قصص مؤلمة من تونس.. عائلات المحتجزين بسوريا تطالب بجلب ذويها

حفظ

: جانب من الوقفة الاحتجاجية لأهالي العالقين في سوريا/أمام مبنى البرلمان/العاصمة تونس/فبراير/شباط 2020
جانب من الوقفة الاحتجاجية لأهالي العالقين في سوريا أمام مبنى البرلمان بالعاصمة تونس (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

لم تكن زهرة الحامدي تتوقع يوما أن تفقد أفراد عائلتها دفعة واحدة بعدما انجرفوا وراء أخيها الشاب الذي سافر للقتال ضد النظام السوري عام 2014. لكن منذ ذلك الوقت بات لديها عائلة جديدة من أهالي التونسيين المعتقلين بسوريا الذين يطالبون السلطات بجلبهم.

تبدو هذه المرأة (55 عاما) كئيبة غارقة في وحل من الآلام وسط رفيقاتها من اللاتي جئن من كل حدب للاحتجاج أمام مبنى البرلمان، اليوم الجمعة، يطالبن السلطات بالتحرك لاسترجاع النساء والأطفال المعتقلين في سوريا والذين يواجهون ظروفا قاسية.

ولم يتبق لهذه المرأة سوى والدها العجوز المرهق بالمرض (85 عاما) وابنها الصغير وزوجها المثقل بالهموم.

تقول زهرة للجزيرة نت بصوت يخنقه البكاء "لقد كنت في البداية حائرة على فقدان أخي الصغير بسوريا ثم خسرت عائلة بأكملها".

‪زهرة: كنت في البداية حائرة على فقدان أخي الصغير بسوريا ثم خسرت عائلة بأكملها‬ (الجزيرة)
‪زهرة: كنت في البداية حائرة على فقدان أخي الصغير بسوريا ثم خسرت عائلة بأكملها‬ (الجزيرة)

مأساة عائلة
بدا هذا الكابوس يعبّد طريقه لزرع اليأس في حياتها منذ أن قرر شقيقها الأصغر القيام بعمرة رفقة زوجته وأبنائه في مارس/آذار 2014. لكن الحقيقة مغايرة تماما فهذه ليست إلا رواية اختلقها حتى لا يصدم عائلته قبل أن يعترف بالسر.

تواصل زهرة حديثها ذارفة دموع الحرقة على تفكك أسرتها الضائقة في متاهات الحرب بعدما أخطأ فيما بعد إخوتها الأربعة وسافروا إلى سوريا عبر تركيا مصطحبين أبناءهم وزوجاتهم ووالدتهم العجوز التي أرادت أن تلتقي ابنها الأصغر قبل وفاتها.

لكن الأقدار شاءت أن يلقى شقيقها الأصغر مصرعه سنة 2015 جراء القصف، وبقي الآخرون عالقين في سوريا غير قادرين على الخروج منها إلى أن تم اعتقالهم سنة 2017 في معتقلات تابعة للقوات الكردية حيث لفظت والدتها أنفاسها الأخيرة في بلد لا تعرفه.

وتدفق الآلاف من الشباب التونسي عقب ثورة 2011 فرادى أو مرفقين بزوجاتهم وأبنائهم للانخراط في الحرب ضد النظام السوري.

إعلان

واندلع جدل سياسي كبير في تونس في خضم اتهام الإسلاميين بالتورط في تسفير المواطنين إلى بؤر التوتر أعقاب الثورة.

وكغيرها من اللاتي صعقن بأخبار رحيل أبنائها أو اعتقالهم أو موتهم بسوريا، تواصل زهرة طرق أبواب المنظمات والسلطات دون جدوى. تقول "اليوم أطلقنا صرخة أمهات مكلومة أمام البرلمان لجلب أبنائنا ونسائنا ومحاكمتهم بتونس إن لزم الأمر".

‪رفيقة لم تتحمل هول الصدمة من فراق ابنتها ذات 18 عاما‬ (الجزيرة)
‪رفيقة لم تتحمل هول الصدمة من فراق ابنتها ذات 18 عاما‬ (الجزيرة)

مصير غامض
بدورها تبدو رفيقة الشرقي (62 عاما) في ثيابها السوداء وقسماتها الحزينة جسدا بلا روح بعد أن فقدت ابنتها الصغرى سنة 2014. تقول "لقد كانت ابنتي سعيدة لكن لم تمر سنة واحدة عن زواجها حتى هاتفتني عبر رقم طويل لتخبرني أنها بسوريا".

لم تحتمل هذه المرأة القادمة من محافظة بنزرت الشمالية هول الصدمة من فراق ابنتها ذات 18 عاما. تقول للجزيرة نت إنها أصبحت مريضة بسرطان الثدي وضغط الدم والنقرس وهشاشة العظام لكنها استمرت في طرق أبواب السلطات للتدخل لإنقاذ ابنتها والعالقين الآخرين.

قبل أربع سنوات قتل صهرها في قصف للنظام السوري وبترت يد ابنتها الوحيدة، ومنذ ذلك الوقت انقطعت أخبارها عنها إلى أن أخبرها جيران محتجزون مع ابنتها بأنها تقبع في مخيم تابع للأكراد. وهذا الخبر أعاد لها أملا ممزوجا بالحيرة والخوف على مصيرها الغامض.

ويقول المحامي أنور أولاد علي رئيس مرصد الحقوق والحريات بتونس للجزيرة نت إن السلطات متقاعسة في حلحلة هذ الملف بالرغم من أن منظمته تقدمت إلى لجنة شؤون المرأة والأسرة والطفولة بالبرلمان المنتهية عهدته بقائمة اسمية بهوية 39 طفلا عالقا بسوريا.

‪حقوقيون استنكروا ترك أطفال يواجهون مصيرهم بمفردهم في ظروف قاسية في سوريا‬ (الجزيرة)
‪حقوقيون استنكروا ترك أطفال يواجهون مصيرهم بمفردهم في ظروف قاسية في سوريا‬ (الجزيرة)

سياسة النعامة
يضيف المحامي أنور "تنتهج السلطات التونسية سياسة النعامة في موضوع التونسيين المحتجزين في بؤر التوتر" مستنكرا ترك أطفال يواجهون مصيرهم بمفردهم في ظروف قاسية في سوريا رغم أنهم لم يختاروا عائلاتهم أو ظروف عيشهم ولا ذنب لهم في تورط آبائهم بالقتال بسوريا.

ولا يختلف مصير الأطفال العالقين في سوريا عن مصير نظرائهم التونسيين العالقين مع أمهاتهم في ليبيا. ومنذ أسابيع قليلة استقبل الرئيس قيس سعيد ستة أطفال يتامى من ذوي الجنسية التونسية تمت إعادتهم من ليبيا بعد احتضانهم لفترة من الهلال الأحمر الليبي.

وتم توجيه هؤلاء الأطفال إلى مراكز رعاية الطفولة لتوفير الإحاطة النفسية والصحية لهم قبل تسليمهم إلى عائلاتهم.

وكان مندوب حماية الطفولة مهيار الحمادي قال في تصريح إن تونس مطالبة قانونيا باستعادة الأطفال العالقين في بؤر التوتر ومخيمات اللاجئين.

وطالبت منظمة هيومن رايتس ووتش من السلطات بالإسراع لإعادة أبناء المقاتلين التونسيين في صفوف تنظيم الدولة بسوريا، مشيرة إلى احتجاز حوالي مئتي طفل ومئة امرأة -يقولون إن لديهم جنسيات تونسية بالخارج- دون تهم لمدة تصل أكثر من ثلاث سنوات.

المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان