إثيوبيا وإقليم تيغراي.. هكذا توالت الأحداث من التحالف إلى الحرب

الحرب بين الحكومة الفدرالية وجبهة تيغراي جاءت بعد سلسلة من التوترات بدأت نهاية العام الماضي (رويترز)

يقف المشهد في إثيوبيا على مشارف أزمة قاتمة إثر اندلاع المواجهات العسكرية بين الحكومة الفدرالية وجبهة تيغراي شمال البلاد، وبينما تعتبر إثيوبيا لاعبا إقليميا مهما في القارة السمراء يخشى مراقبون أن تؤثر هذه الأحداث على دورها في الجهود الإقليمية والدولية الساعية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

كيف بدأت الأزمة؟
وفقا للباحث في شؤون القرن الأفريقي عمر أحمد، فإن الأزمة بين الحكومة الفدرالية وجبهة تيغراي لم تكن وليدة اللحظة، مشيرا إلى أنها مرت بمنعطفات حادة ومتعددة بدأت من أبريل/نيسان 2018 حين وصل آبي أحمد للسلطة.

وبرأيه، فإن سلسلة الإجراءات التي بدأ بها آبي أحمد لتغيير الصورة الذهنية للنظام السياسي بشكل عام كانت بداية المنعطف الحاد في علاقة الطرفين، حيث كانت جبهة تيغراي أبرز المتأثرين بها، باعتبارها كانت المتنفذة داخل حزب "الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا"، وهو ائتلاف من 4 أحزاب إثنية حكم إثيوبيا منذ عام 1991.

ويشير الباحث إلى أن أول المنعطفات الحادة بين الطرفين كان في ديسمبر/كانون الأول 2019 عندما قرر آبي أحمد وفي سياق التغييرات التي بدأها دمج الأحزاب المشكلة للائتلاف الحاكم في حزب واحد تحت مسمى "حزب الازدهار"، وهي الخطوة التي رفضتها جبهة تيغراي.

ويلفت إلى أن تشكيل الحزب الجديد على أنقاض "الائتلاف الحاكم" -الذي تم شطبه رسميا من قائمة الأحزاب المسجلة- قد أفقد جبهة تيغراي آخر ما تبقى لها من نفوذ في الحكومة الفدرالية.

Ethiopia demonetizes banknotes to salvage economyإلغاء الجبهة الثورية وتشكيل حزب الازدهار كانا بداية الطلاق بين آبي أحمد وجبهة تيغراي (وكالة الأناضول)

ما هو حزب الازدهار؟
حزب الازدهار الحاكم الجديد في إثيوبيا هو نتيجة اندماج 8 أحزاب إثنية، 3 منها كانت أحزابا ضمن ائتلاف "الجبهة الثورية لشعوب إثيوبيا" الحاكم سابقا، وهي حزب أورومو الديمقراطي، وحزب شعوب جنوب إثيوبيا الديمقراطي، وحزب أمهرا الديمقراطي.

كما اندمجت معها 5 أحزاب أخرى، وهي الأحزاب الحاكمة في الأقاليم الإثيوبية، وكانت تسمى أحزاب الموالاة، وهي حزب تجمع هرر الوطني، وحركة غامبيلا الديمقراطية، والحزب الوطني العفري الديمقراطي، والحزب الصومالي الديمقراطي، وحزب بني شنقول غوماز الديمقراطي.

كيف تحكم إثيوبيا؟
تحكم الأحزاب في إثيوبيا عبر نظام "الفدرالية الإثنية" الذي تم النص عليه دستوريا عام 1994، وهو الدستور الذي قسم إثيوبيا إلى 10 أقاليم، وهي أوروميا، الصومال، هرر، غامبيلا، بني شنقول، أمهرا، عفر، تيغراي، جنوب إثيوبيا، وسيداما، بالإضافة إلى مدينتين تتبعان للحكومة الفدرالية وهما العاصمة أديس أبابا وديرداو، فيما يتمتع كل إقليم بحكم ذاتي وبأغلب خصائص الدولة المصغرة، مع تنازل عن جزء من السيادة لصالح الحكومة الفدرالية.

الخلاف الأخير
يقول المحلل السياسي أندو ألم سيساي إنه منذ تأسيس حزب الازدهار وفقدان جبهة تيغراي نفوذها في الحكومة الفدرالية بدأت العلاقة بينها وبين المركز تتضاءل، وبات الإقليم يتحول شيئا فشيئا بحكم تراكم الإجراءات إلى ما يشبه الكيان المستقل دونما علاقة طبيعية مع الحكومة الفدرالية.

وبرأيه، فإن هذا التحول بلغ ذروته عندما قرر الإقليم إقامة الانتخابات بشكل منفرد في سبتمبر/أيلول الماضي رغم قرار الحكومة الفدرالية تأجيل الانتخابات في كافة الأقاليم بسبب جائحة كورونا.

وأوضح سيساي أن هذا الخلاف شكل منعطفا حادا في العلاقة بين الطرفين زاد من تصعيده إعلان جبهة تيغراي إلغاء اعترافها بالحكومة الفدرالية، باعتبار أن ولايتها انتهت في 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وعليه فإن الإقليم لن يمتثل لأي توجيهات تسنها الحكومة الفدرالية.

ويشير إلى أن هذه الخطوة قابلتها أديس أبابا بالمثل، حيث أعلن البرلمان الإثيوبي أن الانتخابات التي أقيمت في تيغراي غير دستورية، وأن الحكومة التي تمخضت عنها غير شرعية، وقرر البرلمان قطع كافة علاقات الحكومة الفدرالية مع إقليم تيغراي.

Members of Amhara region militias ride on their truck as they head to face the Tigray People's Liberation Front in Sanjaالمواجهات بدأت برفض تيغراي الاعتراف بتغييرات قادة القاعدة الشمالية ومحاولة الاستيلاء عليها (رويترز)

شرارة المواجهات العسكرية
لكن المنعطف الحاد والخطير بدأ عندما أعلن الجيش الفدرالي في 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي -وضمن قراراته الدورية المتعلقة بالمهام العملياتية وتبديل القيادات وتحركات القوات المسلحة- تغييرات لقادة عدد من القواعد العسكرية، وكان من ضمنها القاعدة الشمالية الواقعة في إقليم تيغراي، وهي واحدة من 4 قواعد تتوزع في أرجاء إثيوبيا وتعتبر الأكبر والأهم، حيث تتمركز فيها أعداد كبيرة من المدرعات والأسلحة الثقيلة باعتبار أن تلك القاعدة كانت على مدى عقدين منطلق الحروب التي خاضتها إثيوبيا ضد إريتريا.

ولم يرق قرار تغيير قادة القاعدة الشمالية لجبهة تيغراي التي أصدرت في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بيانا أعلنت فيه رفضها له بمبرر عدم اعترافها بالحكومة الفدرالية، وبالتالي عدم امتثالها لقراراتها.

واتهم بيان الجبهة الجيش الفدرالي بأنه انحرف عن مهمته الدستورية وأصبح أداة لتنفيذ المصالح الضيقة للحزب الحاكم.

كما منعت الجبهة الجنرال جمال محمد -الذي تم تعيينه قائدا جديدا للقاعدة الشمالية- من دخول مطار مدينة مقلي عاصمة الإقليم، بعد أن وصل الإقليم لاستلام مهامه، قبل أن تجبره على العودة على نفس الطائرة.

الجيش يدخل على الخط
بعدها بأيام، وتحديدا في 31 أكتوبر/تشرين الأول أصدر الجيش الفدرالي بيانا مطولا أوضح فيه أنه مؤسسة وطنية ومهنية بعيدة عن أي تحزبات، ولا يخضع لأي مجموعة سياسة، وأن ما صدر عنه من قرارات تتعلق بالمهام العملياتية هو جزء من مهامه المنوطة به دستوريا للحفاظ على أمن وسلامة الوطن والشعب.

واعتبر الجيش أن ما سماه تشويه سمعته "يعتبر انتهاكا صارخا وغير مقبول"، وطالب جبهة تيغراي بتصحيح هذا الخطأ وتقديم اعتذار.

بدوره، يقول الباحث في الشأن الإثيوبي تادسي مكنن إن جبهة تيغراي استشعرت على ما يبدو الخطر من بيان الجيش الفدرالي، فقامت في الرابع من الشهر الجاري بخطوة استباقية، وحاولت الاستيلاء على القاعدة الشمالية بمساعدة منشقين من الداخل بهدف تحييد القاعدة ومصادرة أسلحتها.

وبموجب هذا التطور، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي بدء المواجهات العسكرية بشكل رسمي ضد الجبهة، بعد أن اتهم الجبهة بتجاوز "الخطوط الحمراء".

الجيش الإثيوبي بدأ حملة عسكرية ضد جبهة تيغراي التي ظلت الطرف الأقوى في حكم البلاد حتى عام 2018 (الفرنسية)

تغييرات بالقيادات الأمنية
وتزامنا مع بدء المواجهات العسكرية أصدر آبي أحمد عددا من القرارات، من ضمنها إعلان حالة الطوارئ في إقليم تيغراي لمدة 6 أشهر، والذي يخول الحكومة الفدرالية صلاحيات عدة، منها فرض حظر التجول والطيران، وإيقاف المواصلات ووسائل الاتصال، كما كان من ضمن القرارات إعادة 4 جنرالات متقاعدين إلى الخدمة العسكرية.

وأوضح مكنن أن القاسم المشترك بين هؤلاء الجنرالات هو أنهم سبق أن خدموا في إقليم تيغراي وفي القاعدة الشمالية تحديدا، ويتوقع أن يكون هدف استدعائهم هو لإحلالهم مكان آخرين ممن انشقوا أو تم إعفاؤهم.

وفي سياق القرارات، قام آبي أحمد في الثامن من الشهر الجاري باستبدال كافة قيادات القطاعات الأمنية، كالجيش وجهاز الأمن والاستخبارات والشرطة الفدرالية، وهو الأمر الذي وصفه تادسي مكنن بالتغيير الشامل.

وأشار إلى أن كافة القادة الجدد الذين تم تعيينهم هم من الحلفاء الموثوقين والمقربين لآبي أحمد، وأن قيام الأخير بهذه التغييرات يأتي وسط مخاوف متزايدة من احتمال تصعيد المواجهة العسكرية بين الحكومة الفدرالية وجبهة تيغراي.

المصدر : الجزيرة