"حياة أو موت".. مزارعو مصر قلقون من سد النهضة

الزراعة مهنة مرهقة لكن الأكثر إرهاقا هو الخوف من شح المياه (الجزيرة)
الزراعة مهنة مرهقة لكن الأكثر إرهاقا هو الخوف من شح المياه (الجزيرة)

"بناء السد قتلنا بالتصوير البطيء" لم يجد عيسى، وهو مزارع من محافظة المنوفية شمال القاهرة، أفضل من تلك الكلمات ليعبر عن مخاوفه العميقة من تبعات سد النهضة الإثيوبي.

واعتبر عيسى الذي يزرع الخضروات، أن بداية ملء بحيرة سد النهضة يعد إيذانا بالقضاء على الزراعة التي تعاني بالأساس العديد من المشاكل المزمنة، خاصة منذ قرارات تعويم الجنيه المصري والتي ضاعفت تكلفة الإنتاج بصورة غير مسبوقة.

يقول عيسى في حديثه للجزيرة نت، "كفلاحين نحن بالأصل مهمشون لا أحد يهتم بنا، ونعاني من مشاكل تكاليف الإنتاج خصوصا ارتفاع أسعار المحروقات التي تستخدم في عملية الري، بجانب أسعار السماد المرتفعة والتي لا تتوفر أحيانا ويتم شراؤها من السوق السوداء بأسعار أكثر ارتفاعا، وفي مقابل ذلك كله تجد أن أسعار المحاصيل لا تزيد بالنسبة نفسها، بل ربما تسير في الاتجاه المعاكس".

وجاء حديثنا مع عيسى في ظل تأزم شديد في مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، حيث انتهت الجولة الأخيرة بالفشل كسابقاتها وسط أنباء عن عزم إثيوبيا على ملء بحيرة السد، وهو ما يعني تسارع التأثيرات السلبية على الزراعة المصرية.

توقعات بفقدان آلاف الأفدنة الزراعية بمصر بسبب شح المياه بعد تشغيل سد النهضة (الجزيرة)

مشاكل مزمنة

من جانبه، يقول مهران أبو فارس، مزارع وصاحب أرض بمحافظة البحيرة شمال دلتا النيل، إنه قرر أن يهجر زراعة الأرز وكذلك القطن، لأنها لم تعد مجزية بالنسبة له، رغم كونهما من المحاصيل الإستراتيجية لمصر.

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح أبو فارس معاناته بسبب عدم قدرته على زراعة الأرز والقطن التي كانت المحاصيل الأساسية التي يزرعها بالوراثة عن والده، وقت أن كانت تقام الأفراح في موسم الحصاد قبل نحو 10 سنوات.

يضيف أبو فارس إنه بمرور الوقت ومع تعويم الجنيه وارتفاع تكاليف الإنتاج واتجاه الدولة للاعتماد على استيراد المحاصيل الزراعية انخفض سعر إنتاجه من القطن لدرجة أنه أصبح أحيانا لا يغطي التكاليف، فاتجه إلى زراعة الأرز لكنه فوجئ بقرارات تخفيض المساحة المزروعة بسبب قلة توفر مياه الري، لدرجة أن السلطات فرضت "غرامة تبديد المياه" على من يزرع الأرز دون تصريح.

يتابع أبو فارس للجزيرة نت وهو يتنهد "زمان أبويا قالي (قال لي أبي) الأرض مثل العِرض ولكن الفلاحة باتت مهنة متعبة وغير مريحة، وهو ما جعلني أرغب في بيع الأرض وترك هذه المهنة".

وفي وقت سابق، حددت وزارة الري المصرية غرامة قدرها 3750 جنيها للفدان لمن يزرع بعض المحاصيل الزراعية الأساسية مثل الأرز بدعوى استخدامها كميات كبيرة من المياه.

وتم تغليظ العقوبة لاحقا بالحبس ستة أشهر وغرامة تصل إلى 20 ألف جنيه، بعد أن بدأت الحكومة إجراءات وضع خطة لترشيد استهلاك المياه، ما أثار غضب الكثير من المزارعين.

قطاع عريض من المزارعين بمصر يبدي مخاوفه من سد النهضة وتأثيره على الزراعة وزيادة البطالة (الجزيرة)

خسائر متوقعة

وحول خسائر سد النهضة وتأثيره المرتقب على الزراعة، يقول أستاذ الاقتصاد الزراعي محمد جمال، إنه مع إعلان إثيوبيا بدء الملء وحجز نحو 5 مليارات متر مكعب من مياه النيل دون اتفاق، فإن تلك الكمية ستؤدي للإضرار بقطاع عريض من الفلاحين يصل إلى نحو 3.6 ملايين مواطن يقتاتون من القطاع الزراعي، وسيفقدون مصدر دخلهم الأساسي خلال موسم الفيضان المقبل في 2021.

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح جمال أن الخسائر الاقتصادية الناجمة ستكون هائلة وتصل إلى 54 مليار جنيه تكلفة بوار نحو 810 آلاف فدان من الأراضي الزراعية، عوضا عن زيادة الواردات لمحاولة الحفاظ على الأمن الغذائي، الأمر الذي سيكلف نحو 900 مليون دولار إضافية لتكلفة الاستيراد الأساسية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، توقع وزير الخارجية المصري سامح شكري، أن يبلغ النصيب المائي للفرد في مصر إلى 500 متر مكعب سنويا بحلول عام 2020، وهو ما يجعل مصر في مصاف الدول التي تعاني من الفقر المائي الشديد، الأمر الذي دفع الدولة المصرية إلى تكثيف جهودها لمعالجة أزمة الأمن المائي.

آلية التعامل

وتتفاوت آراء الخبراء والمحللين حول آليات وطرق التعامل مع المشهد الراهن، فمن جانبه يرى أستاذ الموارد المائية نادر نور الدين، أنه لا أمل في أي اتفاق مع إثيوبيا حول احترام حقوق مصر والسودان من مياه النيل سواء من السد الحالي أو السدود التالية، مضيفا "إثيوبيا أخذت قرارا بحرمان مصر والسودان تماما من مياه النيل الأزرق عبر أربعة سدود متتالية وضعتها على موقع وزارة المياه والطاقة الإثيوبية".

وعبر حسابه بموقع فيسبوك، يرى نور الدين أن الحل العسكري خيار فُرض على مصر لحماية حياة الشعب من الموت عطشا، قائلا "ليس أمام مصر والسودان إلا الاستعداد لحرب ضَروس، لتدمير كل السدود الإثيوبية على روافد النيل".

بدوره، قال وزير الموارد المائية الأسبق محمد نصر علام، إن إثيوبيا حسب موقفها الرسمي المعلن ترغب في الحصول على حصة مائية من النيل الأزرق وبناء عدة سدود أخرى عليه، وبيع المياه لمصر أساسا والسودان، بعد الاتفاق على الحصص، وتصدير كهرباء سد النهضة للسودان وربما مصر.

وعبر حسابه بموقع فيسبوك، اعتبر علام أن موقف مصر ووضعها الحرج يتطلبان الرفض التام لمزيد من التفاوض تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، والمطالبة بالذهاب للتحكيم الدولي مع وقف الإنشاءات وعدم البدء في ملء السد حتى الانتهاء إلى توافق نهائي، أو المطالبة بالعودة لمجلس الأمن للقيام بمسؤولياته لحل هذه الأزمة أو يقوم بتحويلها للقضاء الدولي.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

تعتبر مصر سد النهضة تهديدا لوجودها، فهو سيحرمها من نحو ثلث حصتها من المياه سنويا، وسوف يتسبب بخسارة ملايين المزارعين لمصادر رزقهم اليومي، كما سيؤدي لتفاقم البطالة وزيادة الديون المصرية،

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة