تحت وطأة كورونا.. كيف أحكمت المافيا الإيطالية سيطرتها على البلاد؟

عناصر من الشرطة الإيطالية في إحدى العمليات ضد المافيا (رويترز)
عناصر من الشرطة الإيطالية في إحدى العمليات ضد المافيا (رويترز)

لا يمكنك إلا أن توافق، يد تمتد بحزمة من النقود في وقت تحاصرك فيه الديون، ومعها رسالة هاتفية تقول "يمكنك الاعتماد علينا"، ولكن بعد شهور يعود "المتبرع الكريم" مطالبا بمستحقاته مع الفائدة السنوية التي قد تصل إلى 1000% وتحت تهديد السلاح إذا دعت الحاجة.

بهذه الطريقة، قالت صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية، إن المنظمات الإجرامية في إيطاليا استفادت من الأزمة الصحية في إحكام قبضتها على بعض الشركات التي تواجه صعوبات وحتى على الأفراد الذين تقدم لهم قروضا نقدية فورية، تعوضهم عن شروط البنوك الصارمة وإجراءاتها البطيئة.

وفي تحقيق بقلم توماس سانتورينس، توضح الصحيفة أنه منذ ظهور "كوفيد-19" في إيطاليا، وهؤلاء "الخيّرون" الذين تعتمد عليهم المافيا، يحتلون جوار المحلات التجارية وساحات القرى، لأن "المرابين لا يبلغ نشاطهم ذروته إلا في فترات الأزمات والركود الاقتصادي أو الكوارث الطبيعية" كما تلاحظ المدعية أليساندرا دولتشي، رئيسة فرع مكافحة المافيا في ميلانو.

وترى دولتشي أن وباء كورونا شكّل فرصة فريدة لتعزيز قوة تنظيمات الجريمة المنظمة في قلب إيطاليا المزدهرة التي كانت الأكثر تضررا من الوباء، مشيرة إلى أن موظفي "ندراغيتا"، وهي مافيا قوية في منطقة كالابريا، هم أول من قدم المال، على شكل قروض تصل إلى 300 ألف يورو، لرواد أعمال على وشك الإفلاس.

وأيا كانت المنظمة الإجرامية -حسب التحقيق- فإن هؤلاء "الخيرين" في جميع أنحاء إيطاليا، يتكيفون مع الاحتياجات ويعرفون كيف يصبحون طرفا لا غنى عنه، مثل شقيق رئيس السجن الذي شوهد وهو ينظم توزيع سلال الطعام على الأسر الأكثر فقرا، ولكن المستفيدين من هذه المساعدات الغذائية تحولوا إلى مدينين لعائلة المانح.

وحسب وزارة الداخلية الإيطالية، فإن الربا هو النشاط الإجرامي الوحيد الذي ازداد خلال الوباء بنسبة 9.6% في نهاية مارس/أذار الماضي، كما ازداد -وفقا لغرفة تجارة روما- خطر الربا بنسبة 50% في مايو/أيار الماضي، مدعوما بالاستئناف الجزئي للأنشطة التجارية.

أجهزة صراف آلي

ويرى المدعي العام في ميلانو أن "جماعات الجريمة المنظمة أصبحت، بفضل أرباح الاتجار بالمخدرات، تحل محل البنوك والدولة وتستجيب على الفور لطلبات المحتاجين أو الشركات التي تواجه صعوبات"، مبديا قلقه لرؤية "رجال أعمال ناجحين في السياحة أو الفنادق أو البناء، يقتربون لأول مرة في حياتهم من مجموعات المافيا" التي تسللت أيضا إلى سوق لومبارديا للمنتجات الصحية، ولا سيما استيراد الأقنعة وإدارة نفايات المستشفيات، وفقا لتحقيقات جارية.

وقال لويجي كومو، مدير جمعية "إس أو إس إمبريسا" (SOS Impresa) لمساعدة الشركات الواقعة تحت سيطرة المرابين "إن استخدام هذا النوع من التمويل غير المشروع يرجع إلى حد كبير إلى عدم الثقة في النظام المصرفي الفاشل"، خاصة أن المساعدة الاستثنائية التي وعدت بها الدولة بطيئة وغير كافية إن لم ترفضها البنوك بسبب معاييرها الصارمة، وفقا للاتحادات التجارية.

وعند سداد الفواتير الأولى -حسب الكاتب- يتحول الملاك الحارس إلى شيطان، يمر على المتجر كل يوم، وهو يعرف دفاتر الحسابات وأسماء أطفال مدينيه، ولذلك يقول كومو إن "الربا جريمة نفسية"، خاصة أن الضحية يصبح طوع جلاده، كما في متلازمة ستوكهولم" (Stockholm syndrome).

وأوضح التقرير أن قلة من الضحايا فقط هم المستعدون لفضح هؤلاء المقرضين المنتسبين إلى التنظيمات الأكثر إخافة في البلاد، علما أن ضخ الأموال القذرة التي تقدر بنحو 30 مليار يورو سنويا في إيطاليا يقع تحت سيطرة منظمات المافيا المحلية.

ونبه التحقيق إلى أن ممارسة الابتزاز طويلة الأمد في البلاد، حيث يتذكر الجنرال جوزيبي جفرنال، رئيس مديرية التحقيقات لمكافحة المافيا أن "الابتزاز بدأ يتطور في المجتمع والاقتصاد الصقليين منذ نهاية القرن التاسع عشر، خاصة في تجارة الحمضيات".

تحرير القلعة

وأوضح التقرير أن عملية "تحرير القلعة" بمدينة بوليستينا، التي ألقي القبض فيها على 22 من أعضاء الكوسكا، وهي فصيلة من عائلة ندرانغيتا تخصصت في المراباة والابتزاز محليا كانت بمثابة درس مهم.

وجاءت هذه العملية -كما يقول قرار التوقيف- بعد أن تحول اقتصاد هذه المدينة الصغيرة تدريجيا إلى ممولي هذه العائلة، حيث أصبح من المستحيل فتح نشاط تجاري دون موافقتهم والربح من أي تجارة دون دفع أموال لهم.

وقد انطلق التحقيق من حالة عامل الرخام ماسيمو الذي رفض المصرف التعامل معه وهو يعاني من صعوبات مالية، فتم الاتصال به في أبريل/نيسان 2013 من قبل المحاسب فنسنت لو فو الذي منحه قرضا بقيمة 13 ألف يورو نقدا على أن يسدده 40 ألف يورو، ثم يهدده بعد فترة وجيزة بالاستيلاء على أدواته التي يعمل بها، ثم يقول له غاضبا "إذا لم تدفع، سنضعك في علبة ونرميك في البحر"، وهكذا يتم الاستيلاء على محل عامل الرخام المسكين الذي ليس لديه مخرج، كما يقول الكاتب.

ويختم الكاتب بأنه لا بد من فترة طويلة قبل التمكن من تقييم عواقب استخدام المراباة في النصف الأول من عام 2020 في بوليستينا (Polistena) كما في أي مكان آخر، خاصة أن حصول أي فرد ولو على يوروهات معدودات، سيكلفه تقديم خدمات كتوفير مخبأ للأسلحة أو المشاركة في تهريب مخدرات.

المصدر : لوموند

حول هذه القصة

لم يكن أي رئيس للولايات المتحدة عبر التاريخ متقلبا لهذه الدرجة ومنسجما مع اليمين المتطرف ومتواطئا مع الروس ومتاجرا مع السعوديين، قبل أن يكسر دونالد ترامب كل المواثيق والمحاذير وأدبيات الوظيفة.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة