حياد أميركي متأخر بأزمة سد النهضة.. كلفة الرهان المصري على ترامب

السيسي راهن على علاقته القوية بترامب للحصول على موقف أميركي داعم لبلاده في أزمة سد النهضة (رويترز)

بإعلانها اكتمال المرحلة الأولى لملء خزانات سد النهضة قبل أيام، تكون إثيوبيا قد خالفت بشكل صريح الموقف الأميركي الذي عبر عنه بيان رسمي صدر في نهاية مفاوضات واشنطن حول السد في فبراير/شباط الماضي.

وكانت الحكومة المصرية قد عوّلت على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لثني إثيوبيا عن التحرك فرديا في عملية بدء ملء خزانات السد، كما أشار بيان لوزارة الخارجية المصرية عن تواصل وزير خارجيتها سامح شكري مع عدد من كبار قادة الكونغرس حول أزمة سد النهضة.

ونجحت ضغوط القاهرة في إصدار بيان رسمي أميركي نادى بضرورة التوصل لاتفاق بين الأطراف المعنية قبل بدء أي عملية لملء خزانات السد.

وجاءت المفاوضات التي أجريت بإشراف أميركي وبمشاركة البنك الدولي، نتيجة دعوة مصرية، إلا أنها وصلت لطريق مسدود بعد رفض إثيوبيا المبادرة الأميركية التي قدمتها للأطراف بشأن قواعد تتعلق بفترة ملء السد وطريقة تشغيله.

واعتبر بعض الخبراء أن موقف إدارة ترامب جاء مناصرا للموقف المصري نظرا للعلاقة الجيدة التي تجمع ترامب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

مع انهيار المفاوضات.. مشروع سد النهضة الإثيوبي يدخل عامه الـ10
الحياد الأميركي من أزمة سد النهضة جاء بعد فشل وساطتها بين القاهرة وأديس أبابا (الجزيرة)

حياد أميركي متأخر
تحدثت الجزيرة نت مع مسؤول رفيع بالبيت الأبيض حول هذه القضية، حيث أكد لها أن بلاده لا تزال "ملتزمة بتسهيل التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة الإثيوبي".

وأضاف المسؤول -الذي لم يرغب في ذكر اسمه- أن "أي تدخل من جانب الولايات المتحدة في موضوع سد النهضة سيكون استمرارا لجهودنا الطويلة الأمد لدعم مصر وإثيوبيا والسودان في مفاوضاتهم البناءة للتقدم للأمام".

ولم يوجه المسؤول الأميركي أي انتقادات لإثيوبيا ردا على مخالفتها الموقف الأميركي وبدء ملئها خزانات السد دون التوصل لاتفاق مع مصر والسودان.

وفي حديث مع الجزيرة نت رأي سكوت ماكدونالد، كبير الاقتصاديين بمركز سميث للبحوث وتصنيفات الائتمان المالي، أن إدارة ترامب حاولت "جمع مصر والسودان وإثيوبيا معا للتحدث عن القضايا المتعلقة بسد النيل (النهضة)، وقد نجحت في ذلك".

إخفاق ترامب
واجتمع الرئيس ترامب مرتين بوفود الدول الثلاث في البيت الأبيض، وتم إحراز بعض التقدم، إلا أنه لم يتم حسم القضيتين الأساسيتين المرتبطتين بفترة ملء الخزان وطريقة تشغيله، وفقا لمكدونالد.

وذكر ماكدونالد أن دور واشنطن "قد تعقّد بسبب التصور الخاطئ بأن الولايات المتحدة أكثر تأييدا للجانب المصري، وهو ما ألقى بظلال من الشك على دور واشنطن كوسيط نزيه".

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد بالغ في الثناء على جهود الرئيس ترامب، وقال إنه يملك القوة لمواجهة الأزمات.

وجاء في تغريدة للرئيس المصري "كعادته أثبت الرئيس ترامب أنه رجل من طراز فريد ويمتلك القوة لمواجهة الأزمات والتعامل معها، وإيجاد حلول حاسمة لها، وأجدد امتناني الشخصي وتقدير مصر لسيادته على الجهود التي يبذلها لرعاية المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة".

سكوت مكدونالد: المصلحة الأميركية تقضي بأنه تجد الدول الثلاث طريقة سلمية للتوصل لاتفاق مُرضٍ لها بأزمة سد النهضة (الفرنسية)

مصالح وخلافات حلفاء واشنطن
يعتقد ماكدونالد أن من "المصلحة الوطنية للولايات المتحدة أن تجد جميع الدول الثلاث طريقة سلمية للتوصل لاتفاق مُرضٍ للجميع".

وانتقد الاقتصاديّ الأميركي "الشائعات التي تقول إن الرئيس ترامب يفكر في حجب المساعدات الأميركية لإثيوبيا بعدما مضت أديس أبابا وبدأت في ملء الخزان هذا الشهر".

وذكرت مصادر دبلوماسية بواشنطن للجزيرة نت أن الولايات المتحدة كانت دائما مهتمة بقضية سد النهضة، وأنها كانت تتصور أن حليفيها -القاهرة وأديس أبابا- يمكنهما حل القضايا الفنية المتعلقة بملء وتشغيل السد عن طريق التفاوض فيما بينهما.

ويقول ماكدونالد "من المستبعد أن تلجأ واشنطن لفرض أي عقوبات على إثيوبيا، وذلك بالنظر إلى اهتمام واشنطن بتطوير علاقات أفضل معها في ضوء صراعها مع الصين على النفوذ في هذه المنطقة المهمة".

حليف قوي
وتعد إثيوبيا حليفا قويا لواشنطن في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، وأشارت دراسة لخدمة أبحاث الكونغرس إلى أن "إثيوبيا تلعب دورا مهما في مواجهة تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له في منطقة القرن الأفريقي".

وتعد الصورة الذهنية لإثيوبيا في الولايات المتحدة إيجابية طبقا للدراسة التي أشارت إلى أن "آبي أحمد يعد الزعيم الأصغر في القارة الأفريقية، إذ يبلغ عمره 43 عاما، وتشغل النساء نصف عدد مناصب مجلس وزرائه".

وتعتمد إثيوبيا في الترويج لموقفها في واشنطن على البعد الإنساني الذي تدعمه تقارير رسمية صادرة عن البنك الدولي، والتي تشير إلى حاجة إثيوبيا الماسة للطاقة الكهربائية.

ويقول أحد هذه التقارير إن "66% من سكان إثيوبيا يعيشون من دون كهرباء وهي من أعلى النسب في العالم"، ويتوقع أن يوفر سد النهضة 6.45 غيغاوات من الكهرباء، وهو ما سيوفر الكهرباء لملايين المواطنين الإثيوبيين.

وطبقا لبيانات خدمة أبحاث الكونغرس فقد "بلغ إجمالي المساعدات الثنائية الأميركية لإثيوبيا -ومعظمها لبرامج التنمية والصحة والأغذية- أكثر من 900 مليون دولار في السنة المالية 2016، و750 مليونا في السنة المالية 2017، و600 مليون في اعتمادات السنة المالية 2018".

ولا تشمل هذه الأرقام حجم المعونة الإنسانية الطارئة، التي تخصص وفقا لدرجة التضرر الإنساني وتوافر الموارد المالية، وبلغ إجمالي هذه المساعدات لإثيوبيا أكثر من 495 مليون دولار في السنة المالية 2019.

من ناحية أخرى، تواصل إثيوبيا الاستفادة من مبادرتي "الغذاء للمستقبل" و"الطاقة في أفريقيا" اللتين تقودهما الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وتمولان مشاريع التنمية الزراعية والطاقة.