أنشئ ليكون في مواجهة تنظيم الدولة.. هل من حاجة لاستمرار الحشد الشعبي بالعراق؟

الحشد الشعبي تشكّل إثر سيطرة تنظيم الدولة على مدن عدة (الجزيرة)
الحشد الشعبي تشكّل إثر سيطرة تنظيم الدولة على مدن عدة (الجزيرة)

قبل 4 أعوام أقر مجلس النواب العراقي بالأغلبية يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 قانون هيئة الحشد الشعبي، وسط مقاطعة نواب تحالف القوى العراقية السني الذي اعتبر إقرار هذا القانون "نسفا للشراكة الوطنية".

لكن ورغم مرور سنوات على إقرار القانون، لا تزال الكثير من القوى العراقية تطالب بحل الحشد ودمج عناصره ضمن المؤسسات العسكرية الأخرى.

العقابي اعتبر أنه بعد دور الحشد في معارك التحرير كان لا بد أن يُحتضن بغطاء قانوني (الجزيرة نت)

ظروف وأسباب
الظروف التي أدت إلى تشكيل الحشد الشعبي هي الأحداث الأمنية التي مر بها العراق، وسقوط 3 محافظات ومدن أخرى على رأسها الموصل على يد تنظيم الدولة الإسلامية، بحسب عضو اللجنة القانونية النيابية حسين العقابي.

ويضيف العقابي للجزيرة نت أنه كان للحشد دور كبير في مساندة القوات الأمنية خلال تخليص المدن العراقية من تنظيم الدولة.

ويرى أن الدور الذي أداه الحشد في "معارك التحرير" كان لا بد أن يحصل عقبه على غطاء قانوني، ولا بد أن يقنن في مؤسسات الدولة، ومن ثم شُرع قانون الحشد، وصار له هيئة مستقلة.

بعد انتهاء عمليات استعادة المدن ازدادت قوة الحشد واتسع نفوذه (الجزيرة)

وجاء قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 لتنظيم عمل هذه الفصائل المسلحة، كما يقول الخبير القانوني علي التميمي.

ويوضح للجزيرة نت أن مواد القانون نصت على أن تشكيلات هيئة الحشد تتمتع بالشخصية المعنوية، وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، ويطبق عليها ما يطبق على العسكريين.

وفي السياق ذاته، يشير رئيس مركز القرار السياسي للدراسات هادي جلو مرعي إلى أن الحشد الشعبي جزء من منظومة عقائدية لمواجهة تهديدات تنظيم الدولة بعد سيطرته على مدن عراقية، وكان جزءا من مرحلة مهمة وخطرة في تاريخ العراق سياسيا وأمنيا.

مرعي يرى أن نفوذ الحشد الذي فرضه على الواقع كان أبرز أسباب إقرار قانون هيئة الحشد (الجزيرة نت)

ويتابع مرعي حديثه للجزيرة نت قائلا إن تطور الحشد الشعبي في دوره العسكري ونشاطاته وطبيعة أعداده وأجهزته الإدارية والتسليح، كلها عوامل أدت إلى أن يكون الحشد قوة على الأرض، بل قوة سياسية مؤثرة.

ويعتقد أن نفوذ الحشد وقوته وتأثيره الذي فرضه في الواقع كان أبرز أسباب إقرار قانون الحشد، لافتا إلى أن هناك قوة سياسية برلمانية حالية هي جزء من منظومة الحشد.

من جانبه يؤكد النائب عن كتلة الفتح محمد البلداوي أن الحشد الشعبي ولد من رحم وقفة الشعب العراقي بمختلف طوائفه وقومياته، حيث قدموا تضحيات عظيمة بالأرواح والأموال من أجل الدفاع عن العراق ومواجهة تنظيم الدولة.

ويضيف للجزيرة نت "تشكلت هيئة الحشد وفق القانون الذي أقره البرلمان، وجمعت هذه الألوية والفصائل وكل من شارك في الدفاع عن العراق من أبناء العشائر العراقية".

ويشير البلداوي إلى أن هيئة الحشد هيئة مستقلة تعمل تحت ظل القائد العام للقوات المسلحة لحفظ هيبة الدولة، وهي جزء من القوات المسلحة العراقية.

كوجر رأى أن إقرار قانون الحشد له أسباب وأهداف ظاهرة وأخرى خفية (مواقع التواصل)

أسباب ظاهرة وأخرى خفية
أما النائب عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني جمال كوجر فيرى أن إقرار قانون الحشد له أهداف وأسباب ظاهرة وأخرى غير ظاهرة.

ويبين للجزيرة نت أن الأسباب الظاهرة هي التي تم إدراجها في قانون الموازنة، والتي تفيد بأن يتم إكرام الذين دافعوا عن العراق، وأن يكون لهم مؤسسة ودعم يكافئ تضحياتهم، وكذلك لحصر السلاح تحت إمرة الحكومة.

وهناك أسباب أخرى تتمثل في رغبة الجهات الداعمة للفصائل المسلحة -بحسب كوجر- في تكرار تجارب نظيراتها في إيران مثل الحرس الثوري الإيراني، وكذلك في لبنان حزب الله، وفي اليمن الحوثيين.

الكبيسي اعتبر أن قانون هيئة الحشد فشل في تقنين وضع الفصائل المنضوية تحت الحشد (مواقع التواصل)

قانون مثير للجدل
ويضيف النائب كوجر أن الكتل الشيعية في البرلمان هي التي صاغت قانون الحشد، وطالبت بالتصويت عليه، لافتا إلى أن كتل المكون السني قاطعت الجلسة بالكامل، وبعض الأحزاب الكردستانية كذلك قاطعت وأبرزها الاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية.

ويلفت كوجر إلى أن تحويل الحشد إلى هيئة مستقلة كان إرادة سياسية لبعض الأطراف، رغم المعارضة الشديدة من أطراف أخرى، لأن الدستور ينص على أن القوة العسكرية الوحيدة التي يجب أن تكون هي وزارة الدفاع والتشكيلات المنضوية تحتها.

من جهته اعتبر الباحث والأكاديمي يحيى الكبيسي أن سبب رفض القوى السياسية السنية التصويت على قانون هيئة الحشد هو أن القانون ليس حقيقيا، بل عبارة عن ورقة لشرعنة الفصائل المسلحة من دون التزامات حقيقية.

ويلفت الكبيسي خلال حديثه للجزيرة نت، إلى أن قانون الحشد فيه مواد بسيطة لا تلزم هذه الفصائل من حيث ارتباطاتها أو علاقاتها.

ويتابع "عمليا فصائل الحشد لا تزال ترتبط بمرجعياتها ولا تلتزم بالأوامر التي تصدر من جهات رسمية في الدولة، وهذا إشكال لم يستطع قانون الحشد أن يعالجه".

ويشير إلى أنه على الرغم من قانون الأحزاب السياسية الذي قرر منع أي حزب يمتلك جناحا عسكريا في أن يكون جزءا من العملية السياسية في العراق، لكن هذه الفصائل اليوم لديها التمكين السياسي.

ويردف الكبيسي بالقول إن هناك عدم توازن مطلق بين قوى سياسية تمتلك السلاح وقادرة على فرض رأيها بالقوة، مقابل قوى أخرى لا تمتلك سوى الوجود السياسي، وهذا أنتج خللا كبيرا في البنية السياسية والعسكرية داخل البلاد.

أبو رغيف أكد أن القانون يمنع الحشد من التدخل في العملية السياسية (الجزيرة نت)

من جانبه تحدث الخبير الأمني فاضل أبو رغيف للجزيرة نت عن ملابسات وخلافات تخللت التصويت على قانون الحشد قبل 4 سنوات، لافتا إلى أنه خلال فترة حكم حيدر العبادي صوّت البرلمان على ثلثي القانون، لكن بقيت متعلقات تخص الهيكلية والتنظيم لهيئة الحشد.

وحول موقف القوى السياسية السنية من الحشد، يعتقد أبو رغيف أنه يجب ألا توجد مخاوف لدى هذه القوى، مستشهدا بوجود حشود من المكون السني مثل حشد الجبور وحشد اللهيب وحشد البو محل وحشد الجغايفة وغيرها.

ويستدرك بالقول إن "القوى السنية لديها مخاوف من بعض السلوكيات التي قد تبدر من بعض قيادات أو منتسبي فصائل الحشد".

في حين يرى العقابي أن اعتراض الأطراف السياسية السنية على قانون هيئة الحشد وإعطاء بُعد طائفي للمسألة، لم يكونا موفقين في حينها.

ويذكر العقابي وجود نظائر للحشد الشعبي في باقي الدول، وهناك أجهزة عسكرية خاصة أو قوات قتالية في بعض الدول العربية تحت مسميات مختلفة.

العاني: هناك استغلال واضح من قبل بعض القيادات السياسية لمؤسسة الحشد (الجزيرة نت)

مستويان للحشد
وفي سياق متصل، يرى ظافر العاني نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب العراقي أن للحشد الشعبي مستويين، أولهما مستوى المتطوعين كحركة جماهيرية، والثاني مستوى التوظيف السياسي للحشد.

ويبيّن العاني للجزيرة نت أنه لا شك في أن المتطوعين قدموا تضحيات كبيرة في مقارعة الإرهاب يوم شعروا أن تنظيم الدولة يهدد سلامة العراق ووحدته وأمن مواطنيه.

أما على المستوى السياسي فيرى العاني أن هناك استغلالا واضحا من قبل بعض القيادات السياسية لمؤسسة الحشد على صعيد التربح المالي ونهب الأموال العامة والأجندة الطائفية للبعض الذين استغلوا الحرب على الإرهاب فمارسوا أعمال تطهير وتخريب وتهجير وقتل عشوائي واسع النطاق.

وحول اعتراض القوى السنية على التصويت على قانون الحشد، يقول العاني "نحن لا نريد لمؤسسة أن تكون بديلا عن الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية النظامية خصوصا وأن الحشد بالطريقة التي عُرض بها كان واضحا أنه مغلق لطائفة وليس مفتوحا على المواطنين".

ويتابع أن ذلك أمر غير مسبوق في أي دولة لأنه سيؤدي إلى تخريب البعد الوطني في العمل المهني ويؤزم العلاقة مع المواطنين.

لم تنجح محاولة التواصل مع الناطقين باسم الحشد الشعبي أو ممثليه للإفادة بشأن دور الحشد في العراق، لكنّ مصدرا مقربا ذكر للجزيرة نت أنه بعد انتهاء المعارك القتالية اتخذت الفصائل التي تطوعت لمساندة القوات الأمنية في حربها ضد تنظيم الدولة شكلا جديدا متمثلا في هيئة الحشد.

ويضيف المصدر -الذي رفض الكشف عن اسمه- أن الأحزاب دفعت قياداتها وأفرادها إلى التطوع في صفوف الحشد، مما جعل التأثير السياسي هو الغالب على التنظيم العسكري.

البلداوي: الحشد يخضع لما تخضع له باقي القطعات العسكرية وله الحقوق نفسها (الجزيرة نت)

مطالب حل الحشد
ويرجع التميمي سبب دعوة بعض القوى إلى حل هيئة الحشد إلى وجود تشكيلات أو فصائل تدعي الارتباط بالحشد وترتكب جرائم مثل ضرب السفارات والقنصليات، والهجوم على وسائل الإعلام وحرقها، معتبرا أن هذا الخيط الفاصل بين هيئة الحشد الشعبي الرسمية وبين هذه الفصائل التي باتت مشكلة في العراق.

ويرى الخبير القانوني أن بعض الفصائل المسلحة تدعي ارتباطها بالحشد الشعبي، لكنْ ارتباطها ببعض الدول الخارجية هو المشكلة، ويلقي ذلك على القائد العام للقوات المسلحة مسؤوليات كبيرة.

ومن تلك المسؤوليات يبيّن التميمي أنها تتمثل في إنهاء وجود هذه الأجنحة المسلحة التي تمارس أعمالا تخلخل الوضع الأمني في الداخل، وكذلك عليه التحرك لدى الدول التي ترتبط بها هذه الأجنحة للحد منها وإنهائها.

وبالعودة إلى الباحث الكبيسي فهو يرى أن الحل الأفضل لواقع الحشد الذي تم طرحه منذ عام 2015 هو أن يتم قبول المؤهلين من عناصره ودمجهم في المؤسسات الأمنية، وإحالة غير المؤهلين عسكريا إلى الوظائف المدنية.

في حين يرجح مرعي أن مطالبات حل الحشد الشعبي التي تنطلق من جهات مختلفة، بعضها تعود لأسباب سياسية وأخرى لأسباب عقائدية، وثالثة لها أسباب مثل الخشية من دور الحشد وتطور تأثيره في الساحة العراقية.

هل نجح التقنين؟
حتى الآن لم تنجح وسائل ضبط السلاح أو الفصائل أو الحشد ليكون ملتزما بقرارات القائد العام للقوات المسلحة، بحسب العاني، مؤكدا أن الحشد اختط لنفسه كيانا مستقلا عن الدولة إلى حد كبير.

ويرى الكبيسي أن قانون هيئة الحشد الذي تم تمريره عام 2016 فشل في تقنين وضع الحشد، وما زالت فصائله تعمل دون الالتزام بقرارات العراق السياسية والعسكرية.

ويحثّ التميمي على ضرورة اتخاذ الدولة العراقية خطوات سريعة لإنهاء هذه الأجنحة المسلحة المرتبطة بدول خارجية، لأن نشاطاتها تهدد السلم والأمن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحدث وزير الدفاع الأميركي عن مؤشرات تخطيط إيراني ضد قواته بالعراق، وأكد الاستعداد لشن ضربات استباقية على من يستهدفها، في وقت أكدت طهران أنها لا تريد الحرب لكنها لا تخشى الدخول في صراع إن فُرض عليها. تقرير: ناصر آيت طاهر تاريخ البث: 2020/1/2

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة