أوريان 21: حق العودة مفتاح السلام في فلسطين

مفتاح العودة رسالة واضحة من اللاجئين الفلسطينيين بحقهم في العودة لوطنهم (الجزيرة)
مفتاح العودة رسالة واضحة من اللاجئين الفلسطينيين بحقهم في العودة لوطنهم (الجزيرة)

وصلت "عملية السلام" الحالية التي جاءت باتفاقيات أوسلو عام 1993 إلى طريق مسدود، وفشلت كل محاولات دفعها -بما في ذلك خطة السلام الأميركية المعروفة بـ"صفقة القرن"- فشلا ذريعا، وذلك لأنها تجاهلت قضيتين أساسيتين، هما طبيعة الحركة الصهيونية وحق عودة الفلسطينيين المطرودين عام 1948، وما لم تتم معالجتهما فلن يكون هناك تقدم حقيقي نحو المصالحة والسلام العادل.

تحت هذه المقدمة نشر موقع أوريان 21 (Orient XXI) مقالا مشتركا مطولا أعدته 3 شخصيات بارزة، هي إيلان بابي من المؤرخين الجدد الذين أعادوا النظر  بصورة نقدية في تاريخ إسرائيل، وعالم الأنثروبولوجيا يوري دافيس، وهو عضو في المجلس الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتمر يارون، وهي يهودية مهاجرة إلى إسرائيل.

وانطلق المقال من أن الدراسات الحديثة المتعلقة بفلسطين قدمت الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية استيطانية وإن كان الموضوع تم تناوله في البداية من منظور أيديولوجي.

إعادة النظر في الصهيونية وجرائمها

لكن بفضل البحوث الجديدة -كما يقول الكتّاب- أصبح من الممكن الآن فحص الصهيونية باعتبارها استعمارا استيطانيا من منظور أكاديمي، وهذا ما يسمح بمناقشة الصهيونية وطبيعتها من خلال وضعها في قلب الصراع الحالي على أراضي فلسطين التاريخية.

وإذا كانت فكرة أن إسرائيل دولة فصل عنصري كما كتب يوري دافيس عام 1987 لا تزال مرفوضة في بعض الأوساط الجامعية فإنها أصبحت مقبولة من قبل المجتمع الأكاديمي، لأنه من الصعب عدم تعريف إسرائيل كدولة فصل عنصري، بالنظر إلى تشريعاتها التي تخصص 93% من أراضيها لليهود فقط.

ويسمح هذا المنظور -حسب المقال- برؤية أفضل تاريخيا لكيفية ظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وتطورها، كما أن وصف الصهيونية بأنها استعمار استيطاني وإسرائيل بأنها دولة فصل عنصري يقود إلى السؤال عن الحق في استعمال مصطلح "الإبادة الجماعية" في هذا المجال.

وأوضح المقال أن الاستعمار الصهيوني الاستيطاني كان من عمل المستوطنين الأوروبيين الفارين من الاضطهاد في أوروبا والباحثين عن وطن جديد لهم، وفقا لمنطق الحركات الاستيطانية القائم -حسب باتريك وولف- على "القضاء على السكان الأصليين".

ونبه المقال إلى أن "القضاء على السكان الأصليين" مرادف للإبادة الجماعية كما وقع لشعوب أميركا الشمالية وأستراليا، إلا أنه في جنوب أفريقيا اتخذ شكل الفصل العنصري والتطهير العرقي وغير ذلك من الإجراءات القمعية.

أما في فلسطين فكان التطهير العرقي هو الوسيلة الأساسية لتطبيق هذا المنطق الذي أدى إلى طرد نصف سكان فلسطين، وتدمير مناطقها الحضرية واحتلال ما يقارب 80% منها.

وإذا كان البعض يتردد في استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" على السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فإن اعتراف هؤلاء بأن اللاجئين الفلسطينيين وأحفادهم كانوا ضحايا منطق "القضاء على السكان الأصليين" يعني أنهم ضحايا سياسة الإبادة الجماعية.

وينطبق ذلك على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وهي اتفاقية ملزمة اعتمدها الكنيست، وتنص على أن فعل الإبادة الجماعية "هو أحد الأفعال التي ترتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليا أو جزئيا".

وبما أن طبيعة الصهيونية وحق العودة قضيتان مترابطتان فإن الغاية في هذا المقال هي عدم الاكتفاء بتقديم الفلسطينيين كضحايا لفعل إبادة جماعي واحد، بل تقديمهم كهدف لسياسة نزع ملكية مستمر يمل جوانب من ممارسات الإبادة الجماعية.

ولم يكن نزع الملكية الهيكلية مجرد عملية تطهير عرقي حسب المقال، بل كان جزءا من سياسات الإبادة الجماعية التي نفذت فور انتهاء كارثة 1948، حيث بدأ الأمر بمصادرة إسرائيل رسميا ممتلكات اللاجئين من خلال "قانون أملاك الغائبين" لعام 1950 والقوانين والتشريعات الإسرائيلية اللاحقة الأخرى، بالإضافة إلى طرد القرى الفلسطينية الأخرى بين عامي 1948 و1956، وبالتالي زيادة عدد اللاجئين.

وأشار المقال إلى أن تجاهل حقوق فلسطينيي 1948 وفلسطينيي السنوات التالية سيجعل أي حل مستقبلي لاغيا وغير مجد سياسيا، خاصة أن لدى العديد من اللاجئين والنازحين وثائق من السجل العقاري العثماني ومن الانتداب البريطاني بالإضافة إلى وثائق أخرى تثبت أنهم أصحاب أملاك، وبدون أخذ هذه الوثائق بعين الاعتبار لن يكون هناك سلام في إسرائيل وفلسطين.

وتعترف الأمم المتحدة بأن تحقيق العدالة للاجئين والمبعدين الفلسطينيين يشمل حقهم في الميراث الذي يجب الحصول عليه من خلال الالتزام بالآليات التي اقترحتها الأمم المتحدة في عام 2005 والمعروفة باسم "مبادئ بينهيرو".

خطة عمل

ففي عام 2005 -حسب المقال- قدم المقرر الخاص باولو سيرجيو بينهيرو تقريرا إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ركز فيه على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع تركيز خاص على إعادة المساكن والممتلكات في سياق عودة اللاجئين والمشردين داخليا.

وتتلخص مبادئ بينهيرو في ما يلي:

  • حق جميع اللاجئين والمشردين داخليا في العودة طوعا بأمان وكرامة إلى ديارهم وأراضيهم الأصلية، مع رد حقوق السكن والأرض والملكية.
  • أن تسمح الدول للاجئين والمشردين الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم أو أراضيهم أو أماكن إقامتهم المعتادة بالقيام بذلك.
  • الحق في الحماية من النزوح، حيث إن لكل شخص الحق في الحماية من التهجير التعسفي من منزله أو أرضه أو مكان إقامته المعتاد.
  • إعادة المساكن والأراضي والممتلكات طبقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين والقانون الإنساني الدولي والمعايير ذات الصلة.
  • يجب أن تكون هذه الآليات -لا مبدأ العودة والاسترداد وحده- جزءا من اتفاقيات السلام واتفاقيات العودة الطوعية،و يجب أن تشتمل اتفاقيات السلام على التزامات محددة من الأطراف حتى يتم التعامل بشكل مناسب مع أي قضايا تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات.
  • يجب أن يكون أي شخص حُرم بشكل تعسفي أو غير قانوني من السكن أو الأرض أو الملكية قادرا على تقديم مطالبة بالتعويض إلى هيئة مستقلة ومحايدة، ويجب البت في طلبه وإخطاره، ويجب على الدول ألا تضع أي شروط مسبقة لتقديم طلب الرد.
  • وأخيرا، تقدم مبادئ بينهيرو نقطتين تشكلان ردا فعالا على حجتين رئيسيتين للدعاية الإسرائيلية ضد حق العودة، فالحجة الأولى تقول إن الفلسطينيين لم يطردوا عام 1948 لكنهم فروا أو "تركوا طواعية" منازلهم، ويرد عليها بينهيرو بأنه من المفترض أن الأشخاص الذين فروا من منازلهم خلال وقت العنف أو الكارثة قد فعلوا ذلك لأسباب تتعلق بهذا العنف أو هذه الكارثة، وبالتالي يحق لهم استعادة مساكنهم وممتلكاتهم.

أما الحجة الإسرائيلية الثانية فهي ما يردده الصهاينة الليبراليون من أنه لا يمكن للمرء أن يحل مشكلة بخلق مشكلة جديدة، أي بطرد الأشخاص الذين يعيشون الآن في منازل اللاجئين.

وفي هذه الحالة -حسب بينهيرو- على الدول ضمان حماية القاطنين الجدد من الإخلاء القسري التعسفي أو غير القانوني، إلا أنه إذا كان الإخلاء قانونيا ولا يمكن تجنبه لأغراض استرداد المساكن والأراضي والممتلكات فإنه يجب أن يتم بطريقة تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

الامتثال للقانون الدولي

وبجعل الصهيونية استعمارا استيطانيا من خلال التأكيد على طابع الفصل العنصري وعناصر الإبادة الجماعية للسياسات الإسرائيلية في عام 1948 ومنذ ذلك التاريخ وبالاعتماد على مبادئ العدالة التصالحية للأمم المتحدة، يرى المقال أنه حان الوقت لأن تقوم الأمم المتحدة بدور أكثر حزما بشأن قضية فلسطين.

وفي هذا السياق، يمكن للجمعية العامة للأمم المتحدة تصنيف دولة إسرائيل دولة فصل عنصري، وتقديم قضيتها إلى الاتفاقية الدولية لعام 1973 لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، حتى أن دولة إسرائيل ملزمة بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

وتستطيع الأمم المتحدة أن تطالب إسرائيل -وفقا لمبادئ القانون الدولي- بإلغاء تشريعات الفصل العنصري، بما في ذلك قانون أملاك الغائبين لعام 1950، وإنهاء احتلالها واستيطانها جميع الأراضي العربية، وتفكيك جدار الفصل، كما يجب أن تعترف بالحقوق الأساسية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من حيث المساواة الكاملة.

وخلص المقال إلى أنه ما دام المجتمع الدولي بشكل عام والأمم المتحدة بشكل خاص لا يدافعان عن الحقوق الأساسية للفلسطينيين ويحترمانها فلن يكون هناك حل دائم وعادل وشامل للصراع في أراضي فلسطين التاريخية.

المصدر : أوريان 21

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة