حرب إيران والغزو الأميركي وتنظيم الدولة.. أزمات خلفت ملايين الألغام في العراق

انتشال ألغام ومتفجرات من أحد المواقع الملوثة في العراق (مواقع التواصل)
انتشال ألغام ومتفجرات من أحد المواقع الملوثة في العراق (مواقع التواصل)

حروب عدة تلك التي عايش العراقيون ويلاتها منذ 4 عقود، حروب لم تنته آثارها بتوقفها، فما خلفته من ضحايا لا يزال تعدادهم في تصاعد مستمر نتيجة كم الألغام التي خلفتها والتي لا تزال تشكل خطرا داهما يواجه العراقيون في مختلف المدن.

صنفت الأمم المتحدة العراق كأكثر دول العالم تلوثا بالألغام، يقول بيير لودهامر مدير برنامج العراق الأقدم في دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام (يونيماس) (UNMASS) إن المساحة الملوثة بالألغام في العراق تبلغ نحو 2.96 مليار متر مربع.

لودهامر وفي حديث حصري للجزيرة نت أوضح أن المناطق الأكثر تلوثًا تقع جنوب البلاد وفي المناطق الحدودية مع إيران، وهي من مخلفات الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت 8 سنوات وانتهت عام 1988.

وأضاف أن المناطق التي استعادتها القوات العراقية من تنظيم الدولة أضافت مزيدا من المساحات الملوثة نتيجة وجود عدد كبير من الألغام المعقدة والعبوات الناسفة محلية الصنع التي تستمر في تشويه وقتل المدنيين بالإضافة إلى حرمانهم من متابعة سبل عيشهم بأمان، وفق تعبيره.

لودهامر (يسار) خلال تفقده لأحد المواقع الملوثة بالألغام في العراق (الجزيرة نت)

أما منظمة برامج إدارة المعلومات و شؤون الألغام الأميركية (IMMAP)  فأوضحت في آخر تقرير لها في أغسطس/آب الماضي أن محافظة البصرة (جنوبي العراق) تعد أكثر المحافظات تلوثا بمساحة 883 مليون متر مربع، ناتجة عن حربي الخليج الأولى والثانية وحرب عام 2003.

أعداد الضحايا
وكشفت المنظمة الأميركية وفق تقريرها الأخير أن أعداد ضحايا الذخائر المتفجرة وصل إلى 34 ألفا و74 ضحية، أكثر من 19 ألفا منهم سقطوا في المناطق الجنوبية للبلاد.

أما عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية علي البياتي فأوضح من جانبه أن المخلفات الحربية في العراق كالألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفلقة تعد قاتلا خفيا للعراقيين نتيجة عقود من الحروب التي مرت بها البلاد دون معالجتها بالسرعة المطلوبة.

البياتي: حتى عام 2014 كانت في البلاد كمية كبيرة من الألغام (الجزيرة نت)

وكشف البياتي أنه حتى عام 2011، بلغ أعداد الضحايا في المناطق الجنوبية وحدها أكثر من 20 ألف ضحية، مؤكدا أن المساحة الملوثة في البلاد تصل إلى 3 مليارات متر مربع، من ضمنها المساحة الملوثة في إقليم كردستان التي تقدر بـ 250 مليون متر مربع.

وعن أعداد الألغام، يقول البياتي أن العراق حتى عام 2014 كان يضم لغما لكل عراقي بما يقارب 36 مليون لغم، لافتا إلى أن الحرب ضد تنظيم الدولة أضافت ملايين أخرى من الألغام والمتفجرات التي لا يعرف لها عدد دقيق.

في غضون ذلك، يرى مضر الكروي النائب في البرلمان العراقي عن محافظة ديالى (شرقي البلاد) أن محافظته وباعتبارها منطقة حدودية مع إيران فإنها تعاني من تلوث كبير في الألغام خاصة في الشريط الحدودي.

وفي حديثه للجزيرة نت، يعلق الكروي بأن المخاطر ازدادت أضعافا بعد أن تسببت السيول والفيضانات بتشويه خرائط حقول الألغام وجرفها إلى أماكن لم تكن ملوثة، مما تسبب بمضاعفة المخاطر التي يواجهها السكان وخاصة رعاة الماشية، لافتا إلى أن ذلك ينطبق على غالبية المناطق العراقية الحدودية.

الكروي اعتبر مخاطر الألغام زادت أضعافا بعد السيول والفيضانات التي تعرضت لها البلاد (الجزيرة نت)

بطء الإجراءات
رغم صرف أموال طائلة من الحكومات العراقية والمنظمات الدولية، يعتقد البياتي أن التدخلات السياسية والفساد تسببا ببطء جهود إزالة الألغام، خاصة في المناطق المستعادة من تنظيم الدولة، حيث إن الألغام في هذه المناطق منتشرة بين المدنيين وفي الأحياء السكنية، مما يؤدي إلى سقوط كثير من الضحايا.

أما لودهامر فيعود ليعلق "أعتقد أن القضية العامة التي تواجه العراق فيما يتعلق بالألغام تكمن بالتكلفة المادية، حيث يتطلب تحديد موقع العبوة الناسفة وإزالتها وتفكيكها موظفين مدربين تدريبا خاصا بمعدات محددة ويجب أن يتم ذلك بعناية وفقا لمجموعة من المعايير الدولية والوطنية".

ويرى أنه في بلد مثل العراق، حيث يوجد تلوث واسع النطاق للألغام الأرضية والعبوات الناسفة، فإن الموارد الحالية والمتاحة لا تتناسب مع التلوث الشديد، مما يجعل برامج التوعية بالمخاطر ضرورية لضمان توعية العراقيين بالرسائل المنقذة للحياة.

صلاح الدين اعتبر أن العراق يحتاج لسنوات طويلة لتطهير أرضه من الألغام (الجزيرة نت)

ويذهب في هذا المنحى المدير العام للدفاع المدني بوزارة الداخلية العراقية اللواء كاظم بوهان الذي يرى أن الجهود لا تزال دون المستوى المطلوب وأن الملف لا يزال يراوح مكانه، مستدلا بمساحة البلاد الملوثة.

ويشير بوهان في حديثه للجزيرة نت إلى أن الدفاع المدني والهندسة العسكرية للجيش العراقي يبذلان ما بوسعهما وفق ما يتوفر من إمكانيات مادية وتقنية، لافتا إلى أن مديريته مسؤولة عن معالجة القنابل غير المنفلقة والمقذوفات والمتساقطات الجوية بأنواعها، في حين تختص الهندسة العسكرية بحقول الألغام.

ويؤكد أنه منذ عام 2006 تمكنوا من رفع أكثر من 1.3 مليون مقذوف وصاروخ متنوع في مختلف المحافظات العراقية بمساحة مسح وتطهير بلغت 187 مليار متر مربع، لافتا إلى أن المؤسسات المحلية لديها القدرة على معالجة الألغام من خلال كاشفات المعادن السطحية والمتوسطة والعميقة.

غير أن البلاد لا تزال بحاجة إلى كاسحات ألغام حديثه وتقنيات متقدمة، مؤكدا أن وزارة الداخلية قدمت مؤخرا دراسة مفصلة للحكومة لتركيز جهود رفع الألغام على الجانب الحكومي.

كلفة باهظة
تكلفة باهظة يتكبدها العراق في معالجة الألغام وإزالتها، ففي الوقت الذي يشير فيه بوهان إلى أن جهود الدفاع المدني حكومية ولا تكلف الدولة شيئا، يؤكد مدير المكتب الإقليمي الشمالي في وزارة الصحة والبيئة معمر صلاح الدين أن وزارته تحتسب تكلفة التطهير بالمتر المربع بالاعتماد على طبيعة التربة واللغم وحجم التلوث.

ويعلق في حديثه للجزيرة نت أن وزارته جهة إشرافية تعمل لصالح الوزارات التي تتعاقد مع المنظمات في إزالة الألغام لصالحها، مؤكدا أن التكلفة تتراوح بين 50 سنتا ودولارين لكل متر مربع.

ويختتم صلاح الدين بأن العراق يحتاج لسنوات طويلة لتطهير أرضه، حيث لكل محافظة وضعها الخاص، وأن الجهد المطلوب أكبر بكثير مما هو متاح حاليا، خاصة في المناطق المستعادة من تنظيم الدولة.

أما الخبير الأمني والإستراتيجي ماجد القيسي فيؤكد أن تكلفة رفع اللغم الواحد تترواح بين 500 إلى ألفي دولار بحسب نوعه وتعقيده، لافتا إلى أنه لا يمكن للحكومة العراقية الاعتماد على الجهد المحلي في إزالتها بسبب ضعف الإمكانيات التقنية.

القيسي الذي يعمل مديرا لبرنامج الأمن والدفاع في مركز صنع السياسات للدراسات السياسية والإستراتيجية، أشار إلى أن المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة تحتاج 10 سنوات لتطهيرها بسبب شبكة المتفجرات التي زرعها مقاتلو التنظيم وموقع بعضها تحت أنقاض البيوت والمنازل المدمرة، مما يضفي مزيدا من التعقيد في إزالتها.

قاتل خفي يتربص بالعراقيين من حيث لا يعلمون، وسط إحصائيات مرعبة عن أعداد الألغام التي جعلت العراق يتسيد دول العالم على رأس قائمة الدول الأكثر تلوثا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اشتهرت عين الزبيدات بتسميتها نسبة لعشيرة “زبيد” التي تسكن محافظة ميسان منذ مئات السنين. وعورة الطرق وانتشار الألغام لم تمنع الميسانيين من الوصول لها في المناسبات والأعياد، ما حكايتها؟

يعتبر العراق من الدول التي لا تزال الألغام تشكل تهديداً لحياة مواطنيها، رغم مرور نحو ثلاثة عقود على وضع معظم تلك المتفجرات، وتشير التقديرات إلى وجود نحو سبعة ملايين لغم بإقليم كردستان. تقرير: ستير حكيم تاريخ البث: 2020/1/26

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة