"إيمجا" آخر إنجازاتها.. ماذا وراء النجاحات الصناعية لتركيا؟

الجزء الأخير من القمر الصناعي التركي محلي الصنع "إيمجا"
الجزء الأخير من القمر الصناعي التركي محلي الصنع "إيمجا"

بوتيرة متسارعة جدا باتت تركيا تعتمد على الإنتاج المحلي في جزء كبير ومهم من متطلباتها في الصناعات العسكرية بعد أن كانت تعتمد على الخارج بشكل شبه كامل، وسط طموحات واسعة بتحقيق الاكتفاء الذاتي والاعتماد كليا على الإنتاج المحلي مع حلول عام 2023.

ونجحت الحكومة التركية في إنجاز أول قمر صناعي محلي للمراقبة والرصد، وسيتم إرساله إلى الفضاء العام المقبل.

وأعلنت مؤسسة العلوم التكنولوجية التركية مساء أول أمس الخميس أن وزراء الدفاع خلوصي أكار، والصناعة والتكنولوجيا مصطفى ورانك، والنقل والبنية التحتية عادل قرة إسماعيل أوغلو أشرفوا على تركيب الجزء الأخير من القمر الصناعي -الذي يحمل اسم "إيمجا"- في مقر المؤسسة بالعاصمة أنقرة.

قمر صناعي محلي
ويتميز القمر الصناعي المحلي بدقة رصد عالية، ويعد إنتاجه خطوة مهمة نحو تلبية احتياجات تركيا من الصور المدنية والعسكرية عالية الدقة.

وقال وزير الدفاع التركي إن إنتاج القمر الصناعي المحلي جاء بتشجيع من الرئيس رجب طيب أردوغان، مؤكدا أن الصناعات الدفاعية التركية استطاعت تحقيق إنجازات كبيرة خلال الأعوام الأخيرة.

وبينما تتابعت الإعلانات التركية طوال السنوات الماضية عن صناعة أسلحة رشاشة وصواريخ ودبابات وعربات عسكرية متنوعة وسفن حربية ومروحية حربية قتالية وطائرات مسيرة هجومية مثل بيرقدار وأقنجي يجري العمل على صناعة حاملة طائرات ضخمة ومقاتلة حربية وأنظمة للدفاع الصاروخي.

خبراء أتراك خلال تركيب الجزء الأخير من القمر الصناعي الذي يحمل اسم "إيمجا" (الأناضول)

وفيما يتعلق بإعلان تركيا عن إنتاجها القمر الصناعي "ايمجا"، قال رئيس الاستخبارات العسكرية السابق في وزارة الدفاع التركية إسماعيل حقي إن "هذا القمر الصناعي مهم جدا لتركيا، حيث يمكن له التقاط صور عالية الدقة من مسافة عالية وبعيدة، ولديه أيضا إمكانية التقاط صور مباشرة".

وفي حديث خاص للجزيرة نت، أوضح الخبير العسكري حقي أن "القمر الصناعي سيكون مهما في مكافحة الإرهاب والقضايا الاستخباراتية، ونظرا لأنه سيكون ذا دقة عالية في التقاط الصور فإنه سيكون قادرا على عرض وإظهار أشياء صغيرة جدا حتى لو كانت شخصا واحدا، وهذا سيعطي أفضلية لتركيا".

وأضاف أنه "سيتم استخدام هذا القمر الصناعي في المجال العسكري بهدف معرفة ماهية الأجسام والأشياء الموجودة في مكان ما، كما ستستخدمه تركيا لأغراض مدنية لمعرفة هوية وأماكن أشخاص مشتبه فيهم بزرع أجسام مشبوهة عبر رؤيتهم من الأعلى، بحيث تتمكن الجهات المعنية من اتخاذ التدابير اللازمة مبكرا".

وقال حقي إن تركيا تمتلك قمرا صناعيا بالفعل، لكن قمر "إيمجا" أهم منه، لأنه سيستخدم لأغراض عسكرية، وسيتم استخدامه كذلك لأغراض مدنية وزراعية، كما أنه مخصص للأغراض الوقائية للحماية من الكوارث الطبيعية.

رؤية 2023
ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم جعل من تطوير صناعة الدفاع هدفا طويل الأجل، وفي ظل متابعة مباشرة من الرئيس أردوغان أصبح حوالي 70% من هذا القطاع مصنَّعا محليا مقارنة بـ20% عندما صعد أردوغان إلى السلطة في عام 2003.

وتأتي هذه الطفرة تطبيقا لطموحات خطة التنمية الوطنية "رؤية 2023" التي تسهم الشركات العامة والخاصة فيها بنصيب كبير، وذلك من خلال الاستثمار بكثافة في أنشطة البحث والتطوير، ودعم جهود الحكومة التركية لتنويع منتجاتها في صناعة الدفاع.

ولا تقف الطموحات التركية عند هذا الحد، بل تهدف أنقرة إلى تصدير منتجات عسكرية دفاعية تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار خلال 2020، ورفع سقف صادراتها الدفاعية والفضائية إلى 25 مليار دولار سنويا بحلول 2023، مدعومة بجهود حثيثة تبذلها الشركات التركية لتطوير أنظمة قتالية وأسلحة موجهة.

المدرعات التركية غزت أسواقا عالمية كثيرة (الأناضول)

وتمكنت تركيا خلال السنوات الخمس الماضية من تصدير أسلحة وطائرات مسيرة ومركبات دفاع عالية التقنية إلى الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا وتركمانستان والسعودية وقطر وعُمان.

كما أصبحت ولاية قيريق قلعة واحدة من أهم مراكز الصناعات الدفاعية في تركيا، بما تضمه من مؤسسة الصناعات الكيميائية والميكانيكية (إم كاي إي كاي) واستثمارات القطاع الخاص في أول منطقة صناعية متخصصة في تصنيع الأسلحة تم تأسيسها بالولاية عام 2014.

تصنيف عالمي
وتواصل شركات الصناعات الدفاعية التركية تعزيز موقعها في قائمة أفضل مئة شركة منتجة للأسلحة والمعدات العسكرية على مستوى العالم.

واستطاعت أربع شركات تركية عملاقة دخول قائمة مجلة "ديفينس نيوز" الأميركية التي تصنف سنويا أفضل مئة شركة عالمية في مجال الصناعات الدفاعية.

وتمكنت شركة أسلسان التركية من احتلال المرتبة الـ52 في قائمة العام الحالي، فيما احتلت شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (توساش) المرتبة الـ69 في التصنيف.

أما شركة "إس تي إم" لهندسة وتصميم وتحديث المعدات العسكرية البحرية والطائرات المسيرة وتكنولوجيا الفضاء والرادار فقد واصلت تقدمها ودخلت تصنيف المجلة الأميركية العام الماضي من المرتبة الـ97، واستطاعت هذا العام القفز 12 مركزا واحتلت المرتبة الـ85.

وكذلك دخلت شركة روكتسان المتخصصة في صناعة الصواريخ والقذائف قائمة التصنيف العالمي باحتلالها المرتبة الـ89، علما أن ميزانيتها تقدر بـ522 مليون دولار.

إلى جانب ذلك، لا تزال صناعة الدفاع والفضاء التركية تواجه بعض التحديات التي رصدها المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (آي آي إس إس)، مثل انخفاض قيمة الليرة، وشبح الركود المحدق بالاقتصاد.

وإذا تفاقم التباطؤ الاقتصادي فإن تركيا ستضطر حتما إلى مراجعة نفقات الدفاع والبرامج الحكومية المكلفة الأخرى، وستصطدم الطموحات التركية بصعوبات تعرقل مسيرتها نحو مضاعفة عدد العاملين في صناعة الدفاع بمقدار ثلاثة أضعاف تقريبا، بحسب المعهد.

فوائد كبيرة
وإضافة إلى الفوائد الاقتصادية والعسكرية الكبيرة ستسهم الطفرة الصناعية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية التركية التي لا تقل طموحا، بحسب رئيس الاستخبارات العسكرية السابق في وزارة الدفاع إسماعيل حقي.

وقال حقي للجزيرة إن تركيا تعمل منذ فترة طويلة في مجال تطوير الصناعات الدفاعية، وقد حققت في السنوات الأخيرة تقدما كبيرا، وقد تم تقديم حوافز كبيرة، ولا سيما فيما يتعلق بمجال الدفاع الوطني والأسلحة الوطنية.

السيارة التركية "توغ" (وكالات)

وأضاف أنه تم الاستثمار بشكل كبير في كل من القطاع الخاص والمؤسسات التابعة للقوات المسلحة مثل أسيلسان وروكيتسان، وكذلك في مجال الطائرات المسيرة في القطاع المدني، وبفضل هذا الاستثمار والدعم حققنا تراكما كبيرا حتى يومنا هذا.

ولفت حقي إلى أن أنقرة تسعى لتطوير علاقات قوية مع مستوردي الأسلحة الإقليميين والعالميين من أجل تنويع أسواقها.

ثورة صناعية
وشهدت العشرية الأخيرة ثورة عملاقة في الصناعات الاستهلاكية، خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الغذائية والأدوات، وفي مجالات الصناعات البحرية وتصدير المعادن والصلب والأثاث والمفروشات وغيرها.

ومن دون نفط ولا غاز طبيعي أو حتى معادن ثمينة حققت تركيا في العام الماضي رقما قياسيا في قيمة صادراتها التي زادت على 180 مليار دولار، وتخطط لرفعها إلى 190 مليارا مع نهاية 2020.

ويمثل الإنتاج الصناعي المورد الأهم للعملة الصعبة، حيث بدأت تركيا فعليا إنتاج سيارتها القومية بتقنية محلية بنسبة 100% مطلع هذا العام، فيما بلغت عائدات صناعة وتصدير السيارات وقطعها خلال عام 2019 قرابة 32 مليار دولار.

وفي عام 2019 صنفت مجموعة "إتش إس بي سي هولدينغز" تركيا في المرتبة السابعة عالميا، باعتبارها أفضل البلدان للعيش والعمل، فيما حافظ جيشها على موقعه في مقدمة جيوش المنطقة، والعاشر قوة على مستوى العالم.

وتولد تركيا اليوم نحو 46% من احتياجاتها للطاقة من مشاريع الطاقة المتجددة لاستثمار طاقتي الشمس والرياح، وتتطلع لرفعها إلى 56% بحلول عام 2023.

كما أسست مشاريع طموحة في ولايتي أدرنة وفتحية لإنتاج الطاقة من تدوير النفايات، فضلا عن محطة "آق قويو" النووية التي تم وضع حجر الأساس لها في مرسين عام 2018.

وفي مجال التكنولوجيا، ارتفع عدد مراكز "تكنوباركس" -التي تضم شركات التقنية التركية- من مركزين في عام 2001 إلى 84 مركزا عام 2019 موزعة على 56 مدينة تركية.

كما كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أن بلاده تعتزم إطلاق قمرها الصناعي المحلي للاتصالات "توركسات 6 أي" في 2022، ويمتاز القمر الصناعي الجديد بأن الطاقم المشرف على صناعته من الأتراك، ويتم تجهيزه بإمكانات محلية خالصة.


المزيد من إنفاق عسكري
الأكثر قراءة