خلل هيكلي وأزمة نفسية.. الجزيرة نت تحاور خبيرا أميركيا في إصلاح الشرطة

بول هيرشفيلد: الاحتجاجات ضد عنف الشرطة غير مسبوقة (الجزيرة نت)
بول هيرشفيلد: الاحتجاجات ضد عنف الشرطة غير مسبوقة (الجزيرة نت)

مع اندلاع احتجاجات واسعة في مئات المدن الأميركية على خلفية مقتل المواطن الأميركي ذي الأصل الأفريقي جورج فلويد على يد رجل شرطة أبيض، انصب اهتمام نخب السياسة الأميركية -سواء في واشنطن أو في الولايات الخمسين- على إعادة النظر وعلاج الاختلالات الهيكلية في تركيبة وبناء ونفسية أجهزة الشرطة، التي أدت -بحسب مراقبين- لتفشي العنصرية داخلها وتبنيها بعض الأساليب الوحشية في التعامل مع الأقليات، خاصة السود منهم.

ويرى فريق من هذه النخب أن الشرطة الأميركية كغيرها من أجهزة الشرطة حول العالم، عليها أن تلتزم بما تلتزم به أجهزة شرطة الدول القريبة من أميركا، مثل كندا وبريطانيا وألمانيا.

في المقابل، يطالب فريق آخر بإصلاحها وتهذيب أفرادها وإقناعهم بأنهم موظفون عموميون، يقدمون خدمة عامة للمواطنين مقابل أجر.

ولا يرى فريق ثالث أي غضاضة في ممارسات الشرطة، ويرجع التجاوزات لحوادث فردية يدعمها خوف أفراد الشرطة من انتشار السلاح في المجتمع الأميركي، حيث اقترب عدده من 400 ألف قطعة سلاح العام الماضي.

وتعرقل الطبيعة اللامركزية لعمل الشرطة الأميركية من جهود الإصلاح، إذ يتوزع 800 ألف شرطي على أكثر من 18 ألف وحدة أغلبها وحدات صغيرة العدد.

وفي هذا السياق، حاورت الجزيرة نت البروفيسور بول هيرشفيلد الخبير في شؤون العدالة الجنائية والإجرام بجامعة رودجرز بولاية نيوجيرسي.

وتخصص هيرشفيلد خلال السنوات الأخيرة في برامج إصلاح الشرطة، وذلك قبل توقيع الرئيس دونالد ترامب أمرا تنفيذيا بإصلاحها.

وفيما يأتي نص الحوار:

  • كيف يمكن تفسير تطور الأحداث الأخيرة المتعلقة بانتهاكات الشرطة وما تبعها من تداعيات؟

لقد كانت التطورات خلال الأسابيع الأخيرة غير مسبوقة في التاريخ الأميركي من عدة نواح، لم نشهد من قبل احتجاجات ضد عنف الشرطة وعنصريتها بهذا الحجم وفي كل الولايات الأميركية، وتحولها لحركة احتجاجات عالمية.

ولم نشهد من قبل إدراك الساسة الواسع لحجم وطبيعة ووحشية عنف الشرطة وكمّ الحماية التي يتمتع بها أفرادها، إضافة إلى منهجية انتهاكات وعنصرية الكثير من أفراد الشرطة، ورفضهم أي مبادرات لإصلاح أداء الشرطة.

ولم يحدث من قبل أن تبنى الكثير من المدن والولايات خطوات واسعة لإصلاح الشرطة، خاصة ما يتعلق بالخنق والضرب على الرأس. ولم يسبق أن بحثت مدن مثل مينيابوليس بجدية حل أجهزة الشرطة فيها، وإعادة تشكيل جهاز جديد بمواصفات مختلفة.

  • هل كان ذلك بسبب ضخامة المظاهرات؟

نعم، لقد منحت الاحتجاجات والمظاهرات الأخيرة للمشرعين المحليين وأعضاء الكونغرس دفعة وقوة لإصلاح الشرطة، وتطبيق تدابير لم يتم بحثها من قبل.

ولايات مثل نيويورك وكولورادو تبنت سياسات متقدمة فيما يتعلق بعمل الشرطة من خلال مجالسها التشريعية. ولاية نيوجيرسي قامت بنفس الشيء من خلال أمر تنفيذي من حاكمها، وتبحث نفس الخطوات ولايات نيوهامبشير وماساشوستس.

وكل ما نشهده يعد ظاهرة نادرة، حيث ترددت الولايات في الماضي في الإقدام على تطبيق هذه الإصلاحات.

أتطلع إلى أن تتبنى بقية الولايات تشريعات تمنع استخدام الأسلحة النارية ضد الأشخاص داخل سياراتهم، وتحظر الاستخدام المفرط للقوة القاتلة، وأتصور أن تُقدم على تبني تشريعات تحد من استخدام أسلحة قاتلة إلا في حالات الضرورة القصوى.

لكن أكثر ما يثير استغرابي هو دعم الكثير من الجمهوريين لهذه الإصلاحات في العديد من الولايات، كما أن بعض اتحادات أفراد الشرطة المهنية تدعم هذه الإصلاحات.

  • تعلقت أغلب انتهاكات الشرطة الأخيرة بقتل رجل شرطة أبيض لرجل أسود غير مسلح، هل يعكس ذلك عنصرية في أجهزة الشرطة؟

هناك الكثير من الأسباب لهذه الممارسات، منها بالطبع العنصرية التي تلعب دورا كبيرا في حالات قتل الرجال السود على يد الشرطة البيضاء. لكن في الوقت ذاته لا أعتقد أن ذلك يفسر كل أبعاد الانتهاكات والقتل المتكرر.

في الواقع، عكست الحوادث الأخيرة حقيقة أن أغلب أفراد الشرطة هم من البيض، ولم أطلع على بيانات موثقة تشير إلى أن نسبة قتل الرجل الأسود على يد أفراد الشرطة تختلف لو كان الشرطي أسود. بعض رجال الشرطة من السود قتلوا رجالا من السود كذلك.

أتصور أن قتل رجل أسود على يد رجل شرطة أبيض ينال تغطية إعلامية بصورة أكبر كثيرا من قتل شرطي أسود لرجل أسود.

لكن ومع ذلك تساهم العنصرية بصورة واضحة في عمليات قتل الرجال السود من خلال عدة نقاط. والعنصرية في صورها المختلفة (العنصرية المؤسساتية، وعنصرية نسب التمثيل، وعنصرية استهداف السود) ينتج عنها إيقاف السود للاشتباه والتفتيش وإلقاء القبض بنسب أكبر في حالات الرجال السود، ويرتبط بذلك زيادة تعرض الرجال السود للقتل على يد الشرطة.

وساهم ذلك -إضافة للتغطية الإعلامية الواسعة- في إيمان الكثير من السود أن المواجهة مع رجل الشرطة يزيد معها احتمال التعرض للقتل، ويدفع ذلك في حالات كثيرة إلى الخوف من الشرطي ومقاومته، وهو ما يزيد معه معدل الحوادث القاتلة.

  • وما جذور هذه العنصرية؟

جدير بالذكر أن الكثير من الرجال السود يحملون إرثا سلبيا تجاه رجال الشرطة، كما يحمل الكثير من رجال الشرطة السود إرثا سلبيا تجاه الرجال السود في الوقت ذاته.

لا أعتقد أن أغلبية رجال الشرطة عنصريون، لكن من المؤكد أن هناك الكثير من أجهزة الشرطة تتسامح كثيرا مع ممارسات أفراد الشرطة العنصرية.

من الصعب أن تكون شخصا أبيض ونشأت في الولايات المتحدة دون أن تتأثر ببعض "الكلاشيهات" والأفكار النمطية السيئة عن السود.

ويعكس ارتفاع نسبة قتل الرجال السود غير المسلحين على يد الشرطة تقديرا خاطئا من رجال الشرطة البيض، بأن السود يمثلون خطرا عليهم.

وفي الغالبية العظمى من حالات قتل رجال الشرطة خارج ساعات العمل وأثناء عدم ارتدائهم ملابس الشرطة، يكون الضحية أسود، ولهذا أيضا دلالاته البالغة على عنصرية الشرطة.

  • ما أفضل السبل التي يمكن من خلالها إصلاح سلوكيات وعنصرية الشرطة الأميركية؟

لقد علمنا التاريخ أنه يمكن لرؤساء وحدات الشرطة وقادتها تطبيق سياسات وإصلاحات يمكن من خلالها خفض حالات القتل غير المبرر.

لكن هذا لا يحدث إلا نادرا، كما أن تغيير رئيس الشرطة يمكن أن يعيد العمل بالأساليب القديمة. من هنا تغيب ثقة قادة الحركات الاحتجاجية ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء في أجهزة الشرطة وخططها الإصلاحية، خاصة أن الشرطة لا تتعامل مع الأسباب الحقيقية لعنف رجالها وعدم محاسبتهم.

وتطالب الكثير من المبادرات الإصلاحية بتغيرات هيكلية ترتبط بتخصيص الكثير من الموارد لمشاريع إسكانية أو خلق فرص عمل أو زيادة موارد التعامل مع الأمراض النفسية والعقلية، باعتبارها عوامل مساعدة في خفض الجريمة وتحسن ظروف السود المعيشية.

وبالطبع هذا منهج جيد، لكن لا يمكن أن يخفض تحسين الظروف المعيشية فقط من معدلات الجريمة، ولو جاءت هذه الأموال من مخصصات السجون أو مخصصات الحرب على المخدرات، فسيضاعف ذلك من صورتها الإيجابية.

  • لماذا لم تنجح جهود الإصلاح المتكررة حتى الآن؟

لم تنجح حتى الآن أي جهود لإصلاح الشرطة على المستوى المحلي داخل الولايات، ويرجع ذلك إلى الصعوبات السياسية المتعلقة بهذه الجهود. نجاح سياسة إصلاح الشرطة تتطلب تنسيقا بين المشرعين على المستوى المحلي مع أجهزة الشرطة التي تعرقل هذه الجهود في أغلب الحالات.

إصلاح الشرطة يحتاج جهودا مركبة تتخطى الولاء الحزبي وتتحد في صوت واحد خلف تدابير وبرامج إصلاحية، من خلال معايير محددة يمكن القياس عليها.

ولا يمكن تحقيق أي نجاح في إصلاح الشرطة دون النجاح على مستوى الولايات، ويمكن بناء آلية مركزية داخل كل ولاية لهذا الغرض.

ولا يمكن أن ينجح أي برنامج إصلاحي دون تسهيل طريقة عقاب أفراد الشرطة وإقالتهم من وظائفهم، ومنح وزير العدل داخل كل ولاية سلطات أكبر تجاه سياسات وممارسات أفراد الشرطة.

يجب تمويل برامج التدريب الخاصة بأفراد الشرطة كي تصبح أكثر مهنية وتركز على إدارة المواقف الصعبة دون اللجوء إلى العنف.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة