سُم النسيم.. نقص ثاني أكسيد الكربون يهدد فئران الخلد العارية

تعتمد صحة فأر الخلد العاري على توفر ثاني أكسيد الكربون ويعاني عند نقص كفايته منه (ويكيميديا كومونز)
تعتمد صحة فأر الخلد العاري على توفر ثاني أكسيد الكربون ويعاني عند نقص كفايته منه (ويكيميديا كومونز)

أحمد الديب

كثيرا ما تنافست قصص وأفلام الأبطال الخارقين في ابتداع شخصيات تتمتع بقوى خارقة لم يُسبَق إلى تخيلها، وكثيرا ما أفضى ذلك ببعض "المبدعين" إلى تقليد بعضهم بعضا، أو إلى الخروج بشخصيات مثيرة للسخرية. ولو كانوا فقط اتجهوا بأنظارهم إلى الطبيعة لاستلهموا من عجائب مخلوقاتها ما يُخجل خيالهم ويأسره للأبد.

نقطة الضعف العجيبة

لنأخذ على ذلك مثالا واحدا كشفت عنه دراسة حديثة منشورة حديثا بدورية "كارنت بيولوجي"، حيث قالت إن نوعا من القوارض يدعى "فأر الخُلد العاري"، لا يتحمل فقط الحياة في ظروف نقص الأكسجين وارتفاع ثاني أكسيد الكربون، بل تعتمد صحته أصلا على توفر ثاني أكسيد الكربون، ويعاني عند نقص كفايته منه من نوبات تشنجية!

تستوطن فئران الخلد العارية شرقي أفريقيا، وتعيش في البرية في جحور جماعية تحت الأرض، يقل فيها الأكسجين إلى مستويات قد تقتل أغلب الأحياء اختناقا في بضع دقائق.

ويملأ الازدحام تلك الجحور بثاني أكسيد الكربون إلى درجة تجعل الهواء هناك حمضيا حارقا لأنسجة عيون وأنوف وجلود معظم الحيوانات الأخرى. لكن الدراسات السابقة أثبتت وجود مناعة من الاختناق بقلة الأكسجين، ومن التأثر بتلك الحامضية الشديدة، تمتلكها هذه القوارض ذات الجلود المكشوفة العارية تماما من الشعر!

لكن -وتماما كما في قصص الأبطال الخارقين- لا بد أن تأتي كل قوة خارقة ومعها ثغرة دفاعية. وهنا تخبرنا الدراسة الأخيرة بنقطة الضعف العجيبة لفئران الخلد العارية، وهي اعتماد سلامة صحتها على تلك النسب العالية من ثاني أكسيد الكربون في أوكارها المشتركة تحت الأرض،  فإذا حدث أن انخفضت هذه النسبة عن الحد المطلوب، فسوف تعاني تلك الحيوانات المنيعة من التشنجات!

الهواء الطازج هو سم فئران الخلد العارية وتفر منه دائما إلى جحورها المشبعة بثاني أكسيد الكربون (ويكيميديا كومونز)

مناطق الراحة

يقول دان مكلوسكي باحث العلوم العصبية بجامعة مدينة نيويورك والمشارك في الدراسة "بينما تتمتع فئران الخلد العارية بصحة ممتازة في جحورها المكتظة بالأجساد وبثاني أكسيد الكربون، فإن الهواء النقي المتجدد بالأعلى قد يعرضها لنوبات تشنج!".

وقد كشفت الدراسة أن أدمغة هذه الحيوانات تعتمد على ثاني أكسيد الكربون في تنظيم عمل بروتين يدعى "KCC2″، وهو مسؤول بدوره عن ضبط نسبة الكلورايد في الخلايا العصبية للدماغ.

وأيونات الكلورايد تعمل في الدماغ كمكابح لتهدئة الأعصاب عند الضرورة. فإذا تناقص مستوى ثاني أكسيد الكربون فسرعان ما ستنهار آلية التهدئة العصبية. وهذه التفاعلات التسلسلية هي التي تدفع فئران الخلد العارية إلى حرصها الشهير على البقاء في جحورها، بيوت راحتها، أو على مقربة شديدة منها.

وسبب ذلك أن أدمغتها تبدأ فور الاضطرار إلى مغادرة الجحور، في سباق مع الزمن بضغط غريزي للعودة في أسرع وقت ممكن قبل أن يسممها نقص ثاني أكسيد الكربون من الهواء "الطازج" في عالم ما فوق سطح الأرض، ويدفع بها في نوبات من الهياج والاضطراب العصبي.

وتعد الدراسة بفتح آفاق جديدة لفهم آليات نوبات التشنج العصبي عند البشر الذين يعانون من بعض الحالات المرضية العصبية، كما أنها تقدم نموذجا فريدا لمخلوقات رزقت بمناعة خارقة من ظروف كانت لتقود ملايين من أنواع الحياة الأخرى على الأرض إلى الانهيار وربما إلى الفناء، وهي في المقابل تنزوي في جحورها وتلوذ بها فرارا من عليل النسيم!

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة