نيويورك تايمز: هل تشير هزيمة ترامب إلى بداية اضمحلال الشعبوية؟

من اليمين إلى اليسار: جايير بولسونارو رئيس البرازيل، وفيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، ومارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي (الجزيرة)
من اليمين إلى اليسار: جايير بولسونارو رئيس البرازيل، وفيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، ومارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي (الجزيرة)

عندما التحق رئيس الوزراء المجري "الشعبوي" -فيكتور أوربان- أخيرا بركب الزعماء الأجانب المهنئين لجو بايدن لم ينتبه إلى أن الرئيس الأميركي المنتخب حديثا قد ألحق الهزيمة بصديقه الرئيس دونالد ترامب.

ووصفت صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) تلك الواقعة بأنها تمثل فشلا ذريعا لأوربان الذي قالت إنه لا يزال في طور التأقلم مع هزيمة "حامل لواء الشعبوية في البيت الأبيض"، في إشارة إلى خسارة ترامب انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي.

وكان الزعيم المجري قد أقرّ في وقت سابق بأنه يفضّل فوز ترامب في الانتخابات معتبرا ذلك بمنزلة "الخطة (أ)" بالنسبة له، ولم تكن لديه خطة بديلة أو "الخطة (ب)"، وفقا للصحيفة الأميركية.

مصير الشعبوية غامض

وبما أن خسارة ترامب تُعد "هزيمة موجعة" لحلفائه الشعبويين، فإن تبعاتها بالنسبة للشعبوية باعتبارها حركة سياسية عالمية يكتنفها الغموض. ذلك أن ترامب رغم كل شيء حصل على أصوات أكثر من أي مرشح للرئاسة في التاريخ الأميركي ما عدا بايدن، الأمر الذي يقف شاهدا على مدى جاذبية رسالته الشعبوية ورسوخها.

ووفقا للتقرير الذي أعده رئيس مكتب نيويورك تايمز في لندن -مارك لاندلير- ومراسلتها في برلين ميليسا إيدي، فإن المظالم السياسية والمتاعب الاقتصادية والاجتماعية التي غذّت الحركات الشعبوية ونزعات كره الأجانب في العديد من الدول لا تزال حية، وربما أذكت جذوتها الأضرار الناجمة عن جائحة فيروس كورونا المستجد.

وما انفكّت مواقع التواصل الاجتماعي تنشر الأفكار الشعبوية المضمرة في الغالب تحت رداء نظريات المؤامرة بهدف إثارة الشكوك بشأن الحقائق العلمية وراء تفشّي الفيروس أو مشروعية العملية الانتخابية التي أسفرت عن خسارة ترامب.

لا بد من توخّي الحذر

ونقلت الصحيفة عن تيموثي غارتون آش أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة أوكسفورد وصفه الانتخابات الأميركية الأخيرة بأنها "ربما الأهم في حياتنا"، لكنه استدرك قائلا إنه يتوخى الحذر الشديد إزاء تقلب مزاج الناخبين واعتقادهم بأن الشعبوية قد انتهت.

ويعتقد آش بخطأ التقلبات المزاجية الحادة التي اكتنفت الانتخابات الأميركية الأخيرة خاصة بعد معرفة أن أكثر من 70 مليون ناخب صوّتوا لترامب.

ومن المحتمل أن يعمد بعض القادة الشعبويين إلى استغلال الآثار الناجمة عن جائحة كورونا –مثل البطالة المزمنة والشعور بعدم الأمان وارتفاع الدين العام والتوترات العرقية- حتى لو كانوا هم أنفسهم من تسبب في تفاقم المشكلات بتقليلهم من خطورة الفيروس وتسييس استجابة إدارات الصحة العامة للوباء.

وقد حاول بعضهم الالتفاف سريعا نحو الواقع السياسي الذي استجدّ بعد إعلان فوز جو بايدن. وضربت الصحيفة مثلا على ذلك برد فعل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي اتصل هاتفيا بالرئيس المنتخب الثلاثاء ليبلغه تطلعه إلى العمل مع الولايات المتحدة بشأن "أولوياتنا المشتركة، من التصدي للتغير المناخي إلى تعزيز الديمقراطية والنهوض بعد جائحة فيروس كورونا".

نيويورك تايمز: بوريس جونسون حاول الالتفاف سريعا نحو الواقع السياسي الذي استجدّ بعد إعلان فوز بايدن (رويترز)

جذور مختلفة

ورغم كل ما يقال عن اكتساح الموجة الشعبوية للعالم عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2016 وانتخاب ترامب رئيسا بعد 5 أشهر من ذلك، فإن الخبراء يشيرون إلى أن الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة في ألمانيا ودول أوروبية أخرى كانت لها دوما جذورها المتميزة التي سبقت التنوع الأنجلو-أميركي.

وتفاوتت تلك الحركات في قوتها وضعفها بمنأى عن ترامب وشعبويته، على حد تعبير نيويورك تايمز. ففي فرنسا، تلقّت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان هزيمة ساحقة على يد (الرئيس الحالي) إيمانويل ماكرون في عام 2017، في وقت بلغ فيه ترامب ذروة نجاحه.

غير أن استطلاعات الرأي اليوم تشير إلى أن لوبان تتأهب للعودة في الانتخابات المزمع إجراؤها عام 2022، في حين أن ماكرون تحاصره الجائحة ولم يعد يتمتع بشعبية كبيرة.

وفي إيطاليا، بنَت الأحزاب اليمينية المتطرفة قاعدتها السياسية بمناهضتها الهجرة القادمة إلى القارّة من الجنوب، وهي ظاهرة سبقت وصول ترامب إلى سدّة الحكم وستدوم أطول من مدة رئاسته.

ويقول فابريزيو تونيللو أستاذ العلوم السياسية بجامعة بادوا، إن ترامب منح تلك الأحزاب شرعية، غير أن سلوك الرئيس الأميركي "غير المهادن"، وطريقة الانتخابات القائمة على أن الرابح يحصل على كل شيء لم يكن لها نفوذ كبير في السياسة الإيطالية "الفوضوية" التي تعتمد على الصفقات والتسويات.

أما في ألمانيا فإن إرث ترامب "المعقد" كان واضحا عندما استبدّت الحيرة بحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني في كيفية التعامل مع فوز بايدن.

مغادرة ترامب لها تأثيرها

ويزعم أندراس بيرو ناغي -الباحث بمعهد الحلول السياسية (Policy Solutions) في بودابست- أن مغادرة ترامب البيت الأبيض ستجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وبقية الشعبويين في أوروبا الشرقية.

لكن ناغي -كما تشير نيويورك تايمز- يتساءل عما إذا كان جو بايدن سينجح في دفع أولئك الزعماء إلى تغيير مواقفهم. ويقول في هذا الصدد إن "الأيام السهلة بالنسبة لزعماء من شاكلة أوربان قد ولّت، وإن التحدي الأكبر يتمثل في أنهم سيتعرضون لضغوط أكثر كما سيتعين عليهم إيلاء السياسات التي لم تخضع للرقابة والمراجعة طوال الأعوام الأربعة الماضية مزيدا من الاهتمام".

وتخلص الصحيفة إلى القول إن الأهمية البالغة لهزيمة ترامب -في نظر بعض الخبراء- لا تكمن فيما إذا كانت ستحدث تغييرا في الشعبويين، بل ما إذا كانت ستجعل مناوئيهم أكثر جرأة.

 

المصدر : نيويورك تايمز

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة