هدية لوزير خارجية روسيا تتحول لفضيحة دبلوماسية تهدد العلاقات بين البوسنة وأوكرانيا

ميلوراد دوديك (يمين) أثناء استقباله سيرغي لافروف في سراييفو (مواقع التواصل)
ميلوراد دوديك (يمين) أثناء استقباله سيرغي لافروف في سراييفو (مواقع التواصل)

لم تكن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى البوسنة منتصف الشهر الجاري مثل غيرها من الزيارات الكثيرة التي قام بها من قبل، والتي كان يحرص في كل منها على إظهار دعمه المتميز لصرب البوسنة.

فقد وصل لافروف إلى البوسنة يوم الاثنين 14 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بالتزامن مع الذكرى 25 لتوقيع "اتفاقية دايتون للسلام"، التي أنهت الحرب في البوسنة.

وكان في استقبال الوزير الروسي ميلوراد دوديك العضو الصربي في مجلس رئاسة دولة البوسنة والهرسك، الذي أبدى كعادته حفاوة شديدة بالضيف الروسي.

وعلى هامش المؤتمر الصحفي المشترك بينهما يوم الثلاثاء 15 ديسمبر/كانون الأول، قام دوديك بإهداء لافروف هدية وُصفت بأنها قيّمة، عبارة عن أيقونة أرثوذكسية قديمة، وذلك في ختام المؤتمر الذي حظي بحضور إعلامي مكثف.

الأيقونة الأرثوذكسية والختم محل الخلاف بين البوسنة والهرسك وأوكرانيا (مواقع التواصل)


الهدية تتحول إلى فضيحة

كان من الممكن أن يمر الأمر بشكل طبيعي، لو لم تتلق وزارة الخارجية البوسنية في اليوم التالي 16 ديسمبر/كانون الأول مذكرة دبلوماسية من سفارة دولة أوكرانيا في سراييفو، تفيد بأن تلك الأيقونة التاريخية هي في الحقيقة ملك لدولة أوكرانيا، وأنها جزء من التراث الثقافي الأوكراني، وأنها مفقودة منذ سنين، وطالب الأوكرانيون بإصدار توضيح رسمي من الحكومة البوسنية عن كيفية وجود الأيقونة في البوسنة.

و"قامت الوزارة فورا بإرسال المذكرة إلى مجلس الرئاسة البوسني، مشفوعة بطلب للرد بشكل رسمي على الادعاءات الواردة في المذكرة الأوكرانية"، وذلك كما أخبر الجزيرة نت مكتب وزيرة الخارجية البوسنية بيسيرا تركوفيتش.

وعن الخطوات التالية التي ستتخذها الوزارة، قال مكتب الوزيرة للجزيرة نت "نحن ننتظر التعليمات الرسمية من مجلس الرئاسة، وقد نتصرف بناءً على طلب "مؤسسات بوسنية أخرى لديها سلطة تنفيذ إجراءات معينة في هذه الحالة". في إشارة على ما يبدو إلى ما جاء في البيان الرسمي الصادر عن الوزيرة تركوفيتش، حيث ذكر أن خطورة الأمر قد تستدعي تدخل جهات أخرى مثل وكالة الاستخبارات البوسنية أو الإنتربول.

حارث درويشفيتش: القضية تحمل أبعادا دينية وثقافية (الجزيرة نت)


الأبعاد الدينية والثقافية والقانونية

ومن الواضح أن الأمر لا يتعلق بالسياسة، ولا بالعلاقات المتوترة بين روسيا وأوكرانيا فقط، بل إن للقضية بعدا ثقافيا ودينيا؛ ولمعرفة ذلك التقت الجزيرة نت رئيس قسم تاريخ الفن بجامعة "سراييفو" الدكتور حارث درويشفيتش، الذي قال إن "تلك الأيقونة عمرها نحو 300 عام، ولها أهمية كبيرة من الناحيتين الدينية والثقافية.

"فالبعد الديني -كما يقول درويشفيتش- واضح من محتوى الأيقونة؛ فهي تصور القديس نيكولاس العجيب يحيط به السيد المسيح والسيدة مريم العذراء، ويعطيه المسيح الإنجيل، في حين تعطيه العذراء مريم شريط الكهنة (omophorion)، ثم توضح الأيقونة قبول القديس نيكولاس تلك الهدايا، من خلال حمله الإنجيل مفتوحا، ووجود الشريط حول رقبته".

"أما البعد الثقافي للأيقونة، فيظهره الختم الشمعي الموجود على ظهر الأيقونة، وهو يخص لجنة "أوديسا" الإقليمية لحماية آثار الثقافة المادية والطبيعة، التي قامت خلال الفترة من 1926 إلى 1930 بالبحث والتنقيب عن المعالم الثقافية في منطقة الاتحاد السوفياتي السابق، وسجلت اكتشافاتها في سجلات خاصة"، كما يضيف درويشفيتش.

ويبدو أن للأمر بعدا قانونيا وجنائيا كذلك؛ فدولة البوسنة ضمن الدول الموقعة على "اتفاقية تدابير حظر ومنع استيراد الممتلكات الثقافية وتصديرها ونقلها بطرق غير مشروعة" (اليونسكو-1970)، وإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، فإن هناك محلين للنزاع: الأول كيف وصلت الأيقونة إلى البوسنة والهرسك؟ والثاني كيف غادرتها من دون الحصول على موافقات المؤسسات الثقافية المختصة؟

وحول تأثير تلك الحادثة على العلاقات البوسنية الروسية، صرح للجزيرة نت رئيس تحرير جريدة "أفاز" طارق لازوفيتش بأن "العرف الدبلوماسي لا يعرف شيئا مماثلا لما حدث، وبالتأكيد فإن توتر العلاقات بين روسيا وأوكرانيا قد أضاف حساسية أكبر للحدث. وفي رأيي أن هذا الحدث لن يكون له تأثر كبير على العلاقات الثنائية بين البوسنة والهرسك وروسيا، لكنه بالتأكيد سيؤثر على علاقة روسيا مع صرب البوسنة، وبشكل أكثر مع ميلوراد دوديك ممثل صرب البوسنة في مجلس الرئاسة".

طارق لازوفيتش: توتر العلاقات بين روسيا وأوكرانيا قد أضاف حساسية أكبر للحادثة (الجزيرة)


الروس يردون الهدية

وفي وقت لاحق، أعلنت وزارة الخارجية الروسية "أن الأيقونة -التي قُدمت لوزير الخارجية سيرجي لافروف في البوسنة والهرسك- ستُعاد إلى المانحين لمزيد من التوضيح حول تاريخها".

وأكد ذلك للجزيرة نت مكتب وزيرة الخارجية البوسنية، حيث قال "تلقت الوزارة يوم الأربعاء 23 ديسمبر/كانون الأول الجاري، تأكيدا شفويا من السفارة البوسنية في موسكو بأن الخارجية الروسية قامت بتسليم الأيقونة إلى السفارة، وأنه ستتم إعادتها إلى البوسنة بأسرع وقت".

ويضيف مكتب الوزيرة أنه "لا يوجد في القانون البوسني إجراء ينظم إعادة الهدايا التي يتلقاها مسؤول أجنبي من المسؤولين البوسنيين، لذا فإن هذه الحالة تعد الأولى في ممارستنا الدبلوماسية".

ورغم التصريح الرسمي الذي أصدره مكتب ميلوراد دوديك، الذي ينفي أن الأيقونة مسروقة، وأنه ليست في الأمر أية شبهة جنائية؛ فإن الأنباء المسربة عن أن السفير البوسني في موسكو قد أعاد الأيقونة بشكل ودي إلى مكتب دوديك يثير علامات استفهام لا حصر لها.

وجدير بالذكر أن زيارة وزير الخارجية الروسي إلى البوسنة -من بدايتها- كانت محملة بالكثير من التوتر، وكانت محل انتقادات عدة، لما شابها من إجراءات تخالف الأعراف الدبلوماسية؛ فقد التقى لافروف دوديك في ضاحية خارج العاصمة سراييفو، ولم يكن علم دولة البوسنة والهرسك حاضرا، لا في اجتماع الوفدين، ولا خلال المؤتمر الصحفي الذي عقداه في اليوم التالي.

كذلك، فإن تصريحات لافروف -في المؤتمر الصحفي- بشأن ضرورة تعديل "اتفاقية دايتون"، أثارت غضب البوسنيين، واحتجاجا على ذلك؛ فقد أصدر عضوا مجلس رئاسة البوسنة البوشناقي شفيق جعفروفيتش والكرواتي جيلكو كومشيتش بيانا، أعلنا فيه رفضهما الاجتماع مع وزير الخارجية الروسي.

واكتُفي بتنظيم اجتماع للوزير الروسي مع وزيرة الخارجية البوسنية بيسيرا تركوفيتش، وذلك على خلاف ما جرت عليه العادة، حيث يحرص مجلس الرئاسة البوسني مكتملا (بأعضائه الثلاثة)، على لقاء الوزراء والمسؤولين الكبار الذين يمثلون دولا ذات أهمية مثل روسيا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة