لصالح السيسي أم الجيش.. المجلس العسكري يتحكم بالمستقبل السياسي للضباط

ميل المصريين لتأييد الجيش يجعل من قادته الأكثر خطورة على مستقبل السيسي (رويترز)
ميل المصريين لتأييد الجيش يجعل من قادته الأكثر خطورة على مستقبل السيسي (رويترز)

في صالح من جاء تعديل القانون الذي أقرّه البرلمان المصري بمنع ترشح العسكريين السابقين لأي انتخابات رئاسية أو برلمانية أو حتى محلية، إلا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟

فقبيل انتخابات المجالس النيابية والمحلية المزمع عقدها على فترات متلاحقة، وافق مجلس النواب -في الجلسة العامة أمس الاثنين- على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام قانون شروط الخدمة والترقية لضباط القوات المسلحة، كما وافق على تعيين مستشار عسكري لكل محافظ بصلاحيات واسعة.

فهل عاد المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى تصدر المشهد السياسي مجددا، بعد تعزيز سلطته ومنحه صلاحيات إضافية ترهن مشاركة العسكريين الحاليين أو السابقين في الحياة السياسية بموافقة المجلس، وهو ما ينطبق على السيسي نفسه بصفته عسكريا سابقا.

في الوقت نفسه، يرى فريق آخر أن السيسي قطع الطريق بقوة القانون على كل من يشكل تهديدا لمستقبله السياسي من قادة الجيش السابقين، بوصفهم القوة الوحيدة القادرة حاليا على منافسته انتخابيا.

لكن فريقا ثالثا يعتبر الأمر نوعا من الموائمة بين الطرفين وإعادة هيكلة للدولة المصرية بمزيد من هيمنة الجيش، فضلا عن ترتيب المشهد السياسي لما بعد السيسي، بما يضمن استقرار حكم السيسي، وفي الوقت نفسه تأمين السيطرة العسكرية مستقبلا.

السيسي يطيح بقادة الجيش ويمنع آخرين من الترشح للرئاسة (الجزيرة)

قوانين عسكرية

وتضمنت التعديلات الجديدة إضافة فقرتين جديدتين للمادة 103، تقضيان بعدم جواز ترشح الضباط سواء الموجودين في الخدمة أو من انتهت خدمتهم في القوات المسلحة، لانتخابات رئاسة الجمهورية أو المجالس النيابية أو المحلية، إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ويغلق هذا التعديل التشريعي الباب أمام ضباط الجيش المتقاعدين خصوصا، إذ إن القوانين الحالية كانت تسمح لأي عسكري بخوض أي انتخابات عامة، شرط أن يترك الخدمة.

اللافت في التعديلات الجديدة أنها لا تستثني رئيس الجمهورية، مما يعني أن القانون ينطبق على السيسي أيضا بصفته عسكريا سابقا، وأن مسألة ترشحه لفترة جديدة هي في يد المجلس العسكري، بغض النظر عن ولاء المجلس حاليا له.

وفي نيسان/أبريل من العام الماضي، تم إقرار تعديل دستوري مثير للجدل يفتح الباب أمام بقاء السيسي في الرئاسة حتى عام 2030.

وقبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2018، ألقي القبض على رئيس الأركان الأسبق سامي عنان عقب إعلانه نيته الترشح لرئاسة الجمهورية، وتم الإفراج عن عنان نهاية عام 2019 بعدما أمضى نحو عامين في الحبس.

وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 2017، قضت محكمة عسكرية بحبس أحمد قنصوة الضابط في الجيش المصري 6 سنوات، بعد إعلانه عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعتزامه خوض انتخابات الرئاسة.

هيمنة السيسي على المشهد السيسي دفعت نشطاء إلى السخرية من تصريحاته السابقة التي اتهم فيها الرئيس الراحل محمد مرسي بأنه استخدم الديمقراطية كسلم للصعود إلى السلطة، ثم انقلب عليها.

سلم الديمقراطية

وتتزامن تعديلات القانون مع بدء العد التنازلي لانتخابات مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما يعني وضع إمكانية ترشح ضباط سابقين للمجلسين بيد المجلس العسكري، علما بأن مجلس النواب الحالي يضم زهاء 71 ضابطا سابقا من الجيش والشرطة.

وتعزز تلك التعديلات الجديدة دور القوات المسلحة في الحياة السياسية، بعد حصولها على سلطات فوق دستورية في استفتاء تعديلات الدستور في أبريل/نيسان 2019، حيث أضيف إلى المادة 200 النص على أن "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد".

وجاء الاستفتاء على هذه المادة ضمن أشبه ما يكون بالمقايضة بين القوات المسلحة والسيسي، حيث تضمنت التعديلات الأخرى مواد توسّع صلاحيات رئيس الجمهورية، وتمدد بقاء السيسي إلى عام 2030 بالسماح له بالترشح في عام 2024، ومد فترة الرئاسة إلى 6 سنوات بدلا من 4، ومد فترته الرئاسية الحالية.

لكن آخرين اعتبروا المادة أيضا سيفا على رقبة السيسي، لأنها منحت الحق الدستوري للجيش في التدخل السياسي وتغيير النظام بحجة الحفاظ على مدنية الدولة، وهي كلمة مطاطة لا يمكن ضبطها، وهو ما ينطبق أيضا على تعديل القانون الأخير بمنع العسكريين السابقين من الترشح إلا بموافقة الجيش.

 

لعبة القوانين

وفي هذا السياق، وصف المرشح الرئاسي الأسبق أيمن أنور تعديلات القانون الجديدة بأنها "غير دستورية لأن الأصل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات".

وأشار نور -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن حالة المواطن الذي ينتمي للمؤسسة العسكرية هي حالة عارضة ترتبط ببقائه ضمن هذه المؤسسة، فإذا ما خرج منها فقد استرد كل حقوقه المدنية بلا استثناء.

وأكد أنه لا يجوز حرمان هذا المواطن من أي حق عبر فرض شروط لممارسة هذا الحق، كموافقة أو اعتراض جهة ما. وبالتالي فإن الحديث عن قيود تتصل بالحياة المدنية أو الحياة السياسية بدعوى أنه عسكري سابق، هو افتئات على حقوقه الدستورية.

وحول إذا ما كانت التعديلات تنطبق على السيسي أم لا، أكد نور أنها بالضرورة تنطبق على السيسي، مضيفا "لكن السيسي لا يتقيد بقانون أو دستور، ففي الوقت الذي عاقب فيه قلنصوة وعنان لترشحهما للرئاسة، تقدم هو بزي الجيش، فهو يرى نفسه فوق القانون والدستور".

 

صراع عسكري

بدوره، اعتبر عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس الشعب السابق المهندس أسامة سليمان، أن "تعديلات القانون الجديدة تغلق الباب أمام أي عسكري سابق للترشح إلى أي مجلس محلي أو نيابي إلا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بل حصرها في الفئة المرضي عنها"، ولم يستبعد أن تكون "بمثابة استعداد لأي انتخابات قادمة سواء نيابية أو رئاسية".

و بشأن دلالة تلك التعديلات والسلطات الواسعة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يرأسه السيسي، أكد سليمان -في حديثه للجزيرة نت- أنها تكشف عن وجود صراع قوي داخل القوات المسلحة وداخل العسكريين على السلطة، وأن السيسي ما زال يخشى منهم.

وأضاف أن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة ولاؤه للسيسي والزمرة التي حوله، وبالتالي سوف يستجيبون له في من يجب ترشحه من عدمه لأي مجلس أو منصب، وفق رؤيته الخاصة وليس وفق حرية الترشح التي كفلها له القانون، مع الأخذ في الاعتبار أن المجالس النيابية أدوات للسيسي، تنتهك الدستور في الفصل بين السلطات وتعبر عن السلطة لا الشعب".

وشدد على أن السيسي بعد تجربة سامي عنان وقنصوة بدأ يدرك أنه لا يمكنه الاطمئنان بشكل كامل إلى الجيش، وأن "بعض القيادات يمكن أن تسبب له صداعا أو حرجا داخل القوات المسلحة".

المصدر : الجزيرة + الفرنسية

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة