استسلام أم استعداد.. ما سر الهدوء المصري أمام سد النهضة؟

السيسي (يمين) خلال لقاء سابق مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة (رويترز)
السيسي (يمين) خلال لقاء سابق مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة (رويترز)

عند ترتيب أولويات الأمن القومي المصري ستكون مياه نهر النيل على رأس تلك القائمة في كل الأحوال، خاصة مع أي تهديد لمصدر المياه الوحيد في البلاد، وهو التهديد الذي تواجهه مصر حاليا بسبب سد النهضة الإثيوبي.

لكن المتابع لأولويات السلطات المصرية مؤخرا، ومن ورائها وسائل الإعلام المؤيدة لنظام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي؛ لن يلحظ الاهتمام الكافي بأزمة السد، وسيتعجب أكثر عندما يشاهد على فترات متقطعة أخبار سد النهضة منزوية في آخر سلم الاهتمام، سواء في نشرات الأخبار والبرامج الرئيسية، أو في الصحف الحكومية، وحتى الخاصة التي باتت شبه رسمية.

هذا الهدوء الغريب والتجاهل المتعمد لأكبر الأزمات التي تهدد الأمن القومي المصري يدفعان البعض للتساؤل حول حقيقته؛ فهناك من يراه استسلاما بعد أن فقدت مصر أوراقها في المفاوضات، خاصة أن اتفاقية "إعلان المبادئ" التي وقعها السيسي عام 2015 أضعفت الموقف المصري كثيرا، في حين يرى آخرون أن هذا الهدوء الحذر ربما يحمل في طياته استعدادا لرد فعل كبير بعد الانتخابات الأميركية، وربما يصل إلى التلويح بالعمل العسكري.

هدوء رغم العواصف

ربما يجادل أنصار النظام المصري بأن الهدوء الرسمي والإعلامي يرجع إلى توقف المفاوضات، وعدم وجود أحداث جديدة، مستدلين على ذلك بسخونة الأجواء التي صاحبت إعلان أديس أبابا بدء ملء خزان السد في يوليو/تموز الماضي، حيث صاحبه رد فعل مصري كبير، وشمل تحركات على المستويين الإقليمي والدولي.

لكن المثير أن الهدوء المصري الذي يسود منذ فترة تواصل أيضا رغم التصريحات المفاجئة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام، بشأن احتمال قصف مصر سد النهضة الإثيوبي، والتي أثارت رد فعل عنيف من أديس أبابا، واستدعت السفير الأميركي لتوضيح تلك التصريحات، كما علق عليها الاتحاد الأوروبي، مطالبا جميع الأطراف بالتزام الحوار والمفاوضات لحل الأزمة.

وقال الرئيس الأميركي -خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك- إن الإثيوبيين خرقوا اتفاق السد، محذرا من أن الوضع خطير جدا، وأن مصر لا تستطيع أن تستمر على هذه الحال، وسينتهي بهم المطاف إلى تفجير السد.

وفي فبراير/شباط الماضي، أعلنت واشنطن -في ختام مفاوضات رعتها- التوصل إلى اتفاق حول آلية عمل السد، ووقعت عليه القاهرة بالأحرف الأولى، في مقابل امتناع إثيوبيا، التي اتهمت الولايات المتحدة بالانحياز لمصر في هذه الأزمة؛ مما دفع الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات على أديس أبابا ومنع بعض المساعدات عنها.

عودة المفاوضات

تصريحات ترامب اعتبرها البعض بمثابة الضوء الأخضر للقاهرة باتجاه عمل عسكري، يجبر أديس أبابا على الاستجابة للوساطة الأميركية.

وقال وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام إن حديث ترامب "يوضح موقف القيادة المصرية من سد النهضة، وعدم قبولها المطالب الإثيوبية، واستعدادها للتدخل العسكري للحفاظ على الأمن المائي"، قائلا "اعتبر أن ذلك ضوء أخضر من ترامب لمصر لضرب سد النهضة".

في المقابل، ورغم تجاهل معظم وسائل الإعلام المصرية تصريحات ترامب، فإن المذيع المصري -المقرب من النظام- محمد الباز قال إن المعلومات التي لديه "تكذب الرئيس الأميركي، وإن مصر لم يكن على أجندتها قرار بضرب السد".

حديث الباز يأتي تأكيدا لتصريحات سابقة للسيسي، أكد خلالها حرص بلاده على التفاوض، بل وانتقد الترويج للخيار العسكري من جانب بعض المصريين، باعتباره يضر السياسة المصرية في أزمة السد.

وحذر الخبير العسكري المصري اللواء متقاعد طلعت مسلّم من توريط بلاده في حرب مع إثيوبيا، مشددا على أن مسايرة الرئيس الأميركي في حديثه عن تفجير السد ستمثل خطأ للقاهرة وليس لواشنطن.

ولا تبدو القاهرة بأي حال متعجلة للجوء لأي حل عسكري قد يؤزم الوضع أكثر مما يحله، بل قد تتخذ من تصريحات ترامب فرصة لتوسيع ضغوطها على إثيوبيا لتمديد مدة ملء خزان سد النهضة بالشكل الذي لا يؤثر عليها كثيرا.

في الوقت نفسه، يتهم كثير من المعارضين المصريين السيسي بإهدار حق مصر في مياه النيل، سواء كان ذلك فشلا أو عمدا، حيث يعتبر هؤلاء أنه ربما يفعل ذلك ضمن أجندة إسرائيلية تقتضي أن تتدخل الأخيرة في الوقت الحاسم كي تتوسط لمصر عند إثيوبيا، مقابل أن توافق مصر على توصيل فرع من النيل إلى إسرائيل التي تعاني من شح مائي.

السيسي والبرهان

وفي هذا السياق ربما جاء اجتماع القاهرة الثلاثاء الماضي بين السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان، حيث أعلن الطرفان تمسّكهما بالتوصل إلى "اتفاق قانوني ملزم" حول سد النهضة، وهو مطلب تعارضه أديس أبابا.

وفي اليوم التالي، أعلنت الخرطوم أنها ستنظّم على مدى أسبوع مفاوضات حول سد النهضة، وذلك في أعقاب مؤتمر عبر الفيديو جمع وزراء خارجية الدول الثلاث.

وجاء في بيان أصدرته وزارة الري والموارد المائية السودانية "اتفقت الدول الثلاث على عقد اجتماع متابعة يدعو له السودان خلال أقرب وقت ممكن لرفع تقرير لرئاسة الاتحاد الأفريقي خلال أسبوع واحد حول سبل إحراز تقدم ملموس في المفاوضات المتعثّرة منذ نهاية أغسطس/آب الماضي".

وتعتمد مصر بنسبة 97% على النّيل في الريّ ومياه الشرب، في حين تقول إثيوبيا إنّ المشروع -الذي تبلغ كلفته 4 مليارات دولار- ضروريّ لازدهارها.

هدوء أم خداع؟

وبعيدا عن الموقف المصري المعلن الرافض للخيار العسكري، يقول البعض إن الرفض العلني هو موقف طبيعي، سواء قررت القاهرة استخدام القوة العسكرية من عدمها.

ويقول أصحاب تلك النظرية إن التصريحات المصرية ربما تكون ضمن خطة تمهيد للعمل العسكري، مثل خطة الخداع الإستراتيجية التي عملت مصر وفقها تمهيدا لحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حيث كانت التصريحات الرسمية تستبعد الحرب قريبا، كما سربت أخبارا ومعلومات تشير إلى عدم استعداد الجيش للحرب وقتها.

ويستشهد آخرون بتصريحات السيسي نفسه عندما كان وزيرا للدفاع وقت الرئيس الراحل محمد مرسي، حيث كرر في أكثر من مناسبة أن الجيش لا يتدخل في السياسة، كما نقل شهود عيان أن السيسي أخبر مرسي أكثر من مرة أنه مع شرعيته كرئيس منتخب، لكن السيسي عاد وقاد الانقلاب العسكري الذي عطل الدستور وعزل مرسي في الثالث من يوليو/تموز 2013.

موازين القوة

وفي حال قررت القاهرة القيام بعمل عسكري؛ فإن الخيار الأسهل نظريا هو تفجير سد النهضة عبر غارات جوية لطائرات هجومية بعيدة المدى تحميها طائرات مقاتلة حديثة، وذلك بالنظر إلى أن مصر لا تملك حدودا برية مع إثيوبيا، والأخيرة ليست مفتوحة على البحر.

ويتفوق سلاح الجو المصري بشكل "ساحق" على نظيره الإثيوبي، فحسب موقع "غلوبل فاير باور" الأميركي، فإن مصر تمتلك 215 طائرة مقاتلة مقابل 24 لإثيوبيا، كما تمتلك القاهرة 88 طائرة هجومية، مقابل لا شيء لأديس أبابا.

كما تتفوق مصر على إثيوبيا من حيث الكيف أيضا، حيث تمتلك القاهرة طائرات رافال الفرنسية و"إف-16″ (F-16) الأميركية المتطورة، مقابل طائرات "ميغ-25″ (MIG-25) و"سوخوي27" (sukhoi-27) السوفياتية، التي وإن كانت لا تضاهي الطائرات المصرية الغربية فإنها صُممت خصيصا في سبعينيات القرن الماضي لمواجهة الطائرات الأميركية، مثل إف-16 فالكون، وإف-15 إيغل.

لكن أول عائق تواجهه الطائرات الحربية المصرية للوصول إلى سد النهضة وتدميره، يتمثل في بُعد المسافة، التي لا تقل عن 1500 كيلومتر من أقرب قاعدة جوية مصرية. وقلة من الطائرات المقاتلة والهجومية المصرية التي تملك القدرة على قطع 3 آلاف كيلومتر ذهابا وإيابا، دون التزود بالوقود في الجو، وهي تقنية إلى وقت قريب لم تكن تمتلكها القاهرة.

لكن في يناير/كانون الثاني 2020، أظهرت فيديوهات لوزارة الدفاع المصرية طائرة رافال تزود طائرة مصرية أخرى (لم يكشف عن نوعها) بالوقود جوا.

وإلى جانب الطائرات المقاتلة، تمتلك إثيوبيا منظومة دفاع جوي روسية من نوع "بانتسير إس" (pantsir s)، التي اقتنتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ويعتقد أنها تمكنت من نصبها قرب سد النهضة في مايو/أيار 2020.

وتعتبر "بانتسير" من المنظومات المتطورة متوسطة المدى، لكن سمعتها تعرضت للخدش بعد أن تمكنت طائرات بيرقدار المسيرة التركية من تدمير عدد منها في ليبيا وسوريا.

دعم أميركي

العائق الثالث أمام الطائرات المصرية يتمثل في القدرة التدميرية للقنابل التي ستطلقها على السد العملاق، الذي يبلغ علوه 170 مترا وطوله يتجاوز 1800 متر؛ إذ تحتاج مصر إلى قنابل تعادل قوتها القنبلة النووية لتدمير هذه الكتلة الإسمنتية الهائلة، وبالتالي فإن أي غارة جوية تقليدية قد تؤخر إكمال السد، لكنها لن تنهي المشكلة بشكل كامل.

كما أن السودان من المستبعد أن يسمح للطائرات المصرية بخرق أجوائه لضرب السد، لاعتبارات كثيرة؛ أهمها أنه سيكون أول المتضررين من انهيار السد، الذي يبلغ خزانه عند الامتلاء أكثر من 65 مليار متر مكعب، وهي كمية تعادل التدفق السنوي لمياه النيل في السودان ومصر، وبإمكانها إغراق مدن بأكملها شرقي السودان.

لذلك قد تلجأ مصر إلى عمليات نوعية أخرى لتفجير السد أو تعطيله، لكن هذه المسائل معقدة وصعبة، وتأثيرها قد يكون محدودا على وقف المشروع.

لذلك؛ فالخيار العسكري -وإن أجبرت مصر على اللجوء إليه- فلن يحقق لها هدفها المتمثل في الحفاظ على حصتها التاريخية من مياه النيل (55.5 مليار متر مكعب سنويا)، إلا إذ تلقت دعما عسكريا من دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، وهنا تكمن أهمية تصريحات ترامب إن كانت جادة.

المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة