جواسيس الخارج.. لمصر أم للسيسي؟

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والسيسي خلال مؤتمر صحفي في برلين مطلع يونيو/حزيران 2015 (الجزيرة)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والسيسي خلال مؤتمر صحفي في برلين مطلع يونيو/حزيران 2015 (الجزيرة)

ربما عزفت اوركسترا بموسيقى وطنية في مخيلة "م" واستدعى رائعة الموسيقار عمار الشريعي لمقدمة مسلسل جاسوس مصر الأشهر في إسرائيل رأفت الهجان، حينما تواصل ضابط مصري مع "م" وكشف له لاحقا رغبته في "تجنيده ليخدم بلده مصر من مهجره بأوروبا".

لم يدم حماس "م" طويلا، إذ اكتشف يومها أن المطلوب منه هو العمل كمخبر للجهاز الأمني ضد معارضي النظام في إحدى الدول الأوروبية التي يعيش فيها.

تداول مصريون بأوروبا هذه الرواية عام 2017، التي نبهت الكثير من المعارضين بالخارج إلى خطر المتابعة والملاحقة الأمنية الذي يحيق بهم.

ومؤخرا جرى الكشف عن جاسوس لمصر في مكتب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو ما أبهج عددا من رواد مواقع التواصل الاجتماعي المصريين في بداية الأمر، كون الأجهزة الأمنية نجحت في تحقيق مثل هذا الاختراق "تحقيقا للمصالح المصرية".

لكن سرعان ما تبددت البهجة حينما توالت الأنباء بتفاصيل تؤكد أن الجاسوس كانت مهمته تتبع المعارضين المصريين في ألمانيا، وليس الألمان.

سقوط المخبر

وأكدت صحيفة بيلد الألمانية التي أوردت الخبر نقلا عن تقرير للاستخبارات الألمانية أن الموظف الذي عمل في خدمة رواد المكتب الإعلامي لحكومة ميركل بوظيفة متوسطة، قام لسنوات بأعمال استخباراتية لحساب جهات أمنية مصرية ضد معارضين مصريين.

وأضاف أن أشخاصا آخرين من أصول مصرية، مثل أفراد الجمعيات القبطية المسيحية، يمكن أن تركز عليهم المخابرات أيضا، لأغراض استخباراتية ضد المعارضين المصريين بالخارج وخاصة جماعة الإخوان المسلمين.

وفي تقرير نشرته صحيفة إلموندو الإسبانية، يقول الكاتب فرانشيسكو كاريون إنه منذ الانقلاب الذي نفذه السيسي قبل ٧ سنوات، ظلت السفارة المصرية في برلين مخيفة للمصريين الذين وجدوا في هذا البلد أمانا من القمع الدموي للنظام الحاكم في وطنهم.

ويضيف الكاتب أن هدف الجاسوس الألماني كان الاطلاع على أسماء المراسلين الصحفيين الموجودين في مصر، وينقل الكاتب عن نشطاء اكتشافهم في إحدى المناسبات وجود مندس أقر بأنه يعمل لفائدة السلطات المصرية.

وكشف الناشط والباحث المقيم في ألمانيا تقادم الخطيب عن تحويل السفارات المصرية نفسها لممارسة دور أمني ضد المعارضين بالخارج.

خروج تقرير المخابرات الألمانية عن شبكة المخبرين المصريين استدعى لذهن الخطيب تفاصيل مشكلته عام 2017 مع السفارة المصرية بألمانيا، وخاصة مع الملحق الثقافي المصري وقتها أحمد فاروق حامد غنيم.

وذكر الخطيب أنه تلقى رسائل تهديد من أشخاص بالسفارة بضرورة تسليم جواز سفره، وتهديده بالتعرض إلى أهله في مصر.

وقال إنه قابل المستشار الثقافي ففزع من أنه قام برصد كل لقاءاته التلفزيونية ومنشوراته على فيسبوك، وبعدها بشهور وصله التقرير الأمني الذي كتبه المستشار الثقافي عنه، وملخصه أن "تقادم الخطيب دائم الهجوم على الدولة وموظفيها"، وطالب موظف السفارة الجهات الأمنية بتدخل فوري وعاجل ضده.

غطاء للتجنيد

وبحسب مصادر مطلعة تحدثت للجزيرة نت، خصصت شركة إعلام المصريين التابعة للمخابرات مجموعة "للاتصال والتواصل بالإعلاميين المصريين بالخارج"، كغطاء لتجنيد مصريين ضد المعارضين، وخاصة في قطر وتركيا.

وقالت المصادر للجزيرة نت إنه جرى استخدام وسائل عدة للضغط والمساومة من أجل قبول المستهدف بالتجنيد للعمل، منها التهديد بعدم تجديد جوازات السفر، وهناك من رضخ وأصبح يسافر بحرية بين البلدين حاليا، وهناك من أغري بالأموال عن طريق وسيط.

وأوضحت المصادر أن الدعم يتخفى بغطاء الشركة لمرونة التعامل، وللتملص من كون أن أجهزة أمنية هي من تجند.

وتقوم بهذا الدور مجموعة داخل الشركة تسمى "مكافحة الإرهاب القطري التركي" وفيها مجموعة من الإعلاميين تخصصوا في الهجوم على الفضائيات المصرية بالخارج.

وروى مراسل صحفي بالقاهرة لإحدى المؤسسات الإعلامية بالخارج -رفض ذكر اسمه- أن رؤساءه حذروه من التواصل مع شخص كان يعمل بالمؤسسة وكان على علم بهويات المراسلين الحقيقية. وقال للجزيرة نت "تبين عمالته لجهاز أمني، فتقرر فصله".

وتثور شكوك مصريين بإحدى دول أوروبا من قيام وجوه غير محسوبة على الثورة المصرية أو المعارضة بالتطوع بإنشاء مجموعات على تطبيق "واتس آب" لمناقشة قضايا المصريين بالخارج، وبعض هؤلاء المتطوعين يبدي اهتماما غير عادي بتفاصيل دقيقة بأحوال المغتربين وخاصة المستجدين منهم، ويسارع لعرض خدماته وحضور كافة فعاليات الجالية دون دعوة، بحسب مصريين معارضين.

ويقول سليم -وهو اسم مستعار لمصري في إحدى البلدان الأوروبية- إن هذه النماذج المتكررة تعني إما أن أصحابها "أخيار لدرجة فائقة"، أو أنهم "مدفوعون من جهة ما لتتبع نشاط الجالية، ويحصلون منها على مقابل مادي لتفرغهم لهذه المهام".

ومع هذه الشكوك، تتباين سلوكيات المعارضين تجاه هؤلاء المتطوعين، فهناك من لا يعبأ ما دام أنه قد أصبح بمأمن بالخارج، بينما يفضل آخرون الانعزال والصمت خشية حصول المندس المفترض على معلومات تضر آخرين داخل مصر.

تجسس متوارث

ويقول الباحث المصري في الشؤون الأمنية أحمد مولانا، إن نشاط الأجهزة الأمنية لتتبع المعارضين بالخارج تقليد قديم ومتوارث، موضحا أن الأجهزة مهتمة بما يقال في هذه الدول عن النظام المصري، وفي حالة ألمانيا تحديدا، وهي الدولة الأوروبية المؤثرة في الاتحاد الأوروبي، يتعالى الاهتمام الأمني بغية تصنيف الصحفيين الأجانب، بحيث يرتبط بذلك السماح لهم في العمل في مصر وإجراء مقابلات داخلها، وتتبع أنشطة المعارضة وإجهاضها.

وتابع مولانا بحديثه للجزيرة نت أن الأجهزة في أعمالها بالخارج تتبع عموما ٣ طرق، إما الاعتماد على شخصيات مصرية تخترق التكتلات المصرية بالخارج بحيث لا يثير تدخلهم مع المصريين الريبة، أو ربما تعتمد على أفراد من الدول الأجنبية نفسها، وأخيرا الاختراق التقني لحسابات المعارضين ووسائل تواصلهم.

ويرى الكاتب الصحفي أبو المعاطي السندوبي، وهو ناشط مصري بإيطاليا، أن الملاحقة الأمنية للمعارضين بالخارج أمر معتاد ومتوقع، ويتذكر في هذا الشأن واقعة تتبع عناصر أمنية مصرية لأحد النشطاء في فرنسا حينما نزل بها ليوم في رحلة "ترانزيت" قبل استكمال وجهته من تركيا لأميركا، فاشتبك معهم ظنا منه أنهم لصوص.

وأضاف السندوبي في حديثه للجزيرة نت أن السفارات المصرية تلعب أدوارا أمنية بغطاء دبلوماسي منذ سنوات طويلة، وليس جديدا على وزارة الخارجية هذا السلوك، فبينما يعد السفير واجهة دبلوماسية، هناك بداخلها ضابط أمن يديرها لصالح النظام ضد معارضيه بالخارج.


حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة