الصابئة المندائيون يهجرون موطنهم ومقدساتهم في جنوب العراق.. تعرف على الأسباب

الصابئة المندائيون في العراق
الصابئة المندائيون يعتبرون جنوبي العراق موطنهم الأصلي (الجزيرة)

منذ سنوات تسجل محافظتا ذي قار وميسان (جنوبي العراق) تصاعدا ملحوظا بأعداد المهاجرين من أبناء طائفة الصابئة المندائيين إلى خارج العراق، خصوصا إلى أوروبا وأستراليا بحثا عن حياة جديدة، بعيدا عن موطنهم الأول الذي عاشوا فيه منذ آلاف السنين.

وبرغم حياتهم الاجتماعية التي تتسم بالتفاهم مع المسلمين في العراق، والعيش بسلام طوال قرون مضت حسبما يقول العديد منهم، فإن تراجع أوضاعهم الأمنية والمعيشية دفعتهم للهجرة.

لحظات الطقوس من الأرشيف (الجزيرة)جانب من الطقوس التي يقوم بها نفر من الصابئة في محافظة ذي قار (الجزيرة نت)

محنة الوطن

ظروف عدة مرت على المندائيين وأجبرتهم على الهجرة، كان آخرها ما يمر به العراق في السنوات الأخيرة بعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين من تردي الوضع الأمني والاقتصادي في البلاد، بحسب رئيس مجلس شؤون الطائفة المندائية في ذي قار، د.سامر نعيم في حديث للجزيرة نت.

وأضاف نعيم، أن كثيرا من الصابئة نزحوا في ثمانينيات القرن الماضي من جنوب العراق إلى بغداد لطلب الأمان والتمتع بالخدمات والكهرباء، وعندما سقط نظام صدام هاجر الصابئة إلى خارج العراق.

وتوقفت الهجرة خلال السنة الجارية بسبب تفشي فيروس كورونا وقيود السفر المفروضة، فيما يرغب الكثير منهم المغادرة حينما تسنح له الفرصة.

مستقبل مجهول

تعرضنا لاضطهادات نفسية ومعنوية طوال سنوات بسبب طريقة تعامل السلطات مع أبناء الطائفة، مشيرا إلى أنهم يشعرون بتمييز يجري إزاء بعض القضايا، حسب نسيم عامر وهو ناشط مندائي.

وفي حديث للجزيرة نت يقول عامر يتوزع المندائيون بشكل خاص في ميسان والناصرية والبصرة ومن ثم بأعداد أقل ببعض مناطق الفرات الأوسط، مقدرا أعداد الطائفة بنحو 15 ألفا في عموم العراق، لافتا إلى أن الكثير منهم يعيشون اليوم حياة صعبة ويبدو المستقبل أمامهم بلا ملامح.

واعتبر عامر أن هناك صورة خاطئة لدى الكثيرين بأن المندائيين أثرياء كونهم يعملون في صياغة الذهب.

وذكر أنه قبل 3 أشهر تعرض لمحاولة اغتيال وقبلها تعرض أحد أقاربه لسرقة 200 مليون دينار (180 ألف دولار)، اضطر على إثرها للهجرة، معتبرا أن الحكومة لا توفر أي ضمانات للحماية، وهو ما يضطر الكثير من أبناء الطائفة للسعي للهجرة.

وبحسب تقديرات غير رسمية، فإن ما يقارب 13 ألف مندائي قد هاجروا من محافظة ميسان منذ عام 2003 وحتى الآن، حيث خلت مدن بالكامل من الصابئة.

وتبدو الحال نفسها في قضاء سوق الشيوخ، جنوبي الناصرية بالنسبة للصابئة ومحنتهم في الهجرة، حيث يقول الباحث والمهتم في شؤون الأقليات، عبد الستار كعيد للجزيرة نت، "بعد عام 2003 ونظرا للركود الاقتصادي وارتباك الوضع الأمني العام وتعرضهم للتهديد، اضطر الكثير منهم للهجرة".

ويضيف كعيد أن أصحاب هذه الطائفة تشجعوا للنزوح من مناطقهم إلى بغداد، حيث يتوفر لهم العمل بمهنة الصياغة بشكل أفضل وتتاح لأبنائهم سبل الدراسة في المدارس والجامعات العريقة، ولكن بعد سوء الأحوال في العراق اختار الكثير منهم بعد ذلك الهجرة إلى الخارج.

مندي الصابئة في الناصية (الجزيرة)مندي (معبد) الصابئة في الناصرية (الجزيرة)

تهميش

يقول رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق الشيخ ستار الحلو، إن هناك أسبابا ذاتية وموضوعية لها صلة بالوضع العام بالبلد، إذ هو مربك ولا يشعر العراقيون بالأمان، ليس الصابئة وحدهم بل حتى الأقليات الأخرى.

وتابع الحلو حديثه للجزيرة نت، أنه تمت المطالبة أكثر من مرة بإعطاء الحقوق فيما يتعلق بالتعيينات وفي قضايا أخرى إلا أنه لم يتحقق شيء، مشيرا إلى أن زعماء الطائفة طلبوا لقاء رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لكن لم يجابوا إلى ذلك رغم مقابلتهم لرؤساء الطوائف الأخرى.

"نحن مواطنون عراقيون ولنا حقوق مثل الجميع"، كما يقول الحلو وبإمكاننا أن نكشف عن حجم التهميش الذي نتعرض له في وسائل الإعلام، ففي المناطق الجنوبية بميسان والناصرية والبصرة، برغم التعايش السلمي، لكن هناك نظرة دونية وعدم احترام للآخر، مثل اعتداء على عقار أو على أرض تابعة للصابئة.

لحظات من طقوس الصابئة من الأرشيف (الجزيرة)الصابئة يحرصون على مشاركة أطفالهم في الطقوس (الجزيرة نت)

نسيج اجتماعي

يقول مصطفى عادل -وهو من أهالي قضاء سوق الشيوخ- للجزيرة نت، إن الصابئة من أوائل من سكن المدينة ووضع أساسها وتركوا إرثا وأثرا كبيرا ولهم باع طويل في التربية والتعليم، لكن خلال السنوات القليلة لم تبق سوى 10 عوائل فقط من أصل أكثر من 100 عائلة.

ويتابع حديثه، "نمتلك علاقات طيبة مع إخوتنا الصابئة ونتبادل الزيارات في المناسبات العامة، يؤلمنا هذا الرحيل المستمر من المدينة التي اعتدنا على رؤيتهم بجانب النهر وهم يمارسون طقوسهم أو مشاهدتهم وهم يشاركوننا الأفراح والأحزان".

"منذ أن عشنا في الناصرية، ومحلة الصابئة كانت في ذهني وقلبي ولطالما عشنا معا ونحن أطفال وكبرنا سويا ولم نشعر أن ثمة فرقا بيننا"، كما يقول عقيل الإبراهيمي للجزيرة نت.

وعن سبب هجرتهم، يقول الإبراهيمي إنها ليست نتيجة مشكلة في التعايش بل لتنامي المخاوف لديهم نتيجة الانفلات الأمني وتدهور الوضع الاقتصادي، وهو ما جعلهم يخشون المستقبل.

الصابئة المندائيون في العراقالصابئة المندائيون في جنوب العراق منذ آلاف السنين (الجزيرة نت)

مغريات الهجرة

يؤكد النائب عن محافظة ذي قار ستار الجابري أن ثمة مغريات وأسبابا كثيرة دفعت الصابئة للهجرة بشكل نهائي إلى أوروبا، منها الوضع الأمني والاقتصادي، إضافة لأعمال التجارة ودخل الفرد اليومي هناك مقارنة بوضعهم داخل العراق، وبالتالي الحد من هجرتهم ستكون صعبة ما لم يتم تحقيق مثل هذه المغريات وتوفير أسباب البقاء.

وما تبقى من الصابئة -كما يقول الجابري للجزيرة نت- يعيشون بشكل آمن ويزاولون أعمالهم وطقوسهم بكل حرية، ولكن ما يخص الخدمات فالعراق بشكل عام -ومحافظة ذي قار بشكل خاص- يعاني من هذه المشكلة، وقد تضطر الفئة المتبقية إلى الهجرة أيضا، فيما لو بقيت العوامل نفسها تلك التي تتعلق بتردي الخدمات والأمن.

المصدر : الجزيرة