ابتزاز السيسي رجال الأعمال.. هل يهدئ غضب الشارع المصري؟

الحراك في مصر
مصريون غاضبون في مظاهرات "20 سبتمبر" المستمرة منذ نحو أسبوعين (الجزيرة)

في مواجهة حراك الشارع واحتقانه، لا تخلو جعبة النظام المصري من أساليب ووسائل لتخفيف حدته، والعمل على وأده في مهده خوفا من تفاقمه واتساع دائرة تأثيره، ومن ثم ارتفاع كلفة معالجته لاحقا، مما قد يفقده جانبا من مكتسباته التي راكمها منذ الانقلاب العسكري.

ومنذ نحو أسبوعين، تستمر مظاهرات معارضة للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي ونظامه في الخروج بعدد من محافظات مصر وقراها، تلبية لدعوة من الممثل والمقاول المصري محمد علي، في تشابه لاحتجاجات 20 سبتمبر/أيلول من السنة الماضية.

وجاءت تلك الدعوة متزامنة مع غضب كبير لدى المصريين جراء المبالغة في غرامات مالية تفرضها السلطة على المواطنين في صورة رسوم للتصالح في مخالفات البناء لتجنب هدم المنازل، وهو الأمر الذي مثّل سببا رئيسيا في تصاعد الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وسريعا، تنقل النظام بين أساليب المواجهة التي اعتادها على مدار سنواته السبع؛ بين إنكار وجود تلك المظاهرات، ثم حملات التخويف عبر انتشار أمني مكثف، مرورا باتهام المشاركين في تلك المظاهرات بأنهم "خونة مأجورون"، ثم اعتقال المئات منهم، وكذلك اللجوء إلى الحشد المضاد سعيا لإرباك المشهد.

ومع ضغط المظاهرات على نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعلنت الحكومة التراجع عن تلك القرارات بطرق غير مباشرة، سواء عبر تمديد مهلة التصالح، أو تخفيض الغرامات، فضلا عن السماح المشروط بالبناء مرة أخرى، رغم قرار السيسي وقف أعمال البناء لمدة 6 شهور.

وضمن وسائل المواجهة التي لجأ إليها النظام مؤخرا، مطالبة رجال أعمال ورموز سياسية ومجتمعية مقتدرة ماليا من مؤيديه بالإعلان عن التبرع بسداد رسوم التصالح عن آلاف الأسر الفقيرة، بدعوى "الإيمان بمسؤولياتهم المجتمعية، والانطلاق من دورهم الخيري"، في شكل اعتبره مراقبون "ابتزازا" متكررا من قبل النظام تجاه مؤيديه الميسورين.

تعليمات ومبادرات

وفي هذا السياق، ذكرت تقارير إعلامية ما يفيد تلقي رجال أعمال وبرلمانيين بارزين تعليمات من رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، تطالبهم بإعلان تطوعهم بسداد رسوم التصالح عن أسر محتاجة، بهدف التخفيف من حدة احتقان الشارع، وذلك على غرار ما حدث سابقا في أوائل عهد السيسي بإلزامهم بالتبرع لصندوق "تحيا مصر".

إعلان

وفي تجاوب مع تلك المطالب، أعلنت مجموعة طلعت مصطفى القابضة تبرعها بسداد قيمة التصالح في مخالفات البناء لـ5 آلاف أسرة، "في سبيل رفع الأعباء الاقتصادية عن كاهل المواطنين"، كما أعلن حزب "مستقبل وطن" تحمله رسوم التصالح لعدد 27 ألف حالة، تحت دعوى "الانطلاق من المسؤولية الوطنية تجاه محدودي الدخل".

هذا الأسلوب أرجعه مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية ممدوح المنير إلى محاولة النظام الحفاظ على كبرياء رئيسه عبد الفتاح السيسي، حيث لا يبدو متراجعا عن قرارات مست المواطنين تحت ضغط مظاهراتهم ولجوئهم للشارع، فلجأ إلى "ابتزاز" رجال الأعمال والأغنياء من داعميه الحريصين على استمراره.

ويرى المنير في حديثه للجزيرة نت أن حجم التجاوب مع هذه المطالب من قبل رجال الأعمال والمؤسسات المعنية بالأمر تحدده درجة الولاء للنظام لديهم، وما يملكه من أدوات ضغط تساعده على إجبارهم على تنفيذ هذا المطلب، وربما تختلف من شخص لآخر.

لكن المنير لا يتوقع أثرا ملموسا لهذا الأسلوب في التخفيف من حدة الاحتقان، ذاهبا إلى أنه سيتصاعد مع الوقت، وأرجع ذلك إلى أن مشكلة الشارع مع النظام تجاوزت إشكالية قانون التصالح إلى رفض ممارساته السياسية الاقتصادية.

استثمار سياسي

الصحفي المتخصص في السياسات الاقتصادية إبراهيم الطاير وصف هذه المنهجية المتبعة من قبل النظام المصري "بالاستثمار السياسي"، وطرفاها بشكل أساسي النظام والمستثمرون وأصحاب المال ممن يصب استمرار النظام في مصلحتهم، ويضمن استمرار مكتسباتهم الاقتصادية، ومن ثم فكلاهما بحاجة للآخر.

ويلفت الطاير في حديثه للجزيرة نت إلى أنه وبعد خروج المظاهرات الأخيرة واتساع رقعتها، تزايدت معدلات الخوف والقلق لدى الطرفين، مما دفع إلى هذه الوسيلة لامتصاص الغضب، التي اعتبرها البعض تأتي في إطار "ابتزاز" رجال المال من قبل النظام، في حين يراها آخرون أسلوبا ارتضاه الطرفان، وهما على قناعة بضرورته وجدواه.

ويتفق الطاير مع المنير في أن أبرز أهداف هذا المسار هو حفظ ماء وجه النظام، كي لا يظهر في صورة المتراجع عن القرار، مشككا في الوقت ذاته في تحقيق هدفه المرجو بتخفيف حدة الغضب، حيث لن تستوعب هذه المشاركات نسبة مؤثرة من المتضررين من قانون التصالح.

ويرى أن هذا الأسلوب من شأنه أن يورط المستفيدين منه لا أن يساعدهم؛ فالمساهمة المنتظرة محصورة في دفع مبلغ جدية التصالح، الذي لا يتجاوز 25% من قيمة رسوم التصالح الإجمالية، غير أن المواطن سيتورط في أقساط باق المبلغ، التي ستزيد أعباءه بالفوائد المقررة لاحقا.

ويشير الصحفي الاقتصادي إلى أنه حتى في حال حقق النظام قدرا من التهدئة بسبب هذا الأسلوب، فإن النتيجة هي ترحيل المشكلة وليس معالجتها، والتي لن تتحقق إلا بتقديم تنازل حقيقي من قبل النظام، عبر إلغاء تلك الرسوم أو تخفيضها بشكل مؤثر.

تداعيات أخرى

كما حذر الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي عمرو خليفة من أن أحد تداعيات هذا الأسلوب والكشف عن دور النظام فيه، هو هروب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، لافتا إلى أن مصر شهدت خروج 8 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية خلال العام المالي الجاري.

إعلان

ويشير خليفة في حديثه للجزيرة نت إلى أن نظام السيسي فرض أكثر من 6 قرارات خلال الشهرين الماضيين، جميعها تستهدف مقدرات المواطنين وأموالهم، منها "خفض وزن رغيف الخبز، ورفع أسعار تذاكر المترو، وضريبة دمغة الهاتف، وزيادة أسعار الكهرباء"، إلى جانب تفعيل قانون التصالح، مما زاد معاناة الشارع ودفعه للخروج والغضب.

ومع توقعه أن تخفف هذه المساهمات من قبل رجال الأعمال بعض الضغوط عن كاهل الفقراء، فإن الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب يستبعد أن تخفف حدة احتقان الشارع المترتب على قانون التصالح، بل ربما أدت إلى العكس.

ويبرر ذلك في حديثه للجزيرة نت بأن تلك المساهمات لن تغطي إلا نسبة ضئيلة من متضرري رسوم التصالح، في ظل زيادة نسبة الفقر بالبلاد على 35%، لافتا إلى أن ذلك ربما يولد الكثير من الأحقاد، ويعيد للأذهان تصرفات الحزب الوطني في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، بتمييز أسر التابعين والمؤيدين له.

المصدر: الجزيرة

إعلان