تهديد الأمن القومي بمصر.. من فاهيتا والطائر الجاسوس إلى الطائرات الورقية

لهو المصريين بالطيارتا الورقية أعاد حميمة العلاقات الاجتماعية
الطائرات الورقية هواية يمارسها أطفال مصر على أسطح المنازل وعلى الجسور والحدائق (الجزيرة)

منذ الانقلاب العسكري في صيف 2013 لا يتوقف النظام المصري ومؤيدوه عن الترويج لمخاوف تثير الذعر العام حول أخطار مستمرة تهدد أمن البلاد والعباد.

وتحت لافتة "خطر على الأمن القومي"، باتت ألعاب الأطفال والدمى وحتى الطيور المهاجرة تهديدات خطيرة تستلزم الاستنفار الأمني وفرض الإجراءات الاستثنائية، ومبررا للقمع وانتهاك حقوق المواطنين، في حين أن أبواق السلطة تردد "إذا كان أمن البلاد مهددا فلا حديث عن حقوق الإنسان".

لذلك لم يكن جديدا على المصريين الذين عاشوا تطورات السنوات الأخيرة، أن تشن الأجهزة الأمنية حملة مصادرة للطائرات الورقية التي يستخدمها الأطفال والشباب للترويح عن أنفسهم، كما تقدمت النائبة فايقة فهيم، عضوة مجلس النواب، ببيان عاجل تطالب فيه الحكومة بحظر لعبة الطائرات الورقية لتسببها فى كوارث وحوادث لقائدي السيارات وتعريض الأطفال للخطر والموت أحيانا، على حد قولها.

وأوضحت فهيم أن هذه الطائرات تعرض حياة صاحبها للخطر، فهي تتسبب في إثارة الذعر والفزع لقائدي السيارات القادمين بسرعة على الطريق الصحراوي، فضلا عن وفاة بعض الأطفال قبل أيام بسبب السقوط من على أسطح المنازل، أو صعقا بالكهرباء أثناء محاولة فك الطائرة الورقية العالقة في الأعمدة الكهربائية.

وأشارت إلى أن بعض المحافظين أصدروا قرارات بحظر استخدام الطائرات الورقية، مع فرض غرامة على المخالفين تتراوح بين 300 و1000 جنيه، يدفعها المخالف أو ولي أمره إذا كان طفلا (الدولار يساوي نحو 16 جنيها).

تهديد الأمن القومي

حظر الطائرات الورقية من زاوية خطورتها على حياة الأطفال أمر استقبله المصريون بنقاش جاد، لكن السخرية الواسعة كانت حول مبرر آخر تحدث عنه نائب أيضا في البرلمان، حيث طالب خالد أبو طالب عضو في لجنة الأمن القومي بالبرلمان بمنع اللعب بالطائرات الورقية بدعوى "خطرها على الأمن القومي".

وسعى العضو إلى تبرير تصوراته عن خطورة الطائرات الورقية قائلا إنه يمكن تزويدها بكاميرات مراقبة لتصوير المنشآت المهمة والحيوية، لافتا إلى أن التطور التقني حوّلها من مجرد لعبة للهو إلى أداة لـ"تهديد الأمن القومي لمصر" المهدد من جوانبه الأربعة، حسب قوله.

ورغم أن هذه الطائرات مصنوعة يدويا من الأخشاب والبلاستيك وكانت متنفسا لكثير من الأطفال والشباب خلال فترة الحظر بسبب فيروس كورونا، فإن النائب كان له رأي آخر، لتتحول لعبة أطفال في رأيه إلى تهديد قومي، وهو ما يعتبره مراقبون فزاعة جديدة تبرر للسلطة الاستمرار في فرض إجراءات أمنية مشددة.

وأعاد حديث النائب إلى الأذهان العديد من الحوادث المماثلة التي انتشرت في مصر بعد الانقلاب العسكري يوم 3 يوليو/تموز 2013.

طائر اللقلق المتهم بالتجسس انتهى به الأمر وجبة طعام لأسرة مصريةطائر اللقلق المتّهم بالتجسس انتهى به الأمر وجبة طعام لأسرة مصرية (أسوشيتد برس)

الجاسوس الطائر

في نهاية أغسطس/آب 2013 وعلى وقع إجراءات الانقلاب التعسفية ومجازره في رابعة والنهضة، خرج الإعلام ليبشر المصريين بوقوع جاسوس خطير في قبضة الأمن.

الجاسوس الذي احتفى الإعلام باعتقاله كان طائر "لقلق" مهاجرا، يحمل على ظهره جهازا إلكترونيا أثار شكوك مواطن في محافظة قنا (جنوبي مصر)، ليقوم مدفوعا بهاجس الإرهاب والمخططات الخارجية -التي يتحدث عنها الإعلام ليل نهار- بإمساك الطائر وتسليمه للجهات الأمنية خشية أن يكون انتحاريا أو جاسوسا لصالح أعداء الوطن.

تفاعل الأمن مع الحدث، احتجز الطائر لعدة أيام، ونال تصرف المواطن استحسان وثناء السلطات، ولم يجد مدير أمن قنا وقتها اللواء محمد كمال حرجا في التصريح لصحف محلية بأن الرجل الذي عثر على الطير المشبته فيه وقبض عليه، برهن عن حس وطني عال.

تبين لاحقا أن الجهاز الذي يحمله الطائر هو مجرد جهاز تتبع يثبّته علماء الحيوان لتعقب حركة الطيور المهاجرة ودراسة سلوكها، لتثبت براءة الطائر من تهمة التجسس ويطلق سراحه بعد أن تحولت الحادثة إلى مادة للسخرية في الصحف العالمية، ليتم اصطياده مجددا ولكن هذه المرة من أجل ذبحه وأكله في بلد ترتفع فيه أسعار اللحوم بشكل جعلها عزيزة المنال على ملايين المصريين.

 

شفرات فاهيتا

بعد شهور قليلة من حادثة الطائر، ظهر اتهام جديد بالجاسوسية وتهديد الأمن القومي، وكان هذه المرة من نصيب الدمية الكوميدية الشهيرة "أبلة فاهيتا" بعد ظهورها في إعلان لشركة فودافون للاتصالات بعنوان "شريحة المرحوم".

العبارات الساخرة التي جاءت في الإعلان على لسان أبلة فاهيتا اعتبرها مقربون من السلطة رسائل مشفرة تحرض على تنفيذ عمليات تخريبية، وتقدم شاب مثير للجدل يدعى أحمد سبايدر (أصبح لاحقا مقدم برامج في قناة خاصة) ببلاغ للنائب العام يتهم الدمية بالتحضير لعمل إرهابي يستهدف مركزا تجاريا بالقاهرة.

استنفر البلاغ الأجهزة الأمنية، واستجاب له النائب العام، وكلف نيابة أمن الدولة العليا بالتحقيق فيه، وتم استجواب مسؤولي الشركة بشأن الإعلان ومضمونه.

انتهت القضية سريعا في أروقة النيابة لكن صداها انتشر انتشارا واسعا داخليا وخارجيا، واعتبر حقوقيون أن اهتمام السلطات بهذا البلاغ الهزلي ضد شركة عالمية -دون مراعاة تأثيره السلبي على صورة مصر خارجيا- يستهدف تأجيج الهاجس الأمني لدى المصريين وإقناعهم بوجود مؤامرات داخلية وخارجية تحاك ضد بلادهم.

تحريض بيبسي

في بداية عام 2014 نشرت شركة بيبسي لافتات إعلانية تحمل صورا لبعض نجوم المنتخب المصري لكرة القدم، ومعها عبارة "ارجع شجع.. دلوقتي فرصتنا".

لم يمر الإعلان مرور الكرام، وارتفع من جديد شعار المؤامرة المشفرة وتهديد الأمن القومي، وتقدم محام ببلاغ للنائب العام يتهم الشركة بتضمين الإعلان شفرات تحرض على التظاهر يوم 25 يناير/كانون الثاني 2014 (ذكرى ثورة يناير) مستندا إلى أن أرقام اللاعبين الذين ظهروا في الإعلان كانت 25 و1 و14.

ولتكتمل نظرية المؤامرة، اعتبر أن اللاعب رقم 4 في الصورة يشير إلى شعار رابعة الذي يرفعه رافضو الانقلاب العسكري في مصر.

وبدوره وجد البلاغ اهتماما كبيرا من السلطة وإعلامها، رغم مزاعمه المثيرة للسخرية.

قرش رامز

وفي العام نفسه 2014 تداول الإعلام خبرا عن إحباط محاولة تهريب غواصة تجسس صغيرة، ليتضح لاحقا أن هذه الغواصة استخدمت في تصوير برنامج رمضاني ساخر للممثل رامز جلال والذي حمل في ذلك العام اسم "رامز قرش البحر".

وبالطبع لم تحظ علاقة رامز بالغواصة بالقدر نفسه من النشر الذي صاحب مزاعم التجسس.

النسر الجريح

في أبريل/نيسان 2017 كان طائر آخر على موعد مع اتهامات الجاسوسية، حيث سقط نسر مجهول مصابا داخل ديوان عام محافظة كفر الشيخ، ليكتشف المسؤولون وجود حافظة جلدية في قدمه وصفتها وسائل الإعلام بأنها "حافظة مراسلات".

وتبارى إعلام النظام في توجيه اتهامات التجسس للطائر، وراجت مزاعم بأن هذا النسر مدرب على التنقل بين أماكن محددة، وقد يقود الجهات الأمنية إلى اصطياد خلية إرهابية تستخدم الطيور الجارحة في نقل رسائلها.

واتضح لاحقا أن النسر الهارب ملك لأحد هواة تربية الطيور الجارحة، وأن الحافظة الجلدية وسيلة للتحكم به وتدريبه، وبدلا من أن يقدم إعلام النظام اعتذارا عن أكاذيبه، دعا المواطنين إلى الحذر في التعامل مع هذه النوعية من الطيور، فإذا كان هذا النسر بريئا فغيره قد لا يكون كذلك.

ألعاب محظورة

لم تكن ألعاب الأطفال وخاصة الطائرات اللاسلكية أسعد حظا من الطيور والدمى، فالسلطات في مصر ترى أنها تهديد خطير للأمن القومي للبلاد.

ومنذ الانقلاب العسكري عام 2013 وإلى اليوم، لا تنقطع الأخبار عن توقيف العديد من القادمين من الخارج بسبب اصطحابهم ألعاب أطفالهم من الطائرات الصغيرة التي يتم تشغيلها بأجهزة تحكم عن بعد، أو تلك التي تحمل كاميرا ويستخدمها السائحون لتوثيق رحلاتهم وتصوير المزارات السياحية وخاصة الأماكن التي يصعب تصويرها بالكاميرات العادية.

وغالبا ما ترتبط عملية توقيف حامل اللعبة بعبارة ضبط طائرة تجسس، لمجرد أنها تحمل كاميرا تصوير.

وفي نهاية عام 2017 مرر مجلس النواب المصري قانونا يحظر استيراد أو تصنيع أو استخدام الطائرات المحركة آليا أو لاسلكيا بكل أشكالها وأحجامها إلا بتصريح خاص من وزارة الدفاع، ووصفها بأنها قد تمثل تهديدا للأمن القومي للبلاد، ووضع عقوبات تصل إلى السجن المؤبد والإعدام إذا استُخدمت في "غرض إرهابي".

المصدر : الجزيرة