مع تعثر المفاوضات.. هل منح السيسي قبلة الحياة لسد النهضة؟

السيسي تجاهل نصائح المسؤولين المصريين بشأن سد النهضة (الجزيرة)
السيسي تجاهل نصائح المسؤولين المصريين بشأن سد النهضة (الجزيرة)

كلما تعثرت مفاوضات سد النهضة الإثيوبي يبحث مصريون -دون جدوى- عن إجابات للأسئلة المتكررة: كيف أصبحنا الطرف الأضعف؟ ولماذا وصلنا إلى نقطة الصدام؟ وماذا عن مخاوف المستقبل؟ والأهم من ذلك: من المسؤول؟

وعلى الرغم من تشابك الأسباب المؤدية إلى إضعاف الموقف المصري وتعثر المفاوضات مع السودان وإثيوبيا فإنه ربما تكون نقطة التحول الرئيسية هي اتفاقية المبادئ التي وقعها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2015 مع زعيمي إثيوبيا والسودان، حيث تجذرت الأزمة بعدها إثر مسارعة إثيوبيا لاستكمال بناء السد، والإعلان المستمر عن موعد ملء الخزان استنادا إلى تلك الاتفاقية.

والمثير أن الإعلام المصري روج وقتها إلى أن السيسي قد حل المشكلة وأنهى مخاوف مصر المائية، وأنه قادر على التفاهم مع القادة  الإثيوبيين، لكن السنوات اللاحقة جاءت لتشهد تدهورا تدريجيا في الموقف المصري الذي بات عاجزا أمام إثيوبيا.

وتحاول مصر لملمة الأزمة دبلوماسيا تارة والتلويح باستخدام القوة تارة أخرى، مع الحرص على استمرار المفاوضات الثلاثية، لكن يبدو أن الأزمة تتعقد أكثر بنهاية كل جلسة تفاوض، وتبادل الاتهامات بالتشدد بين القاهرة وأديس أبابا.

وأعلنت وزارة الري المصرية مساء أمس الثلاثاء أن إثيوبيا تتمسك بـ"مواقف متشددة" بشأن ملء وتشغيل السد، معتبرة أن فرص التوصل إلى اتفاق "تضيق".

جاء ذلك في بيان للوزارة عقب انتهاء اليوم الخامس على التوالي من محادثات يرعاها الاتحاد الأفريقي بحضور ممثلي مصر وإثيوبيا والسودان والمراقبين (أميركيون وأوروبيون وأفارقة) بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد.

تأكيد وتكذيب

مخاوف وزارة الري المصرية من عدم التوصل إلى اتفاق تعيد التذكير ببيان الرئاسة المصرية الذي احتفى به الإعلام المصري مؤخرا، والذي أكد أن إثيوبيا التزمت بالامتناع عن ملء السد قبل التوصل إلى اتفاق، وهو ما نفته إثيوبيا وقتها بتصريحات هادئة، ثم صعّدت لهجتها أمس الثلاثاء بتكذيب تلك الأنباء.

وفي 26 يونيو/حزيران الماضي أعلنت الرئاسة المصرية أن القمة الأفريقية المصغرة أسفرت عن تشكيل لجنة حكومية من الدول الثلاث بمشاركة دولية، لبلورة اتفاق قانوني نهائي ملزم لجميع الأطراف بخصوص قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، والامتناع عن القيام بأي إجراءات أحادية، بما في ذلك تعبئة السد قبل التوصل إلى هذا الاتفاق.

لكن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أكد أنه لا يمكن إيقاف تعبئة سد النهضة، نافيا أنباء عن التزام بلاده بعدم التعبئة، قائلا أمام البرلمان الإثيوبي أمس الثلاثاء إن التصريحات التي قالت إن إثيوبيا التزمت بعدم تعبئة السد كاذبة ولا أساس لها من الصحة، وتهدف إلى نسف المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي قبل أن تبدأ.

من المسؤول؟

اللافت في بيان الرئاسة المصرية الذي كذبته إثيوبيا هو صدوره عن الرئاسة وليس من قبل وزارة الري أو الخارجية كما جرت العادة في أغلب المواقف المشابهة بشأن مفاوضات أزمة السد، كما كان من الملفت للنظر الاحتفاء المبالغ فيه من الإعلام المصري بالبيان.

فهل كان المعنى "الإيجابي" هو ما دفع الرئاسة للانفراد بالإعلان من باب الاستئثار بـ"النجاح" لنفسها، وإعادة الفضل إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، مثل عبارة "بفضل توجيهات السيد الرئيس" التي تعوّد أن يسمعها المصريون من المسؤولين في مختلف المجالات.

واحتفاء الإعلام المصري بـ"النجاح" الذي أعلنه بيان الرئاسة يعيد إلى الأذهان موقف وسائل الإعلام نفسها التي دشنت حملة مكثفة للإشادة بالسيسي بعد توقيع اتفاقية المبادئ عام 2015، والتأكيد على أن السيسي أنقذ مصر ومستقبلها، وكان العنوان الأبرز المعبر عن تلك المرحلة هو "السيسي حلها"، وللمفارقة أن نفس العنوان يستخدمه رواد مواقع التواصل حاليا للتعبير عن الغضب والسخرية من سياسة السيسي تجاه أزمة السد.

قبلة الحياة

وبعيدا عن سخرية النشطاء وغضبهم، هل حقا يتحمل السيسي مسؤولية تأزم المفاوضات وإضعاف الموقف المصري بسبب توقيعه على اتفاقية المبادئ؟ أم كانت الخيار الدبلوماسي الأفضل كما تؤكد السلطات المصرية دائما؟

ويقول باحثون وأطراف في المعارضة المصرية إن الاتفاقية منحت قبلة الحياة لإثيوبيا كي تمضي نحو استكمال بناء السد وتحصل على تمويلات دولية لتنفيذ المشروع، وذلك وفقا لدراسة نشرت عام 2016 في مجلة السياسة الدولية الحكومية تحت عنوان "الموقف التفاوضي المصري في أزمة سد النهضة.. التحديات والخيارات".

وفي تلك الدراسة، اعتبر الباحث عماد حمدي أن من أهم التحديات التي تواجه المفاوض المصري في أزمة سد النهضة فقدان مصر النفوذ الذي مارسته لفترة طويلة على القوى المانحة التقليدية، مثل البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، لمنع تمويل السد، بعد إعلان المبادئ الذي وقعه السيسي والذي احتوى على اعتراف ضمني بالسد، حيث قدمت مصر والسودان شهادة الميلاد الحقيقية للسد الإثيوبي الذي كان يعاني مشكلات الاعتراف والشرعية.

السيسي تجاهل التحذيرات

قبلة الحياة التي منحها السيسي لسد النهضة لم تكن خفية أو مفاجئة للنظام المصري، حيث قالت مصادر حكومية إن العديد من الجهات الرسمية رفعت تقارير للسيسي قبل توقيع الاتفاقية مفادها أن التوقيع عليها سيضعف موقف مصر الذي كان يطلب من الجهات الدولية آنذاك عدم تمويل السد إلا بعد التوصل إلى اتفاق بشأن كيفية ملئه، وكذلك بعد التيقن من تفاصيل فنية تتعلق بأمن جسم السد وطبيعة التداعيات البيئية الناتجة عنه، وتأثيره على مجرى النهر ونوعية المياه فيه.

التصريحات التي نقلها موقع "مدى مصر" في 26 سبتمبر/أيلول 2019 قال إنها لمصدر حكومي سابق كان قد شارك في المشاورات التي سبقت اتخاذ مصر قرار توقيع اتفاقية المبادئ.

وأكد المصدر الحكومي أيضا أن مستشارة الرئيس لشؤون اﻷمن القومي فايزة أبو النجا ومختصين سابقين في المخابرات وفي وزارات الخارجية والدفاع والري أجمعوا على أن التوقيع على الاتفاقية يمثل إقرارا مصريا بالموافقة على قيام إثيوبيا ببناء السد بدون أي ضمانات أو التزامات.

غير أن السيسي قرر أنه سيوقع الاتفاق، وأخبر معاونيه أنه ستكون لديه القدرة على إحداث تغيير كبير في الموقف الإثيوبي من "خلال استخدام تأثيره الشخصي على المسؤولين الإثيوبيين، بل وعلى الرأي العام الإثيوبي" وفقا للمصدر ذاته.

ونقل الموقع عن مصدر حكومي آخر أن مطالبة الدول والجهات المانحة بعدم تقديم الدعم المالي والفني لإثيوبيا كانت الخط الرئيسي الذي عملت عليه الدبلوماسية المصرية منذ بداية تحرك إثيوبيا لبناء السد في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، وذلك اعتمادا على ما يقره القانون الدولي من أن الدول المتشاطئة على مياه الأنهار لا يمكن لها أن تقوم بمشروعات مائية تؤثر على مجرى المياه وحصص الدول بدون التوافق المسبق.

غير أن المطالبة بعدم دعم إثيوبيا في بناء السد انتفت منطقيتها بالتوقيع على اتفاقية المبادئ التي مثلت اعترافا مصريا رسميا بحق إثيوبيا في بناء السد، بغض النظر عن عدم احتواء الوثيقة على نصوص واضحة تضمن عدم المضي قدما في البناء قبل التوافق، وهو ما سبق أن حذر معاونو السيسي من حدوثه.

الانفراد بالقرار

انفراد السيسي بالقرار في أزمة سد النهضة ويقينه في تأثيره الشخصي -كما نقلت المصادر الحكومية- ظهرا بوضوح عندما تعثرت المفاوضات واضطرت الدول الثلاث للاجتماع على هامش مؤتمر للاتحاد الأفريقي، حيث خرج السيسي في 29 يناير/كانون الثاني 2018 بتصريحه الشهير "مفيش أزمة، ونحن نتكلم كدولة واحدة وليس كثلاث دول".

هذا الانفراد حذرت منه جماعة الإخوان المسلمين، مشددة على أنه لا مجال في الأزمات الكبرى للانفراد بالقرار، بل المسؤولية جماعية تتحملها الجماعة الوطنية، وتترجمها مؤسسات الدولة الحامية لأمنها القومي وحقوق الأجيال المقبلة.

وفي بيان لها أمس الثلاثاء أكدت الجماعة رفضها أي اتفاقيات، سواء تلك التي وقعت عام 2015 أو ستوقع لاحقا وتؤدي إلى المساس بحق الحياة للشعب المصري وحقوقه التاريخية المقررة دوليا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما تأكد خلال سنوات مضت أن ثمة إعلان مبادئ وُقع بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، وأن محوره سد النهضة لا سواه، ليأتي تصريح وزير الري المصري ليثير شكوكا حول الأمر برمته.

وكأن الأطراف المعنية تدور بحلقة مفرغة. فسواء طرح الملف على مستوى القادة أو الوزراء أو الخبراء، تحت مظلة الاتحاد الأفريقي أو في مجلس الأمن، تبقى مواقف القاهرة وأديس أبابا والخرطوم واحدة بشأن سد النهضة.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة