بقلم سارة حليفة لوغران، قالت فيه إن الناظر اليوم إلى تدخل فرنسا العسكري عام 2013 في مالي يجد أن الرئيس أطاح به انقلاب للتو، وأن من أسمتهم بالإرهابيين ما يزالون نشطين، وأن الفساد ما يزال مستشريا كما كان.

وقالت الكاتبة إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واجه في الآونة التي سبقت الانقلاب في مالي صعوبة متزايدة في تحمل الوضع في هذا البلد، وطلب من نظيره المخلوع إبراهيم بوبكر كيتا وضع حد للممارسات المشبوهة، والتنديد بالخطاب المناهض لفرنسا، والبدء في تنفيذ اتفاق السلام مع الجماعات المسلحة.

رجل لا يمكن الاعتماد عليه

غير أن كيتا -كما تقول الكاتبة- غضب، وقال إن فرنسا لا ينبغي أن تعامل أصدقاءها بهذه الطريقة، وكرر ماكرون أن كيتا لا يريد الاستماع إليه؛ بل إن المستشارين في الخارجية الفرنسية قالوا دون مراعاة للضوابط الدبلوماسية إن "كيتا رجل لا يمكن الاعتماد عليه".

لذلك، عندما أطاح الجنود الشهر الماضي بالرئيس في باماكو لم تحرك باريس ساكنا؛ بل إن الخارجية الفرنسية أيدت إسقاطه في مذكرة إلى سفرائها في منطقة الساحل، وقالت إنه "يبدو من غير الواقعي في ضوء الحالة الذهنية للسكان والقوى السياسية والاجتماعية، مطالبة الماليين بإعادة الرئيس كيتا إلى السلطة".

وهكذا -تقول الكاتبة- تخلت فرنسا دون ندم، عن رئيس مالي الذي جعلته ربيبها، وقدمه رئيسها السابق فرانسوا هولاند في انتخابات 2013 على أنه الرجل الذي سيعيد للدولة المالية الثقة.

وقالت الكاتبة إن عملية إعادة بناء الجيش فشلت رغم التدريب الذي قدمته بعثة الاتحاد الأوروبي لحوالي 14 ألف جندي مالي، كان من المنتظر أن يستلموا المسؤولية من 5100 جندي فرنسي من قوة عملية برخان، التي خلفت عملية سيرفال، ومن 13 ألف جندي من قوات حفظ السلام (مينوسما).

كما أن مساعدات التنمية التي بلغت 1.25 مليار يورو في 2018 وحدها، اختلست أو أُسيء استخدامها -كما تقول الكاتبة- وبالتالي لم تساعد في إخراج البلاد من حالة التخلف، وهكذا انتهت 7 سنوات من الحقن المتواصل ماليا وعسكريا بحصيلة كارثية.

واليوم، تجد فرنسا نفسها في حلقة مفرغة، تتذكر الفخ الذي أغلق ذات يوم على الولايات المتحدة في أفغانستان، وكما يقول الدبلوماسي السابق لوران بيجو "إنه نفس السيناريو الأفغاني، يُنظر إلينا على أننا داعمون عسكريا لنظام فاسد.. هذا يغذي المشاعر المعادية للفرنسيين، ويعطي لأعدائنا الحجة لتجنيد السكان. والنتيجة زيادة انعدام الأمن في الوقت الذي نتفاخر فيه بعدد من أعدمناهم".

ديمقراطية واجهة

وتساءلت الكاتبة من المخطئ؟ لتقول إن الفشل جماعي، ورغم أن الطبقة السياسية في مالي هي المسؤولة الأولى عن إفلاس الدولة، فإن المجتمع الدولي له مسؤولية كذلك، وخاصة فرنسا التي تصدت لعملية إنقاذ البلاد.

وقالت الكاتبة إن باريس مذنبة لعدم قبولها أن رسوخ الجهادية في مالي كان أحد أعراض الدولة الفاشلة، خاصة أن لوران بيجو أوضح في مؤتمر بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية عام 2012، "أن مالي ديمقراطية واجهة"؛ لكنه طرد من الخارجية.

وقال بيجو "لقد وصفت بالخائن؛ لأنني قلت إننا سوف نتعثر.. لم يكن لدينا هدف سياسي من وراء عمليتنا العسكرية"؛ بل إن الجيش هو الذي تولى زمام القيادة وقاد عجلة الدبلوماسية الفرنسية.

وكانت سيرفال نجاحا بالفعل، غير أن "الرهان فشل -كما يقول خبير من مؤسسة دولية في باماكو- لأن انتخاب كيتا بدا للفرنسيين كافيا لإعادة الديمقراطية، في حين أنه أظهر عدم فعالية وكثيرا من المحسوبية والفساد".

ومع أن خيبة الأمل كانت فظيعة، فإن باريس اكتفت بمضاعفة ردود الفعل الودية دون تأثير، ويلاحظ الباحث والدبلوماسي السابق هوغو سادا أن "هولاند غض الطرف عن فساد النظام؛ لأن كيتا كان جزءا من العائلة الاشتراكية العظيمة".

وقد يكون الأمر عائدا إلى أن هولاند الذي غمره الفخر بأخذ الشمال من الجهاديين، لا يريد تشويه صورته كمنقذ لمالي بعد قوله "لقد عشت للتو أهم يوم في حياتي السياسية".

فرنسا في فخ الساحل

وترى الكاتبة أن قضايا التنمية والحوكمة لم تتناسَ في المناقشات؛ لكنها كانت تخضع للضرورة الأمنية، كما يعتقد الباحث إيفان غيشاوا، إلا أن "فرنسا شكلت المشهد السياسي بالضغط على الرئيس المالي كباقي رؤساء دول الساحل الآخرين للتوافق مع أولوياتها، مما وضعه في معضلة الاختيار بين مصالح باريس، وتطلعات الرأي العام في بلده".

يقول هوغو سادا "باختصار، لقد علقنا في الرمال، وفشلنا في فهم أنه لا يمكننا حل أزمة الساحل بضرب الجهاديين"، وهكذا تجد فرنسا نفسها اليوم محاصرة بإستراتيجيتها الخاصة.

ويقر دبلوماسي كبير أن "لدينا انتصارات عسكرية حقيقية، لكنها لا تتحول إلى انتصارات سياسية لأننا نتحرك على المستوى العسكري أسرع من المستوى السياسي والتنمية".

وفي باماكو -تقول الكاتبة- إن الإمام محمود ديكو، الزعيم الديني الذي يرفض الوجود الفرنسي والقيم الغربية، استغل إهمال الدولة لتأكيد نفسه كبديل أخلاقي وسياسي، ويقول بيجو "إننا دفعنا الماليين إلى أحضان الإسلام السياسي من خلال موقفنا الخاص بدعم نظام فاسد".

الرأي العام ضد باريس

وقالت الكاتبة إن المبادرة الوحيدة المثيرة للاهتمام التي يُحسب لها حساب، كانت محاولة كيتا فتح قنوات حوار من خلال الإمام ديكو؛ لكن فرنسا عارضتها "نحن لا نتحدث مع أولئك الذين يقتلون الفرنسيين".

يقول رئيس الوزراء المالي الأسبق موسى مارا إن الشعب يطالب بالحوار مع الجهاديين؛ لأن 60% من الشباب الذين ينضمون إلى الجهاد لا يفعلون ذلك بهدف إقامة الخلافة، بل للهروب من الفقر وحماية أنفسهم أو الانتقام"، مضيفا "في الساحل بديل القوة المسلحة يمكن أن يكون الحوار مع الجماعات الجهادية".

وتقول فرنسا اليوم بنوع من التراجع إنه "إذا استوفيت شروط فتح باب لحوار حول تنظيم الدولة المالية، ومكانة الإسلام في المجتمع بما في ذلك الشريعة الإسلامية، فلن تضطر فرنسا إلى الوقوف في طريقها".

ومثل الأفغان في مواجهة الأمريكيين، ينقلب الرأي العام المالي على باريس، حتى إن نجم الأغنية المالية ساليف كيتا ظهر على الهواء مباشرة، وبدلا من الغناء أطلق صيحته بأن "ماكرون هو الذي يستخدم القتلة ضد الماليين"، وقد أحرق المتظاهرون العلم الفرنسي متهمين المستعمر السابق بتأدية لعبة مزدوجة بحمايتهم للطوارق وإيواء الطموحات الإمبريالية.

المصدر : لونوفيل أوبسيرفيتور

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة