إندونيسيا.. انتخابات محلية في ظل جائحة كورونا وبروز للعائلات السياسية

نحو 100 مليون إندونيسي دُعوا للمشاركة في الانتخابات المحلية (رويترز)
نحو 100 مليون إندونيسي دُعوا للمشاركة في الانتخابات المحلية (رويترز)

دُعي 100 مليون ناخب إندونيسي الأربعاء للإدلاء بأصواتهم في 270 محافظة وإقليما ومدينة، لاختيار ولاة المدن والمحافظين وحكام الأقاليم في تلك المناطق التي تشكل نحو نصف مناطق البلاد، حيث إن إندونيسيا مقسمة إداريا إلى 34 إقليما، والأقاليم مقسمة إلى 514 محافظة وإقليما، يتم اختيار المسؤولين التنفيذيين المحليين فيها بالاقتراع المباشر.

وكانت الانتخابات المحلية تجرى متفرقة ابتداء لكن مفوضية الانتخابات بدأت بتنظيمها في أكبر عدد ممكن من المحافظات والمدن والأقاليم على دفعات في يوم واحد، ولا تزال هناك مناقشات برلمانية بشأن التشريعات السابقة والقائمة للانتخابات والأحزاب بخصوص إجراء الانتخابات المحلية في بقية المناطق خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، مع طرح فكرة جمعها في يوم واحد عام 2017.

وتعد الانتخابات التي أجريت الأربعاء، أو التي ستنظم  على مراحل حتى عام 2023، اختبارا لشعبية الأحزاب وقوة أدائها على المستوى المحلي قبل أي انتخابات رئاسية وتشريعية مقبلة عام 2024، يكون جزءا منها كما كان في انتخابات عام 2019 اختيار الرئيس ونائبه، وأعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ المركزيين بجاكرتا، بالتوازي مع اختيار أعضاء المجالس التشريعية لـ3 مستويات هي المدن والمحافظات والأقاليم، فانتخاب هؤلاء لمجالس تشريعية منفصل زمنا وتفويضا عن انتخاب المسؤولين التنفيذيين المحليين من محافظين وولاة وحكام أقاليم.

عائلات سياسية

واللافت في هذه الانتخابات بروز ظاهرة العائلات السياسية مجددا على المستوى المحلي، وتشير إحصائية لمعهد نغارا للدراسات إلى تقدم 124 مرشحا ذوي صلة قرابة مع سياسيين حاليين أو سابقين في الحكومة المركزية أو الحكومات المحلية، ومن أولئك 29 زوجة لمحافظين أو ولاة مدن أو حكام أقاليم سابقين أو ستنتهي مدة حكمهم قريبا، وفي مقدمة الأحزاب التي تشهد اعتمادا على مرشحين من أسر سياسية حزب غولكار ثم حزب النضال من أجل الديمقراطية والحزب القومي الديمقراطي وكلها من التحالف الحاكم اليوم.

وحسب الدراسة نفسها فإنه بين عامي 2005 و2014 -خلال عهد الرئيس الأسبق سوسيلو بامبانغ يودهويونو- شهدت إندونيسيا حضور 59 مرشحا فقط من عائلات سياسية تسعى لترسيخ العمل السياسي بين أفرادها، ثم ارتفع عدد المرشحين ضمن هذه الظاهرة في انتخابات محلية متتالية بين الأعوام 2015، و2017، و2018 إلى 86 مرشحا.

قبل أن يبلغ 124 مرشحا في انتخابات الأربعاء، ويرى معهد نغارا في دراسته أن الأحزاب تنظر إلى الانتخابات نظرة براغماتية فتسعى لترشيح من سيكون له الحظ الأوفر بالفوز، ومن أولئك من له صلة قرابة مع سياسيين معروفين محليا أو في الحكومة المركزية.

كما أن الانتخابات المحلية تشهد تداخلا في التحالفات الحزبية الموالية أو المعارضة للحكومة المحلية، ويتمحور ذلك حول الشخصية المرشحة وشهرتها وحظوظها بالفوز والحسابات السياسية والاقتصادية، فأحزاب تتفق في محافظة ضد أحزاب، وفي محافظة مجاورة يكون التحالف مختلفا تماما، وحزبان يتحالفان في منطقة قد يتنافسان في منطقة أخرى، بصورة تمثل سيولة في التحالفات على اختلاف المحافظات، تختلف تماما عن انقسام الأحزاب بين تحالف حاكم ومعارضة على المستوى الوطني في جاكرتا.

ففي مدينة صولو على سبيل المثال تشير النتائج الأولية إلى فوز غيبران راكابومينغ نجل الرئيس جوكوي بمنصب والي المدينة في وسط جزيرة جاوا، مقتفيا أثر والده الذي بدأ حياته السياسية واليا على تلك المدينة التاريخية العريقة، ثم حاكما لجاكرتا لمدة قصيرة قبل الوصول إلى القصر الرئاسي، كما يتجه بوبي ناسوتيون صهر الرئيس جوكوي أيضا إلى الفوز بمنصب والي مدينة ميدان شمالي جزيرة سومطرة.

ومثلهما ترشحت ابنة نائب الرئيس معروف أمين لمنصب والي مدينة تنغرانغ الجنوبية، جنوبي جاكرتا، وكذلك إحدى قريبات وزير الدفاع والمرشح الرئاسي سابقا برابوو سوبيانتو، وفي محافظة كيديري ترشح نجل برامونو أنونغ أحد ساسة حزب النضال من أجل الديمقراطية الحاكم المعروفين وأمين مجلس الوزراء، كما ترشحت أخت وزيرة العمل، ونجل وزير الزراعة في محافظتين مختلفتين.

وتمتد الظاهرة لتشمل عائلات سياسية محلية أخرى في إقليم بانتن، وكذلك في إقليم جزر رياو ومحافظات أخرى متفرقة منها إندراغيري وسيرانغ وسليمان وبانيو وانغي، وسيجونجونغ وبورو الجنوبية، والصلة العائلية فيها أن يكون المترشح الابن أو الشقيق أو الزوجة أو القريب لسياسي تنتهي ولايته في المنصب نفسه أو في مناصب أخرى حاليا أو سابقا، وتقترب إندونيسيا بهذه الظاهرة وإن كانت بنسبة أقل  حتى الآن من حضور العائلات السياسية في الفلبين على المستوى المحلي والوطني منذ عشرات السنين.

كورونا وتأجيل الانتخابات

وقبل أن تجرى الانتخابات، طالبت جهات عديدة بتأجيلها، وهو ما تم لـ3 أشهر فقط، وجاءت هذه المطالب لمفوضية الانتخابات والحكومة من جمعيات دينية مجتمعية كبرى كنهضة العلماء والمحمدية من منطلق مقاصد الشريعة بهدف حفظ الأنفس، وتجنب ارتفاع في إصابات المواطنين بالفيروس خلال الحملات الانتخابية، والتصويت وفرز الأصوات ثم احتشادهم للاحتفال بفوز مرشحيهم.

كما جاءت المطالب من سياسيين من حزبي العدالة والرفاه، والتنمية المتحد، وشددت على ذلك توصيات مركز الدراسات السياسية في الهيئة الإندونيسية للعلوم، لكن الانتخابات لم تؤجل.

وقد أشارت أرقام أولية في مناطق مختلفة إلى تراجع نسب المشاركة مقارنة بمواسم انتخابية ماضية بسبب عزوف نسبة من الناخبين عن التصويت خوفا من الاحتشاد في ظل ظروف الوباء، لكن حسب تقدير وزير الداخلية تيتو كارنافيان فإن نسب مشاركة الناخبين راوحت بين 60 و70% معتبرا أن النسبة جيدة رغم ظروف الوباء، واصفا مستوى الالتزام بالإجراءات الاحترازية بالجيد بما فيه الكفاية.

وكانت مفوضية الانتخابات قد وضعت أمامها هدف تحقيق مشاركة بنسبة 77.5%.

من جانبه قال الوزير المنسق للشؤون الأمنية والسياسية محفوظ محمد إنه ليس هناك علاقة بين الانتخابات وارتفاع الإصابات بفيروس كورونا، مشيرا إلى أنه حسب التقارير التي وردته من فريق مواجهة جائحة كورونا، ليس هناك علاقة بين ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس وإجراء الانتخابات مقارنة بمناطق لم تُجرَ فيها الانتخابات المحلية.

وذكر المتحدث باسم اللجنة الحكومية العليا لمواجهة جائحة كورونا -في بيان صحفي- أن نسبة ارتداء الكمامات في مراكز الاقتراع حسب التقارير الرسمية الواردة من المحافظات قد بلغت الأربعاء 95.9%، كما التزم 91.7% من الناخبين بالتباعد الاجتماعي، مقابل انخفاض نسبة الاستعدادات الصحية من توفير الماء والصابون والمعقمات في مراكز الاقتراع والتزام المراقبين والعاملين فيها بالإجراءات الاحترازية إلى أقل من 50%.

تحذير من ارتفاع الإصابات

لكنّ لخبراء الصحة رأيا آخر، ومنهم نقابة الأطباء التي ظلت تطالب بتأجيل إجراء الانتخابات بناء على مراقبتها للواقع الصحي واعتقادها أن الوباء في إندونيسيا لم يصل إلى ذروته.

ورأى ذلك أيضا هيرماوان سابوترا عضو مجلس مستشاري اتحاد خبراء الصحة العامة في إندونيسيا، في حديث للجزيرة.

فحسب تقديرات اتحاده فإن الإصابات بفيروس كورونا قد ترتفع في الأيام المقبلة بعد الانتخابات أضعافا عدة، محذرا من أن القدرة الاستيعابية للمستشفيات قد تجاوزت إمكاناتها في مناطق كثيرة، ولا سيما أن غرف العناية المركزة محدودة في البلاد مقارنة بالمصابين وعدد السكان، وأن الفرق الطبية قد أرهقت بعد مرور 9 شهور من العيش مع المصابين بالفيروس، على حد قوله.

ويتوقع الدكتور تري يونس ميكو أحد خبراء اللجنة العليا الحكومية لمواجهة جائحة كورونا، في الاتجاه نفسه -في حديث للجزيرة- ارتفاعا ممكنا في عدد الإصابات بفيروس كورونا في المناطق التي أجريت فيها الانتخابات الأربعاء، ولكن بنسبة متفاوتة بين مناطق وأخرى، حسب الالتزام بالإجراءات الاحترازية خلال ساعات التصويت وفرز الأصوات، وحشود الاحتفال بالفوز أو حصول توتر أو خلافات في مناطق معينة.

وأشار تري يونس إلى بقاء إشكالية انخفاض مستوى الفحص على المستوى الوطني، وإشكاليات تتعلق بالعزل المنزلي، مما يساعد على انتشار العدوى بين أفراد العائلات.

وأضاف أن هناك حاجة إلى رفع القدرة الاستيعابية للمستشفيات في البلاد، وإنشاء مستشفيات طارئة جديدة في الأقاليم التي شهدت انتخابات محلية يوم الأربعاء، وتحسين الظروف الصحية والإجراءات الاحترازية في المصانع والأسواق والمطاعم والمكاتب، التي قال إن كثيرين لا يلتزمون بجميعها ويبسطونها حسب وصفه.

ودعا إلى الاستعداد لاحتمالية استمرار الإصابات بفيروس كورونا ابتداء من الشهر الحالي وخلال النصف الأول من عام 2021 حتى يكتمل توزيع اللقاح في النصف الثاني من العام المقبل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تجددت في العاصمة جاكرتا ومدن أخرى في إندونيسيا المظاهرات الرافضة لقانون التوظيف الذي أقره البرلمان يوم الاثنين الماضي. وبينما تدافع السلطات عن القانون، يؤكد المحتجون أنه يهدر حقوق العمال.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة