اقتحام سرت و"إشراك" حفتر.. أين تسير التفاهمات بين تركيا وروسيا في ليبيا؟

بوتين وأردوغان خلال اجتماع بشأن ليبيا في برلين مطلع العام الجاري (رويترز)
بوتين وأردوغان خلال اجتماع بشأن ليبيا في برلين مطلع العام الجاري (رويترز)

بينما قوات حكومة الوفاق الليبية ترابض على أطراف مدينة سرت شرقي البلاد، يشتد الحراك السياسي بين القوى الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها تركيا وروسيا حيث كان مقررا لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره التركي جاويش أوغلو في إسطنبول قبل إرجاء الجانبين المباحثات بشأن وقف القتال.

وخلال الأيام الماضية، حققت قوات الوفاق انتصارات متتالية، وطردت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر من الغرب الليبي بفضل الدعم العسكري التركي بموجب اتفاقية أمنية وقعها الجانبان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

لكن عمليات قوات الوفاق توقفت على حدود سرت بعدما تعرضت في يوم هجومها الأول لقصف جوي من طائرات حربية روسية خلّف أكثر من 60 قتيلا، مما أجبرها على التراجع عن دخول المدينة التي وصلتها تعزيزات كبيرة من قاعدة الجفرة لتحصينها ومنع قوات حكومة الوفاق من دخولها.

وتقع سرت منتصف الساحل الليبي بين الغرب والشرق، وتبعد عن العاصمة طرابلس 450 كلم شرقا، وتطل على الهلال النفطي، ويسكنها أكثر من 80 ألف نسمة.

ويقول خبراء عسكريون إن السيطرة على سرت تفتح الباب أمام السيطرة على قاعدة الجفرة الجوية الإستراتيجية التي يعتقد أن روسيا جلبت إليها طائراتها الحربية، كما أن المدينة تفتح الباب أمام التقدم والسيطرة على مناطق هامة غنية بالنفط.

حفتر وسرت
وكشف رسول طوسون القيادي التركي في حزب العدالة والتنمية الحاكم أن سبب تأجيل زيارة وزير الخارجية الروسي إلى أنقرة يعود إلى خلاف بين البلدين يتعلق برفض أنقرة القاطع طلب موسكو إشراك حفتر في المفاوضات وضمان مقعد له في العملية السياسية.

وقال للجزيرة نت إن أنقرة "لا تمانع في مشاركة رئيس مجلس النواب المُنعقد في طبرق عقيلة صالح في المفاوضات كونه شخصية مدنية منتخبة ممثلا عن الشرق الليبي الذي يقع تحت سيطرة قوات حفتر".

ولفت طوسون -وهو نائب سابق في البرلمان- إلى أن روسيا اشترطت وقف تقدم حكومة الوفاق نحو سرت، والدخول فورا في اتفاق لوقف إطلاق النار.

في المقابل، أصرت تركيا على عدم الدخول في وقف لإطلاق النار إلا بعد سيطرة قوات حكومة الوفاق على مدينة سرت، وذلك لإتمام خطة تأمين العاصمة طرابلس ومحيطها.

وأضاف طوسون "بالحوار التركي الروسي الثنائي باتت الدول الأخرى المتدخلة في القضية الليبية مثل مصر والإمارات وفرنسا خارج دائرة الفعل المباشر، وكون أنقرة تتمتع بالمرونة السياسية فهي لن تمانع في إشراكهم في بعض الترتيبات".

وتابع "لا يوجد قرار رسمي باستخدام تركيا قاعدتي الوطية ومصراتة العسكريتين، لكن بناء على اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين أنقرة وطرابلس فهناك إمكانية لاستخدام قواعد عسكرية داخل ليبيا بالاتفاق مع حكومة الوفاق".

وكانت صحيفة "يني شفق" المُقرّبة من الحزب الحاكم في تركيا قد كشفت أخيرا عن خطط أنقرة لإقامة قاعدتين عسكريتين في ليبيا، الأولى جويّة في قاعدة الوطية جنوبي غربي طرابلس، والثّانية بحَريّة في مدينة مصراتة.

وفي حوار سابق مع الجزيرة نت، قال ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي "روسيا لديها رغبة في عدم تقدم قوات الوفاق نحو سرت وبالتمركز في محيطها، لكننا ندعم رئيس حكومة الوفاق فايز السراج بالتقدم واجتياح المدينة" مشيرا إلى إمكانية حدوث تفاهم مع روسيا في ليبيا على غرار سوريا.

مناورات روسية تركية
ويرى مراقبون أن اللعبة باتت تدار بين روسيا وتركيا، والأخيرة كان تدخلّها حاسما وقلب موازين المعركة وحوّل قوات الوفاق من وضعية الدفاع إلى الهجوم بعد أن وفرت لها غطاء جوّيا مهما من خلال الطيران الحربي والطيران المسيّر خاصة "بيريقدار" مما مكنها من استعادة السيطرة على كامل الغرب وإلى حدود 400 كلم عن العاصمة.

وحسب مراقبين، فإن انسحاب مقاتلي شركة "فاغنر" الأمنية الروسية من طرابلس الشهر الماضي على نطاق واسع يعد دليلا على أن الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان قد توصلا إلى أسس للتفاهم.

وفي هذا السياق، ذكر الكاتب الصحفي التركي ياسين قوفانتش أنه على الرغم من أن مسار الأحداث يفرض التعاون على تركيا وروسيا، فإنهما تفرغان كل ما في جعبتيهما من حِيَل قبل الوصول إلى المفاوضات، إذ تحرص روسيا على الحفاظ على قوة حفتر، رغم فشل دعمها حتى الآن له في الإتيان بثماره.

وقال قوفانتش للجزيرة نت "بقاء حفتر في المشهد من عدمه ستكشفه الأيام القليلة القادمة، فأمام التفاوض الذي هو على أشده خاصة بين تركيا وروسيا يمكن أن يكون الاحتمالان واردين، فقد تبقي عليه بعض الورقات المهمة داخل المشهد وإن بدور ثانوي، كما أنه من الوارد أن تستغني عنه القوى الداعمة له وتستبدله بعقيلة صالح بما أنه لم ينجح في تنفيذ وعده لهم بافتكاك الحكم والسيطرة على طرابلس".

ويرى أن روسيا وتركيا ستطلقان تفاوضا جديدا يشبه محادثات أستانا الخاصة بسوريا، مشيرا إلى أنه إذا لم تؤت المحادثات أكلها فربما نشهد حينها تصعيدا في كل من ليبيا ومنطقة إدلب بسوريا.

ولفت الكاتب الصحفي التركي إلى أن موسكو حريصة على عدم حرق كل الجسور مع أردوغان، وكذلك أنقرة تتصرف بشكل محسوب للغاية مع خصومها كما لو كانت تتجنب إفساد ما لا يمكن إصلاحه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تُنسب شركة القتال الروسية فاغنر إلى الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر الموسيقي المفضل لدى أدولف هتلر. وبحسب تسريبات صحفية، فإن الشركة ترتبط بيفغيني بروجوشن، وهو رجل أعمال مقرب من الرئيس الروسي بوتين.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة