ميديابارت: زمن المستبدين المستهترين.. عندما تتحول القيادة إلى تهريج والسياسة إلى بذاءة

قال موقع ميديابارت الفرنسي إن وباء كورونا كان له ما يشبه تأثير العدسة المكبرة على شكل جديد من الاستبداد يتكشف في جميع أنحاء العالم ويتوسع بشكل مستمر، من الولايات المتحدة إلى البرازيل فالفلبين فبريطانيا فإيطاليا، وحتى في فرنسا وإن لم يتجسد بعد في شخصية سياسية.

واستعرض الموقع -في مقال بقلم كريستيان سالمون- تعريض كاتب العمود المحافظ في صحيفة واشنطن بوست جورج ويل بالرئيس دونالد ترامب بعد وفاة جورج فلويد، قائلا إن "الناخبين صوّتوا في عام 2016 لضمان تنفيذ القوانين بأمانة"، وإن الرئيس قال في 28 يوليو/تموز 2017 لضباط الشرطة النظاميين "من فضلكم لا تكونوا لطفاء جدا أثناء الاعتقالات"، وذلك ما تحقق على رصيف مينيابوليس في إشارة إلى مقتل فلويد.

ودعا ويل -الذي لم يخف قط "اشمئزازه" من ترامب والطريقة التي استسلم بها الحزب الجمهوري عندما جعله مرشحا له- إلى إسقاط ترامب والحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة، وعلى وجه الخصوص "أعضاء مجلس الشيوخ الذين يتمسحون برجليه".

ورأى ويل أن المحافظين الجدد الذين استبعدهم ترامب من السلطة عندما وصل إلى البيت الأبيض، لديهم أسباب وجيهة لإلقاء اللوم عليه، مع أنهم ليسوا الوحيدين، وبالفعل أعلن الرئيس السابق جورج دبليو بوش أنه لن يصوت له، كما قرر كولين باول التصويت لجو بايدن.

ووفقا لجورج ويل، فإن استفزازات الرئيس التي ضخمتها "تقنيات الاتصالات الحديثة"، جعلت ترامب "يحدد نغمة المجتمع الأميركي الذي يترك الرؤساء بصماتهم عليه كالشمع".

ومن خلال الجمع بين مصطلحي "المهرج والشرير" المتناقضين، سلط ويل الضوء على الطابع المركب لقوة ترامب، إذ إن المهرج عادة يحيل على الكوميديا والهزل، ولكن "المهرج" في ترامب شرير، يستخدم الغرابة لتدبير استياء الحشود ولإيقاظ شياطين العنصريين والمعادين للسامية الذين تتزايد قائمة ضحاياهم.

مزحة سياسة

ورأى الموقع أن الأمر عند ترامب لم يعد يتعلق بالحكم ضمن الإطار الديمقراطي، إذ بنى إستراتيجيته على مفارقة تقوم على إثبات مصداقية "خطابه" على حساب مصداقية "النظام"، ولا تفرض الهيمنة من خلال قصص ذات مصداقية ولكن من خلال النكات التي تجلب المصداقية على جميع أشكال السلطات.

ولخص ميديابارت ما سماه "النزعة الترامبية" في أنها شكل من أشكال الكرنفال العكسي، يثبت قيم الغريب في قمة السلطة ويثبت شرعيتها على الشبكات الاجتماعية وتلفزيون الواقع، حتى إن المفكر نعوم تشومسكي قال "إنه (ترامب) مهرج يمكن أن يكون له مكان في السيرك".

غير أن وباء كورونا -كما يقول الموقع- جعل المهرج يتعثر فجأة، لأن قوة التشويه التي تشعل حماس الحشود لا تستطيع أن تفعل شيئا ضد الفيروس الذي هاجمهم، بل إنها كشفت عن هذا "التشويه البغيض" من خلال آلاف العلامات، كسوء الذوق والفحش والغباء.

وتدرج ترامب مع مراحل الفيروس، حيث سعى أولا إلى التقليل من أهميته والتنبؤ بنهايته في الربيع، ثم بحث عن ربطه بمصادر خارجية كالصين، وأخيرا أعفى نفسه من مسؤوليته الفدرالية مفوضا إلى حكام الولايات مسؤوليته وإلقاء التشكيك على تقاعسهم.

ولكن من الخطأ -حسب الموقع- استخلاص نتائج متسرعة، واعتبار أن كل هذا قد أبعد ترامب عن مؤيديه، بل إن الجائحة أتاحت له فرصة لإثبات نوع من الإفلات من العقاب، يتجلى في أنه لا يهتم بأي نصيحة، وبالتالي يمكنه فرض إرادته دون قيد أو شرط.

عدسة مكبرة

واستعرض الموقع ما أظهره وباء كورونا -الذي شبهه بالعدسة المكبرة- من أشكال الاستبداد على نطاق الكوكب، بدءا بترامب الذي لم يتوقف منذ أربع سنوات عن توسيع إمبراطورية الاستبداد خارج حدود الولايات المتحدة، إلى الرئيس جاير بولسنارو في البرازيل، والرئيس رودريغو دتيتي في الفلبين، إلى رئيس الوزراء بوريس جونسون في المملكة المتحدة، وغيرهم في إيطاليا وغواتيمالا والمجر وأوكرانيا وفي الهند كذلك.

وقال الموقع إن تغريدات ترامب ومنشوراته على فيسبوك وتهريجه ونكات بوريس جونسون، تعكس كاريزما التهريج المناهض للبطولة، حيث لا يخرج تأثير هؤلاء القادة الشعبويين عن التهريج من خلال أخبار زائفة ومحاكاة ساخرة.

وضرب الموقع أمثلة من تفاهات الشعبويين، عندما يلبس القائد ثوب الرجل العادي الذي يهتف في الشبكات الاجتماعية وثوب المهرج في تلفزيون الواقع أو البرامج الحوارية، وينشر صور طعامه ويسيء بعبارات بذيئة إلى الصحفيين ويتجرأ على وصف الآخرين بأسلوب منحط.

فمنذ انتخاب ترامب -كما يقول الموقع- "يتم كل يوم، اتخاذ قرارات جديدة ضد المبادئ الرئيسية للديمقراطية والتزامات الولايات المتحدة، حتى إن المرء ليتساءل: كيف يمكن أن يبقى في السلطة عندما يقول أشياء سخيفة ويتخذ قرارات في بعض الأحيان ضد الحس السليم أو الإنسانية الأساسية؟".

محاربة الرويبضات

وقال الموقع إن شخصيات مثل الزعيم النازي آدولف هتلر والزعيم الفاشي موسوليني كانت لهم جوانب بشعة وغرابة في الأطوار، إلا أن سلطتهم اقترضت علامات السيادة القديمة كالحزم والنسر والتحية الرومانية، وكانت طريقة عملهم مبنية على شبكة إدارية وشرطية وبيروقراطية للسيطرة على الأفراد، ولم يكن لديهم أي شيء للارتجال الهزلي كما عند ترامب وغيره.

وبعد استعراض لنصوص تاريخية، استخرج الموقع لترامب "شخصية القمامة الفاخرة التي تنتصر تحت علامات الابتذال والاستهزاء. يقول رسام الكاريكاتير كارتر غودريتش -الذي رسم الصفحة الأولى من مجلة نيويوركر التي تصور ترامب على أنه مهرج شرير- "من الصعب محاكاة هذا الرجل بصورة ساخرة، إنه يمشي ويتحدث بالفعل مثل الكاريكاتير عن نفسه".

ونبّه الموقع إلى ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو من تأثير القوة الغامضة لغريب الأطوار أو "الرعب المريب"، وقال إنه يتعاون الآن مع قوة الشبكات الاجتماعية والاستخدام الإستراتيجي للبيانات والخوارزميات الضخمة، بحيث يجمع طغيان المستبدين والمهرجين بين القوى الغريبة للشعوذة والإتقان المنهجي للشبكات الاجتماعية وتجاوزات السخرية وقانون الخوارزميات.

ومع ظهور الشبكات الاجتماعية، ظهر جيل جديد من المستشارين السياسيين، كأطباء علوم الحاسوب و"مهندسي الفوضى"، قادر على استغلال إمكانات الويب وتوجيه الغضب المولود على الشبكات الاجتماعية إلى صناديق الاقتراع.

ويختتم الموقع بأن فرنسا رغم أنها لم يتم تجسيد المستبد المستهتر فيها في شخصية سياسية بعد، فإن ظاهرة السخرية بدأت في تلويث الحياة العامة. يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "إذا كنا لا نريد أن يسقط أشخاص حساسون في أذرع هؤلاء في عام 2022، فيجب علينا التحدث إليهم وإبداء الاعتبار لهم وإظهار أننا نسمعهم".

المصدر : ميديابارت

حول هذه القصة

أعلن الرئيس الأميركي رفضه القاطع لإزالة أسماء جنرالات كونفدراليين أيدوا العبودية عن قواعد عسكرية في الولايات المتّحدة طالب ناشطون حقوقيون تغييرها، وهو مقترح كان البنتاغون أبدى استعداده للنظر فيه.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة