بعد قتلى وجرحى بساحة التحرير في بغداد.. هل ضُرِب الكاظمي بالمتظاهرين؟

ساحة التحرير مركز الاحتجاجات في بغداد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019 (غيتي-أرشيف)
ساحة التحرير مركز الاحتجاجات في بغداد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019 (غيتي-أرشيف)

مصطفى المسعودي – بغداد

أثار قمع المتظاهرين بساحة التحرير في بغداد، على يد عناصر أمنية، الأحد الماضي، والذي أوقع قتيلين وجرحى، سيلا من التساؤلات الغاضبة والاتهامات بين الأوساط العراقية المترقبة لخطوات رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي.

يعد الصدام هو الأول منذ تولي الكاظمي منصب رئاسة الوزراء، وهذا ما يفسر مشاعر الغضب من الحكومة التي تعهدت في برنامجها الوزاري بحماية المتظاهرين وتحقيق العدالة في قضايا العنف المفرط والاعتقالات غير القانونية فضلا عن قضايا مئات القتلى وآلاف الجرحى خلال حكومة عبد المهدي السابقة.

وبحسب شهود عيان، استخدمت قوات مكافحة الشغب العراقية الرصاص الحي والغاز المدمع لتفريق احتجاجات، منددة بتراجع خدمات قطاع الكهرباء، في ساحة التحرير.

وأكد عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية، علي البياتي للجزيرة نت، أن "الصدامات الأخيرة بين القوات الأمنية والمتظاهرين، في ساحة التحرير، أسفرت عن مقتل متظاهرَينِ وإصابة 11 آخرين، بينهم إصابات خطيرة".

تصعيد مفاجئ
ومنذ شهور تشهد ساحات المظاهرات في البلاد توقفا نسبيا للاحتجاجات في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، منذ تفشي فيروس كورونا، بينما أكد ناشطون بالتحرير عدم اتفاق المعتصمين على التصعيد الأخير.

يقول المتظاهر في ساحة التحرير، محمد سليم، إن "التصعيد الأخير الذي أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، لم يكن خيارا متفقا عليه بين المعتصمين وقد فوجئ أغلب المعتصمين بانطلاقه، لكن تطور الأحداث أخذ منحى آخر وصار المحتجون بمواجهة الرصاص بعد ساعات من التصعيد"، مشيرا إلى أن صدام التحرير كشف فشل الحكومة حتى الآن في مد الجسور مع خيم الاحتجاج ومنسقيها.

جانب من الاحتجاجات جنوبي العراق على تردي الخدمات وبالذات في قطاع الكهرباء (الصحافة العراقية)

غرباء على التحرير
من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية، الثلاثاء، أنها رصدت "مجموعات إجرامية في ساحة التحرير تعمّدت الصدام مع قوات الأمن، وسعت لإثارة الفوضى"، مشيرة إلى أنها ملتزمة بعدم استخدام الرصاص الحي مع المتظاهرين.

ويشير سليم للجزيرة نت، إلى أن الشكوك التي تحوم حول اختراق التظاهرات من قبل أحزاب أو جماعات غريبة على الساحة افتعلت الصدام وصدرت المحتجين، تعيد التذكير بتعهدات قطعها الكاظمي على نفسه وحكومته بحماية الساحات، وصار لزاما عليه تنفيذها بأسرع ما يمكن ليثبت جديته.

وأعلن الكاظمي في برنامجه الوزاري منذ البداية أن "تؤسس الحكومة مجلسا استشاريا تطوعيا، مرتبطا بمكتب رئيسها، يمثل المحافظات العراقية كافة، مهمته صياغة آليات دائمة لحماية حق التظاهر السلمي، وضمان سلميته".

وقال أحمد ملا طلال المتحدث باسم رئيس الوزراء، في مؤتمر صحفي عقده ببغداد، الثلاثاء، إن التحقيقات الأولية تشير إلى أن "أحد الشهيدين في ساحة التحرير وبحسب تقرير الطب العدلي، قتل برصاصة على بُعد مترين فقط، وكان أقرب وجود أمني من الساحة هو 45 مترا".

جانب من الاحتجاجات الأخيرة قرب ساحة التحرير (الجزيرة)

الأحزاب السياسية
عد ناشطون تصريحات ملا طلال في صياغة أول رد فعل للحكومة على أحداث الأحد لا تنسجم مع خطابها العام بشأن الحركة الاحتجاجية، وأنها إلى حد ما تعيد تدوير الخطاب الذي استخدمه رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي، ولا سيما في تجنب الإشارة إلى الجهة التي قتلت المتظاهرين.

ويقول حسين الغرابي، الناشط في احتجاجات الناصرية (مركز محافظة ذي قار جنوبي البلاد)، إن وزارتي الداخلية والدفاع لا تختلفان عن بقية وزارات الدولة المخترقة من الأحزاب والموزعة مناصبها على شكل حصص بين الأحزاب منذ سنوات.

وأضاف الغرابي للجزيرة نت، أن على الكاظمي -ولإثبات جديته- البدء في محاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين في ساحة التحرير، مبينا أن "الادعاء بأن إطلاق النار لم يكن من القوات الأمنية، لا يقنع المتظاهرين، ويجب كشف الجناة، ومصارحة العراقيين فيما إذا كانت الأحزاب تدافع عن شخصياتها في الوزارات ومن بينها الأمنية".

وظهر الكاظمي مساء الاثنين الماضي بكلمة متلفزة تعليقا على الصدامات التي تعتبر الأولى منذ توليه رئاسة الحكومة، قائلا إن تظاهرات الشباب حق مشروع، وليس لدى القوات الأمنية الإذن بإطلاق ولو رصاصة واحدة باتجاه المتظاهرين، مبينا أن "كل رصاصة تستهدف شبابنا وشعبنا وهو ينادي بحقوقه، هي رصاصة موجهة إلى كرامتنا ومبادئنا".

وأشار إلى فتح التحقيق في كل ملابسات ما حدث في ساحة التحرير، وطلب تقديم الحقائق أمامه خلال 72 ساعة.

الدعم المجتمعي للكاظمي سيتراجع بعد حادثة ساحة التحرير (الصحافة العراقية)

مقارنة
ويقول المحلل السياسي بركات علي حمودي، إنه بعد مضي ثلاثة أشهر من عمر حكومة الكاظمي، لا مناص من إعطائها فرصة لبلورة شكل جديد لنهج الدولة التي فقدت هويتها منذ 17 عاما، وإيجاد صيغة للتواصل مع المتظاهرين، فالوعود التي أعطيت للشعب لن تتحقق بين ليلة وضحاها.

وأضاف حمودي للجزيرة نت، أن بعض الوعود التي أطلقها الكاظمي طور التنفيذ، لكنها تتطلب وقتا لكشف حقيقة جديتها، مشيرا إلى أن "المقارنة بين الحكومات السابقة وهذه الحكومة من ناحية سقوط الدماء بين المتظاهرين، تظهر أن مرور أكثر من شهرين على حكومة الكاظمي لم تسقط دماء بقدر الدماء التي أريقت في ساعات في حكومة عبد المهدي".

ومع بداية يوليو/تموز الجاري، تجددت في العديد من مدن الوسط والجنوب الاحتجاجات "الموسمية" على تردي خدمات قطاع الطاقة الكهربائية بالتزامن مع درجات الحرارة الخمسينية على مستوى البلاد بظل ضرورة البقاء في البيوت تجنبا للإصابة بفيروس كورونا.

ويتوقع المراقبون أن يتضاءل حجم الدعم المجتمعي للحكومة بين أوساط النخبة والمحتجين، بعد حادثة ساحة التحرير، ما لم تثبت روايتها عبر اعتقال المسؤولين عن أعمال العنف وكشف ملابسات الأحداث، وبما ينسجم مع التعهدات التي يراها كثيرون رصيدها الوحيد لتبقى صامدة في الأشهر المقبلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تراجعت مشاركة المحتجين في اعتصام ساحة التحرير بوسط العاصمة بغداد بسبب فيروس كورونا، لكن خيام المعتصمين ما زالت على حالها وبقي فيها عشرات يقولون إنهم سيعودون إلى نشاطهم فور تجاوز أزمة الفيروس. تقرير: سامر يوسف تاريخ البث: 2020/4/5

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة