مريحة وجذابة لكنها مضللة.. مقال بنيويورك تايمز ينتقد نظرية المؤامرة

المؤرخ هاراري قال إن النظرية الرئيسية للمؤامرة هي التي تزعم وجود مجموعة سرية تتحكم في العالم كله وتسيطر على جميع أحداثه (غيتي)
المؤرخ هاراري قال إن النظرية الرئيسية للمؤامرة هي التي تزعم وجود مجموعة سرية تتحكم في العالم كله وتسيطر على جميع أحداثه (غيتي)

ينتقد المؤرخ يوفال نوح هاراري نظرية المؤامرة التي تزعم أن هناك مجموعة سرية واحدة تتحكم في العالم وتسيطر على مجرياته، ويقول إنها تزيّف وعي الناس وتمنحهم شعورا وهميا بأنهم الأكثر فهما للعالم والأكثر ذكاء لإدراك تعقيداته.

ويوضح في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) أن فهم بنية "نظرية العصابة العالمية السرية" التي تتحكم في العالم كله يمكن أن يلقي الضوء على "جاذبيتها وزيفها المتأصل".

الأكثر شيوعا

ويقول إن نظريات المؤامرة تأتي في جميع الأشكال والأحجام، لكن الشكل الأكثر شيوعا هو "نظرية العصابة العالمية السرية"، وهي النظرية التي تزعم أن تحت الأحداث التي لا تعد ولا تحصى التي نراها على سطح العالم تتربص مجموعة شريرة واحدة؛ فهي قد تكون الماسونيين أو السحرة أو عبدة الشيطان، أو حتى كائنات فضائية، أو مجموعات متنوعة أخرى.

لكن الهيكل الأساسي يظل كما هو: تتحكم المجموعة تقريبا في كل ما يحدث، وفي الوقت نفسه تخفي سيطرتها هذه.

ويؤكد أن نظريات المؤامرة ليست حديثة، بل موجودة منذ آلاف السنين، حتى أن بعضها كان له تأثير كبير على التاريخ.

ويشير إلى أن نظريات العصابة العالمية تزعم أن الأحداث التي تتداول في الأخبار عبارة عن ستارة دخان مصممة ببراعة تهدف إلى خداعنا، وأن القادة المشهورين يعملون لصرف أنظارنا وانتباهنا، وهم مجرد دمى في أيدي الحكام الحقيقيين.

تفسير واحد ومباشر للأحداث

ويمكن لنظريات العصابة العالمية -كما يقول الكاتب- جذب أتباع كثيرين جزئيا؛ لأنها تقدم تفسيرا واحدا مباشرا لعدد لا يحصى من العمليات المعقدة التي تحدث بشكل متكرر في حياتنا، مثل الحروب والثورات والأزمات والأوبئة، ولكن إذا كنت تؤمن بنوع من نظرية العصابة العالمية، فأنت تستمتع بالشعور المريح بأنك تفهم كل شيء.

يوفال هاراري: إذا كنت تؤمن بنظرية العصابة العالمية فأنت تستمتع بالشعور المريح بأنك تفهم كل شيء (غيتي)

الحرب في سوريا؟ لست بحاجة إلى دراسة تاريخ الشرق الأوسط لفهم ما يحدث هناك، إنها جزء من مؤامرة كبيرة. تطور تقنية "5جي" (5G)؟ لست بحاجة لإجراء أي بحث في فيزياء موجات الراديو، إنها المؤامرة. جائحة كوفيد-19؟ لا علاقة لها بالنظم البيئية والخفافيش والفيروسات، من الواضح أنها جزء من المؤامرة!

ويشير الكاتب إلى أن المفتاح الرئيسي لنظرية العصابة العالمية يفتح كل الألغاز في العالم، ويتيح للشخص الذي يتبناها الدخول في دائرة حصرية (مجموعة الأشخاص الذين يفهمون)، ويجعله أكثر ذكاء وحكمة من الشخص العادي، بل يجعله أعلى من الطبقة الحاكمة والنخبة الفكرية من أساتذة وصحفيين وسياسيين؛ "فهو يرى ما لا يرونه، أو ما يحاولون إخفاءه".

تبسيط العالم والتاريخ

وينتقد الكاتب هذه النظريات بالقول إنها تعاني من خلل أساسي؛ فهي تفترض أن التاريخ بسيط للغاية، وفرضيتها الرئيسية هي أنه من السهل التلاعب بالعالم، إذ من الممكن لمجموعة صغيرة من الناس فهم كل شيء والتنبؤ به والتحكم فيه؛ من الحروب إلى الثورات التكنولوجية إلى الأوبئة، وعندما تطلق هذه المجموعة الصغيرة العنان لثورة سياسية، يمكنها التحكم في مسارها، وعندما تبدأ الحرب، تعرف كيف تنهيها.

ويعلق قائلا "لكن بالطبع، العالم أكثر تعقيدا"، ومن الصعب للغاية التنبؤ بالشؤون الإنسانية والتحكم فيها، حتى الشؤون الصغيرة مثل إدارة مدرسة أو مجلس محلي، أو تنظيم حفلة عيد ميلاد مفاجئة. أنت تضع خطة، وتأتي بنتائج عكسية. تحاول الاحتفاظ بسرية شيء ما، وفي اليوم التالي يتحدث الجميع عنه. أنت تتآمر مع صديق موثوق به، وفي اللحظة الحاسمة يطعنك في الظهر.

ويمضي الكاتب ليقول إن نظرية العصابة العالمية تطلب منا أن نصدق أنه من السهل التحكم في والسيطرة على مليارات البشر، في حين أن من الصعب النجاح في ذلك مع ألف شخص أو حتى 100 فقط.

أكثر الشعوب اعتقادا بالمؤامرة وأقلها

ويضيف أن هناك بالطبع العديد من المؤامرات الحقيقية في العالم؛ الأفراد والشركات والمنظمات والكنائس والفصائل والحكومات تخطط وتتابع باستمرار مؤامرات مختلفة، لكنها ليست جزءا من مؤامرة عالمية واحدة، وهذا هو بالضبط ما يجعل من الصعب التنبؤ بالعالم بأكمله والتحكم فيه.

ويقول الكاتب أيضا إن إدراك أنه لا يمكن لعصابة واحدة التحكم سرا في العالم بأسره ليس حكما دقيقا فقط، بل يمكّن أي شخص من تحديد الفصائل المتنافسة والجماعات المتحالفة في عالمنا، وهذا ما تدور حوله السياسة الحقيقية.

وأورد هاراري في مستهل مقاله نتائج استطلاع حديث شمل 26 ألف شخص في 25 دولة، وأظهر أن 37% من الأميركيين، و45% من الإيطاليين، و55% من الإسبان، و78% من النيجيريين؛ يعتقدون أن هناك "مجموعة واحدة من الأشخاص الذين يتحكمون سرا في الأحداث ويحكمون العالم معا".

المصدر : نيويورك تايمز

حول هذه القصة

نظريات المؤامرة سوف تستمر في الانتشار إلى جوار الوباء، ومع تضخُّم الحدث فإن عدد مؤيديها قد يصل في مرحلة ما إلى نقطة فارقة تتسبَّب في حالة فوضى.. ولكن هل حقا مُنظِّرو المؤامرة مجرد سذج؟

تداول نظرية المؤامرة بين أصحاب الديانات بالتحديد مقصود، وخاصة المسلمين لأنهم أقرب الطوائف لإعمال العقل بشؤونهم أكثر من غيرهم. المسلمين مستهدفين بنظرية المؤامرة في كثير من الحوادث منذ القرن الماضي.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة