ميديا بارت: التحول الاستبدادي لماكرون.. الصحافة العالمية في قلق وصدمة

الشرطة الفرنسية تتصدى لحركة السترات الصفراء (الأناضول)
الشرطة الفرنسية تتصدى لحركة السترات الصفراء (الأناضول)

قال موقع ميديا بارت (Mediapart) الفرنسي إن عدة صحف أوروبية وأميركية تحدثت عن مخاطر ما تتعرض له حرية الصحافة في فرنسا جراء مشروع قانون الأمن الشامل، وأبدت قلقها من التحول اليميني والسلطوي الذي اتخذه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأوضح الموقع في مقال مشترك بين فرانسوا بوغون ويان فيليبين، أن ماكرون يودّ لو تراءى في مرآة الصحافة الأجنبية -التي يخيل إليه أن بإمكانه إغواءها بسحر الكلمة- أنه بطل إعادة تنظيم الرأسمالية وحرية التعبير، لكن تلك الصحافة لا ترى فيه سوى صورة زعيم مستبد "يصطاد الأصوات نظريا ورمزيا على أرض حزب التجمع الوطني"، بهدف إعادة الانتخاب عام 2022، لينضم بالتالي إلى مجموعة مَن كان يدّعي أنه يقف ضدهم من أمثال رئيس الوزراء الهنغاري السابق فيكتور أوربان والرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب.

وقال الكاتبان إن مشروع قانون الأمن الشامل -وفيه المادة 24 التي تجرّم نشر صور ضباط الشرطة- أدى إلى مزيد من الضرر بصورة هذا الرئيس الشاب الذي كان يبدو ليبراليا للغاية قبل عام واحد فقط، مما دفع إلى قلق العديد من الصحف الأوروبية والأميركية بشأنه.

فهذه قناة الإذاعة والتلفزيون البلجيكية الناطقة بالفرنسية، تستنكر النص "الخطير" و"الانتهاك الخطير لحقوق الصحافة"، كما يقول الكاتبان، وهذه صحيفة واشنطن بوست تردد "سخط" الصحفيين الفرنسيين و"المدافعين عن حقوق الإنسان"، بما فيهم الأمم المتحدة ومراسلون بلا حدود.

والمفارقة -كما تقول واشنطن بوست- هي أنه "في الوقت الذي يشيد فيه ماكرون ببلاده باعتبارها في طليعة المدافعين عن حرية التعبير، يدين الصحفيون الفرنسيون ما يعتبرونه اعتداء على حرية الصحافة في بلادهم".

أعضاء من اتحاد عمال الشرطة يطالبون بمزيد من الحماية (الأوروبية)

رغبة في التستر على العنف

وفي مقال آخر بنفس الصحيفة، يقول دوف ألفون مدير تحرير صحيفة ليبراسيون ورئيس التحرير السابق لصحيفة هآرتس الإسرائيلية إن "ماكرون يقدّم نفسه على أنه بطل حرية الصحافة في العالم الإسلامي"، فهو يقول في الخارج إن فرنسا لديها أفكار متفوقة ثقافيا، بدليل وجود قوانين تضمن حرية الرسوم الكاريكاتيرية والتعبير عن الرأي والتحليل والإعلام، ولكنه في فرنسا يسمح لوزرائه باقتراح قوانين تشبه تلك التي في الدول التي كان ينتقدها".

وقال الكاتبان إن الصحافة الدولية بدت مشدوهة بالمادة 24 التي أصبحت شهيرة في مشروع القانون الذي تبنته الجمعية الوطنية الفرنسية يوم الجمعة، وهي مادة -بحسب صحيفة لا ليبر بلجيك (La Libre Belgique)- تعاقب "بشدة" على نشر صور ضباط شرطة أو درك، عندما يكون الهدف هو "تقويض سلامتهم الجسدية أو العقلية"، وهو تعريف فضفاض، كما تقول صحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية.

وأوضحت صحيفة دي فولكسكرانت الهولندية (De Volkskrant) أن قانون الأمن الشامل يعمل في الاتجاهين، فهو من جهة يحد من حق المواطنين في نشر الصور، ولكنه من الجهة الأخرى يمنح الشرطة "مزيدا من الصلاحيات لاستخدام صور الطائرات المسيرة والكاميرات".

وأبدت صحيفة لا ليبر بلجيك مخاوفها من أن فرنسا ورئيسها يرغبان في "التستر على العنف الذي يرتكبه بعض ضباط الشرطة"، إذ كيف يمكن إظهار عنف الشرطة دون تصويره، كما تتساءل دي فولكس كرانت.

وتذكّر الصحف الأجنبية بحالات العنف العديدة التي مارستها الشرطة خلال مظاهرات السترات الصفراء، مما أثار "حركة استياء متنامية". وقد أكدت صحيفة إل باييس (El País) الإسبانية أن العديد من حالات عنف الشرطة "استندت إلى صور بثت على الشبكات الاجتماعية".

وفي وقت مبكر، وقبل مدة طويلة من الجدل حول قانون الأمن الشامل -كما يقول الكاتبان- أبدت صحيفة "إن آر سي هاندلسبلاد" (NRC Handelsblad) الهولندية قلقها من "الضغط المتزايد على الصحافة الفرنسية"، واستشهدت بالتهديد بالقتل الذي لاحق صحفيي شارلي إيبدو، وبخفض ترتيب فرنسا إلى المرتبة 32 في تصنيف "مراسلون بلا حدود" بسبب العنف الذي مارسته الشرطة على الصحفيين خلال مظاهرات "السترات الصفراء"، فضلا عن استدعاء أكثر من 10 صحفيين فرنسيين من قبل أجهزة المخابرات الداخلية.

صدمة وخيبة أمل

وقد صُدمت الصحافة الأوروبية -بحسب الكاتبين- من تصريحات وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين هذا الأسبوع، عندما أشار -بعد اعتقال صحفي من قناة فرنسا الثالثة في مظاهرة ضد قانون الأمن الشامل- إلى إنه ينبغي من الآن اعتماد المراسلين لتغطية الاحتجاجات، "وبالتالي لن يكون للصحفيين الحق في القيام بعملهم"، كما علقت قناة الإذاعة والتلفزيون البلجيكية بسخط.

وشدد المراسلون الأجانب في فرنسا على أن دارمانين لا يمكنه إلقاء مثل هذا الخطاب المتطرف دون موافقة ماكرون، ووجدت صحيفة دي فولكس كرانت الهولندية دليلا كافيا على ذلك في كون الرئيس لم ينبه وزيره الذي بدا كصوت الجناح المتشدد للحكومة فيما يتعلق بالأمن، كما رأت فيه إل باييس تجسيدا للتحول نحو اليمين.

وفي هذا السياق، أعربت صحيفة هاندلسبلات (Handelsblatt) الألمانية في تعليق لها بعنوان "أوروبا بحاجة إلى ماكرون 2017 لا ماكرون 2020″، عن خيبة أملها لأن "الرئيس الفرنسي تولى منصبه كمصلح منفتح، غير أنه أصبح يميل إلى الأفكار القومية على حساب بلاده".

ونبّه الكاتبان إلى أن ماكرون اليوم يجد حلفاء جددا بين خصومه القدامى الذين وصفهم "بالشعبويين"، مثل المستشار النمساوي سيباستيان كورتس الذي "كان عدوه المفضل منذ وقت ليس ببعيد"، إذ هما الآن يدعوان إلى زيادة سلطات وزراء الداخلية ويريدان إلغاء شنغن إذا لزم الأمر، وهو ما يعني أن "ماكرون في خريف 2020 يشن بالضبط الصراع الأيديولوجي الذي رفضه بشكل قاطع قبل 3 سنوات".

واستعادت صحيفة نيويورك تايمز (New York Times) الأميركية -في مقال بعنوان "ماكرون ضد الإعلام الأميركي"- اتهامات الرئيس الفرنسي لهذا الإعلام بالسعي من أجل "إضفاء الشرعية" على "الإرهاب الإسلامي" وعدم فهم العلمانية الفرنسية.

ونبّه الكاتبان إلى ما قالته هاندلسبلات من أن "كثيرين -وخاصة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي- جربوا قبل ماكرون وفشلوا، وأن ماكرون يخاطر بتجاهل التزامه بفرنسا الحديثة، وتعريض مصداقيته الأوروبية الكبيرة للخطر".

المصدر : ميديابارت

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة