لغز المقاتلة "إف- 35".. لماذا تراجعت واشنطن وسمحت لأنقرة بالمشاركة في تصنيعها؟

A U.S. Air Force pilot takes off in his Air Force F-35A aircraft from the 388th and 428th Fighter Wings to participate in a combat power exercise, after he formed up in an "elephant walk" exercise at Hill Air Force Base
"إف- 35" الأحدث والأكثر تطورا بترسانة السلاح الأميركي (رويترز)

جاء إعلان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) السماح للشركات التركية بمواصلة العمل في إنتاج بعض مكونات المقاتلة "إف-35" حتى نهاية عام 2022 ليمثل مفاجأة للكثير من المتابعين في العاصمة الأميركية على الرغم من تفهمهم لدوافع هذا القرار المعقد.

وأكدت الناطقة باسم البنتاغون جاسيكا ماكسويل أن الشركات التركية ستواصل من الآن وحتى نهاية العام 2022 عملية إنتاج 139 جزءًا من أجزاء هذه المقاتلة.

وسبق أن أعلن البنتاغون أن هذه الشركات ستتوقف عن المشاركة في إنتاج "إف-35" مع نهاية العام الجاري، وذلك بسبب إقدام أنقرة على شراء أنظمة الدفاع الصاروخي "إس-400" من روسيا، وهو ما دفع واشنطن لتعليق مشاركة تركيا في مشروع بناء هذه المقاتلة.

وتعتبر تركيا إحدى الدول الرئيسية المشاركة في مشروع تصنيع المقاتلة الأكثر تقدما في الترسانة الأميركية.

ويعتقد ديفيد دي روش، الأستاذ بجامعة الدفاع الوطني التابعة للبنتاغون، أن المشكلة الحقيقية فيما يتعلق بامتلاك منظومة "إس-400" وتصنيع أو امتلاك المقاتلة "إف-35" تعود بالأساس لطبيعة المعلومات التي سوف تجمعها رادارات صواريخ "إس- 400" مما يمكنها من تتبع الطائرة "إف 35" بانتظام أثناء طيرانها.

وأشار الأكاديمي الأميركي -في حديث خاص مع الجزيرة نت- أن بلاده لا تعتبر أن تركيا خرجت من منظومة التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة.

U.S. President Donald Trump welcomes Turkey's President Erdogan at the White House in Washington
يقول المحللون إن أردوغان يملك نفوذا داخل البيت الأبيض (رويترز)

احتمالان وراء التراجع الأميركي
واعتبر هاورد آيزنشتات الخبير في الشؤون التركية بمشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط أن موضوع التراجع الأميركي يُعد "لغزا كبيرا غير واضح المعالم".

وأكد -في حديث للجزيرة نت- أنه غير مُطلع على ما يجري بين الطرفين خلف الأبواب المغلقة، إلا أنه أشار إلى وجود احتمالين وراء موقف واشنطن، الأول يتعلق بحجم نفوذ الرئيس التركي رجب أردوغان الكبير على نظيره الأميركي دونالد ترامب، وهو ما يستغله (أردوغان) بذكاء، وكان ذلك واضحا في حالة الافراج عن القس أندرو برنسون في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

ويتابع الخبير بالشؤون التركية أن ذلك حجم هذا النفوذ ظهر أيضا بوضوح عندما وقفت إدارة ترامب عائقا أمام أي عقوبات ضد تركيا على الرغم من الدعم الكبير للعقوبات داخل الكونغرس وحتى داخل البنتاغون.

وأشار آيزنشتات إلى أن الاحتمال الثاني يتعلق بحسابات مالية واقتصادية وما يتعلق بدورة الإنتاج "ربما يكون قد تم التوصل بين الطرفين إلى اتفاق يتم بمقتضاه قبول استمرار مشاركة تركيا في عملية إنتاج الطائرة "إف-35″ حتى يتم العثور على موردين ومصنعين جدد".

وعاد الأكاديمي الأميركي دي روش ليقول إن الولايات المتحدة يمكنها وقف مشاركة جميع موردي قطع الغيار التركية على الفور، ولكن "هذا سيكون مكلفا جدا بالنسبة للولايات المتحدة إذ يتيح ذلك أن يفرض الموردون الجدد أسعارا أعلى بسبب ضرورة تسريع خطوط الإنتاج، كما أن إلغاء الاتفاقات السابقة سيؤدي إلى دعاوى قضائية قد تكون مكلفة ولا طائل من ورائها".

U.S. Air Force F-35A aircraft form up in an "elephant walk" during an exercise at Hill Air Force Base
تركيا واحدة من أهم الدول التي تشارك في تطوير المقاتلة "إف-35" (رويترز)

شريك إستراتيجي هام
وتلعب تركيا دورا حيويا في إستراتيجية الولايات المتحدة سواء في الشرق الأوسط أو وسط آسيا. ويظهر تنسيق الجانبين بوضوح في الساحة السورية والليبية حيث يجمع الطرفان هدف وقف ومواجهة التمدد الروسي العسكري.

ولا تنظر الولايات المتحدة إلى تركيا باعتبارها خارج منظومة تحالفاتها الإستراتيجية، كما يقول دي روش "لكن المشكلة أن أردوغان يأخذ تركيا بعيدا عن منظومة القيم الغربية، ولا يزال هناك مخزون كبير من النيّة الحسنة تجاه الأتراك في واشنطن، حتى بعد أن بذل أردوغان على ما يبدو قصارى جهده لاستنزافه".

ويرى دي روش أن الدولتين لا ترغبان في شخصنة علاقاتهما الإستراتيجية القديمة، وقال إن إخراج تركيا من المشروع بصورة كاملة كان سيتبعه إلحاق الضرر ماليا بالشركات الصناعية المشاركة، وهذا ربما يؤدي بلا داع إلى تفاقم الضرر ويجعل المصالحة الحتمية والكاملة في مرحلة لاحقة أكثر صعوبة.

الرسالة وصلت
ولا يعرف على وجه الدقة مصير شراكة تركيا في عملية بناء المقاتلة "إف-35" وامتلاكها خاصة مع إنفاقها أكثر من 900 مليون دولار بالفعل في إطار المشروع.

وتشير تقارير إلى أن تركيا لم تحسم قرارها بشأن تشغيل منظومة "إس-400" بعد، كما أنها مترددة في استلام الدفعة الثانية والأخيرة من المنظومة الصاروخية الروسية، وهو ما يشير إلى استمرار ضغوط واشنطن على أنقرة.

وذكر دي روش للجزيرة نت أن الرسالة الأميركية وصلت بوضوح لتركيا، فلن يُسمح بسهولة باختيار موردين يعملون لفترات قصيرة أو لصفقة واحدة، وسيتم تفضيل موردي العقود الطويلة، وهو ما يضر بالمصنعين الأتراك.

غير أنه أشار إلى أن عقوبات واشتطن تضر بتركيا، وهذا لم يكن دون داع. وهناك مسودة صياغة في الكونغرس تحاول البحث عن مخرج من خلال لغة يمكن من خلالها وضع أسس لمصالحة جديدة بين الطرفين.

من ناحيته أشار الخبير بالشؤون التركية آيزنشتات أن أنقرة كانت شريكا كاملا في إنتاج الطائرة "إف-35" ويعد قرار إخراجها من برنامج الإنتاج المشترك للطائرة عملية مكلفة للجانب الأميركي.

المصدر : الجزيرة