47 عاما على حرب أكتوبر.. من النصر على العدو إلى الهرولة إليه

الرئيس المصريمحمد السادات يتوسط قادة الجيش خلال حرب أكتوبر 1973 الصحافة المصرية
الرئيس الراحل أنور السادات يتوسط قادة الجيش المصري خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 (الصحافة المصرية)

لست سنوات حمل الجندي المصري هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967 على كتفيه، توجعه جراحها، وفي نفس الوقت تثقله بضرورة الإعداد لملحمة عبور تستعيد الهيبة، وتجتاز خط بارليف، وتتقدم إلى عمق سيناء المحتلة، وهو ما بدأ تحقيقه عندما انطلقت حرب أكتوبر/تشرين الأول عند الثانية من بعد ظهر 6 أكتوبر/تشرين الأول عام 1973.

نسجت حرب أكتوبر/تشرين الأول خيوطا متماسكة لآلاف من قصص البطولة والتضحية لأجل استرداد الأرض، ما زالت حتى الآن تتكشف أمام أجيال جديدة لم تشهد المعارك؛ لكنها باتت تعاصر مفاهيم جديدة للسلام والعداء.

وتجيء الذكرى 47 لبدء الحرب في ظل تحولات إقليمية شديدة الانحراف عن الوضع الذي كان سائدا وقت اندلاع معارك التحرير، تلك التحولات التي جعلت العدو يتحول إلى حليف بينما الشقيق يصبح في غمضة عين عدوا.

وعلى ذلك يبدو الاحتفاء بذكرى النصر الذي تحقق قبل قرابة النصف قرن، أمرا مثيرا للتساؤل حول ماهية العدو وحدود السلام التي تضمن وقف نزيف الدماء، وفي نفس الوقت لا تميع حقائق التاريخ ولا تبخس الدماء التي سقطت في حروب الهزيمة قبل الانتصار.

سلام اضطراري

خلال افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان المصري، في نوفمبر/تشرين الثاني 1977، قال الرئيس الراحل أنور السادات "ستُدهش إسرائيل، حينما تسمعني الآن أقول أمامكم، إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته"، صفق الحضور وقتئذ من باب الاعتياد على الحماسة لكل ما يجيء في خطابات الرؤساء، غير أن أحدا لم يصدق أن الرجل يقصد فعلا الذهاب لإسرائيل.

في مذكراته يقول وزير الخارجية آنذاك، إسماعيل فهمي، إن الرئيس رأى في السلام وسيلة لحقن دماء أبنائه من الجنود.

وذهب الرئيس المصري إلى إسرائيل ثم الولايات المتحدة الأميركية للتوقيع على وثيقة كامب ديفيد، في سبتمبر/أيلول 1978، وهي الممهدة لمعاهدة السلام، التي وقعت في مارس/آذار 1979، وبموجبها بدأ انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من سيناء، كما بدأت في الوقت نفسه مرحلة جديدة في التعامل مع العدو.

وبعد عامين فقط من معاهدة السلام، وبينما كان السادات يحضر عرضا عسكريا احتفالا بالذكرى 8 لنصر أكتوبر/تشرين الأول عام 1981، تعرض للاغتيال على يد عدد من أفراد الجيش المصري، قالوا خلال التحقيقات معهم لاحقا إن إبرام معاهدة سلام مع العدو الصهيوني كان من أهم أسباب قتلهم للرئيس.

سلام بارد

رغم السلام الرسمي بين الطرفين؛ إلا أن المصريين على المستوى المؤسسي والشعبي اتجهوا إلى وضع العلاقة مع الكيان الصهوني داخل ثلاجة الموتى.

يقول تقرير حول السلام بين مصر وإسرائيل أعده معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2013، إن مصر أدارت علاقاتها مع إسرائيل باستخدام صيغة تقييدية يُشار إليها في الغالب بمصطلح "السلام البارد".

وهكذا، خلال ما تبقى من حكم الرئيس السادات ثم خليفته حسني مبارك، بدأ القطاع العام الضخم في مصر حملة مقاطعة شاملة، تمثلت في منع الشركات الإسرائيلية من الفوز بمناقصات، فيما فرضت العديد من النقابات ولجان مقاومة التطبيع قيودا صارمة على تطور العلاقات الثنائية، إلى جانب الإعلام والإنتاج الفني الذي ظل يعتبر إسرائيل بمثابة العدو الأول.

شهدت مصر في عهد السيسي انفتاحا على إسرائيل لم يسبق له مثيللافتة تم رفعها في وقفة تضامنية للصحفيين مع القدس (الجزيرة)

وذكر تقرير معهد واشنطن أن جهود توسيع نطاق الأشكال المختلفة للتعاون غير العسكري بين القاهرة وتل أبيب مُنيت دائما بالفشل، بما في ذلك الاتفاق الذي وُقع عام 2005 لتصدير الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل، حيث تعرض خط الأنابيب للتخريب 14 مرة من قبل بدو سيناء.

أما المجال الذي سار بخطى ثابتة على طريق التطبيع بين الطرفين فهو الزراعة، في ظل تولي يوسف والي وزارة الزراعة المصرية في ثمانينيات القرن الماضي؛ لكن هاجمته الأكثرية واعتبرته مخططا لتدمير الزراعة المصرية من خلال المبيدات المسرطنة ومحو السلالات الجيدة للقطن والقمح المصريين.

​​​​​إلى جانب ذلك وقعت القاهرة، في ديسمبر/كانون الأول 2004، اتفاقية الكويز التجارية مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي تسمح للشركات المصرية التي تستخدم مكونات إسرائيلية في التصنيع بتصدير منتجاتها إلى واشنطن مع إعفاء من دفع رسوم الجمارك.

تكالب على إسرائيل

وقت أن اتخذت مصر طريق السلام في سبعينيات القرن الماضي، واجهت رفضا عربيا قاطعا نتج عنه فرض مقاطعة اقتصادية عليها، وتجميد عضويتها بجامعة الدول العربية، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس.

وعلى ذلك ولسنوات طويلة ظلت مصر موصومة من قبل العرب بجريمة التطبيع مع الكيان الصهيوني والتخلي عن النضال المسلح، وباتت السخرية من القاهرة التي زهدت الحروب أمرا عاديا في الشارع العربي.

ولأن الحياة دائما ما تتحفنا بتحولات درامية شديدة الغرابة، استقل العرب قاطرة التطبيع؛ بل إنهم تكالبوا على إسرائيل بطرق لا تدعو للسخرية بقدر ما تشكك في إيمان البعض بمفاهيم الإنسانية.

فبهمة منقطعة النظير ودونما أي خجل، بدأت عواصم عربية لا تمتلك حدودا متنازعا عليها مع إسرائيل، ولم تخض حربا واحدة ضدها في الإعلان عن اتفاقيات سلام.

شهدت مصر في عهد السيسي انفتاحا على إسرائيل لم يسبق له مثيل(الجزيرة)

فبخلاف الأردن التي أعلنت السلام مع إسرائيل عام 1994 في ظروف تبدو مشابهة للنهج المصري، أعلنت الإمارات العربية المتحدة في أغسطس/آب الماضي، عن تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

والأمر مع أبو ظبي لا يتوقف عند حدود التطبيع الدبلوماسي، حيث أعلنت أنه سيمتد إلى مجموعة واسعة من المجالات مثل السياحة والتعليم والرعاية الصحية والتجارة والأمن.

وفي مشاهد مثيرة للتساؤل حول مدى اضطرار أبو ظبي لفعل ذلك، نقلت وسائل إعلامية أخبارا عن رفع مواطنين إماراتيين من بينهم أطفال العلم الاسرائيلي احتفلا بالتطبيع إلى جانب انتشار أغان على مواقع التواصل الاجتماعي تستعجل الذهاب إلى تل أبيب، وبالتزامن مع ذلك تفاعل مواطنون خليجيون مع وسم "فلسطين ليست قضيتي" على موقعي فيسبوك وتويتر.

ولحقت بالإمارات دولة البحرين التي يبدو أن التنسيق الأمني مع إسرائيل في مواجهة الخطر الإيراني هو الملف الأهم لديها، لنرى ممثلي الدولتين -الإمارات والبحرين- في سبتمبر/أيلول الماضي، يتبادلان التهاني في واشنطن مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال توقيع ما سمي باتفاق "إبراهام" للسلام.

وبلغ الأمر مداه مع السودان، حيث قال نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، محمد حمدان دقلو، إن من مصلحة بلاده إقامة علاقات مع إسرائيل، مضيفا في مقابلة تليفزيونية "إن إسرائيل متطورة، ونحن عايزين نشوف مصلحتنا وين".

مصر هي الأخرى تغير الحال بها، ففي عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، الذي على عكس أسلافه لم يخض حربا ضد إسرائيل، شهدت السنوات الماضية انفتاحا على إسرائيل لم يتصور من عاصروا العهدين السابقين أن يصل إلى هذا الحد.

ففي يناير/كانون الثاني 2019، أكد السيسي في مقابلة مع قناة "سي بي إس" (CBS) الأميركية، أن العلاقات بين مصر وإسرائيل هي الأمتن منذ بدئها بين البلدين، وأن هناك تعاونا بينهما في مجالات شتى.

وأضاف أن الجيش المصري يعمل مع إسرائيل ضد "الإرهابيين" في شمال سيناء.

وهكذا فإن إسرائيل، بعد انسحابها من سيناء مهزومة في الحرب التي وقعت قبل 47 عاما، عادت إليها لتحارب مع الجيش المصري شبح التطرف والإرهاب، ورُفع علمها في أبو ظبي، وباتت تشارك المنامة في حفظ أمنها، كما أنها تفاوض الخرطوم على ثمن التطبيع، وما يزال القوس مفتوحا للإعلان خلال الفترة القادمة عن دول عربية أخرى تستقل قاطرة السلام منزوع الإرادة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

منذ حرب أكتوبر.. كيف تبدلت صورة الجيش المصري في عيون المصريين؟

تغير كبير طرأ على صورة الجيش المصري في عيون المصريين منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي حققق فيها نصر مأمولا، ويصبح حامي حمى الوطن؛ وبين صورته الحالية، التي لحقها الكثير من الإهانة بعد أن انشغل بتجارة الأسماك والخضار. تقرير: وليد العطار تاريخ البث: 2019/10/6

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة