"السجن أونلاين".. آخر صيحات القضاء المصري تثير غضب الحقوقيين

انتقادات حقوقية لإجراءات تجديد الحبس عن بعد في مصر (الجزيرة)
انتقادات حقوقية لإجراءات تجديد الحبس عن بعد في مصر (الجزيرة)

فرغ القاضي في إحدى محاكم القاهرة من النظر في قضية استغرقت جلسة طويلة، وشعر بالإرهاق والتعب وفقدان التركيز، وتذكر أن هناك نحو 300 معتقل سياسي ينبغي النظر في أمر تجديد حبسهم أو إخلاء سبيلهم، وانتظر المحامون الإذن لهم بالدخول لأداء واجبهم في الدفاع عن موكّليهم وتبرئة ساحتهم، لكنهم فوجئوا بالقاضي يعلن تجديد حبس جميع المتهمين مدة إضافية (45 يوما) دون نظر في القضية أو استماع للمتهمين أو المحامين.

هذه الحكاية الحزينة تتكرر في جنبات محاكم مصر، والتي تحفل قاعاتها بحكايات مثيرة للأسى تزيد كرب المعتقلين سياسيا، وتضاعف أحزان ذويهم، وكثيرا ما سجّلها حقوقيون ومحامون.

وحتى بعد أن يقضي المعتقل مدة عامين -المحددة قانونا كحد أقصى للحبس الاحتياطي- لا تعدم السلطة حيَلا لإبقائه خلف القضبان دون محاكمة، حيث يعاد تدويرهم في قضايا جديدة، علما بأن منظمات حقوقية ترى في الحبس الاحتياطي بهذه الطريقة المصرية عقابا في حد ذاته لمتّهمين لم تثبت الاتهامات بحقهم.

وأخيرا، أعلن بيان رسمي مشترك لوزارتي العدل والاتصالات تدشين المرحلة الأولى من مشروع تجديد الحبس الاحتياطي عن بعد، في ظل رفض وتحفظ حقوقيين وخبراء تكنولوجيا معلومات واتصالات على المشروع.

ويبدأ تدشين المشروع في مرحلته الأولى بين محكمة القاهرة الجديدة، وكل من سجن طرة العمومي وسجني 15 مايو/أيار والنهضة المركزيين، حسب بيان رسمي صدر عن وزارة الاتصالات مؤخرا أكد الاتجاه نحو تعميم المشروع.

ويجري التجديد -حسب البيان الرسمي- عبر نظر جلسات التجديد لحبس المتهمين باستخدام "وسائل التقنية الحديثة"، باتصال القاضي بالمتهمين داخل محبسهم عبر قاعات مخصصة لذلك في كل سجن بحضور محاميهم، من خلال شبكات تلفزيونية مغلقة ومؤمنة تم ربطها بين عدد من المحاكم والسجون.

نوايا سيئة

وفي هذا السياق، يرى الحقوقي هيثم أبو خليل أن التجديد عن بعد "جريمة كبيرة وإضافية تفضح نوايا القائمين على الأمر بتعمد استمرار سجن السياسيين احتياطيا بالالتفاف على القوانين والإجراءات المنصوص عليها".

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح أبو خليل أن ما وصفها بنوايا السلطة السيئة تُظهر بوضوح في صيغة الإعلان الرسمي أن الهدف هو تجديد الحبس إلكترونيا وليس الإفراج إلكترونيا، مما يعني أن خيار إخلاء سبيل المتهمين ليس واردا أو هو مستبعد على الأقل .

وذكر الحقوقي المصري أن عدد المعتقلين ـكما أوضح الإعلامي المقرب من الأجهزة الأمنية نشأت الديهي- 30 ألف محبوس احتياطيا، وغالبيتهم سياسيون، مؤكدا أن جائحة كورونا مثّلت فرصة لإخلاء سبيلهم، غير أن السلطات فضّلت إخراج السجناء الجنائيين والعفو كل حين عن مئات منهم.

وتقدر منظمات حقوقية أعداد السجناء السياسيين في مصر بنحو 60 ألف سجين معظمهم قيد الحبس الاحتياطي، وينتمي غالبيتهم لجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى معارضي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي من مختلف التيارات والاتجاهات.

والكارثة الأكبر -برأي خليل- أن هذا المشروع ينسف فكرة العدالة من أساسها، فالأصل في الفصل بين السلطات وعرض المتهم على قاضيه أن يشكو له منفردا مما يعانيه من السلطة التنفيذية، مضيفا "فكيف سيتم ذلك والمتهم بحوزة السلطة التنفيذية، حتى لو كان مع محاميه، في حين أن وكيل النيابة أو القاضي في مكان آخر لايمكنهم معرفة شيء".

وأكد أن المشروع يستهدف "توفير نفقات الترحيل والنقل والراحة لأفراد السلطة، ولا يهمه ضبط المنظومة"، والأكثر إثارة للأسى هو أن السجناء في سجون مثل العقرب كانوا يترقبون فرصة العرض على النيابة  كل 45 يوما مثل العيد، انتظارا للخروج من الظلمات والحبس الانفرادي، والتنقل في عربات الترحيل لرؤية الشمس والشوارع والناس، وقال "حتى هذه النعمة البسيطة حرمهم منها الإجراء الجديد".

مخالفة قانونية

وبدوره يؤكد المحامي والحقوقي أسامة بيومي أن المواد المنظمة للحبس الاحتياطي أجمعت على أن يصدر القرار بعد سماع القاضي للادّعاء الممثل في النيابة العامة إضافة إلى المتهم ودفاعه.

وفي منشور على موقع فيسبوك أوضح بيومي أن نظر تجديد أمر الحبس بهذه الكيفية ربما يتماشى مع وجود فيروس كورونا، غير أنه "يخالف صحيح المادة 125 التي تستوجب عدم الفصل بين المتهم ودفاعه".

ورأى الحقوقي المصري أن نظر تجديد أمر الحبس بهذه الكيفية مخالف لنصوص باقي مواد القانون من وجوب سماع المتهم، وليس مجرد سؤاله فقط عن ارتكاب التهم من عدمه، بل يتعداه إلى المناقشة في أدلة الاتهام إن وجدت.

وقال إن نظر تجديد أمر الحبس بهذه الكيفية فيه إهدار لضمانات الدفاع، إذ يكون المتهم المعروض في قبضة الشرطة أثناء عرضه علي النيابة أو المحكمة، ومن ثم فإن إكراه المتهم على الإقرار بارتكاب جريمة ما أمر وارد.

ورأى أن ذهاب المتهم إلى المحكمة للعرض على القاضي والنظر في تجديد حبسه أصبح في الآونة الأخيرة هو الوسيلة الوحيدة والمتاحة للاطمئنان على المتهمين من جانب ذويهم، في ظل منع الزيارات الخاصة بعدد كثير من القضايا، وبتطبيق النظام الجديد سيتم الإجهاز على هذه الوسيلة الوحيدة المتاحة.

واختتم بالقول إن الواقع العملي يؤكد أن المحكمة لا تسمع للنيابة، ولا تسأل المتهم، وتطالب الدفاع بالحديث في مجال الحبس الاحتياطي فقط، ومن ثم فإن القرار "لم يضف شيئا للواقع العملي سوى حرمان الدفاع من الحديث مع المتهم".

شكر وتقدير

وفي المقابل، توجه وزير العدل -المستشار عمر مروان- بالشكر لوزارتي الداخلية والاتصالات لما بذلتاه من "جهد مثمر وتعاون بناء في مجال التطوير التكنولوجي القضائي"، مشيرا إلى ضرورة سرعة تطبيق المشروع في المراحل المقبلة في جميع المحاكم، دون إخلال بضمانات المتهم المقررة في الدستور والقانون.

وأوضح مروان -في تصريحات صحفية- أهمية هذا المشروع من ناحية الأمن وسرعة الإنجاز، وأيضا تقليل فرص انتشار فيروس كورونا بين المحبوسين والمواطنين.

مشاكل فنية

ومن الناحية الفنية، يرى خبير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عمر الشال أن مثل هذه المشروعات تحتاج إلى بنية تحتية تقنية قوية، وهو أمر "غير متاح في مصر أبدا".

وعدّد الشال -في حديثه للجزيرة نت- أسباب "المخاوف المشروعة" من مثل هذا المشروع الذي يؤدي إلى مزيد من التدهور لمنظومة العدالة، نظرا لتراجع "قوة وسرعة الإنترنت، وإمكانية الدخول عليه من جميع الأطراف المعنية بما فيهم المتهمون".

وتابع "التطبيق أو المنصة المستخدمة -التي من المفترض أن تكون بديلا إلكترونيا لقاعة المحكمة- تتطلب أن تكون قوية وبها مستويات متعددة لصلاحيات الدخول وسواه، وكل هذا غير موجود في مصر بالجودة المطلوبة، وشهدت عليه تجارب سابقة في مجال التعليم وغيره، وسيكون دوره مجرد إثبات حضور المتهمين والمحامين".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات المصرية تعتقل المنتج في قناة الجزيرة محمود حسين بشكل تعسفي منذ أكثر من 1400 يوم على ذمة التحقيق في تهم ملفقة تتعلق بـ”الإرهاب”، وذلك لمجرد قيامه بعمله الصحفي.

26/10/2020

قررت نيابة أمن الدولة العليا في مصر تجديد حبس محمد القصاص نائب رئيس حزب “مصر القوية” 15 يومًا بتهمة الانضمام إلى جماعة أسست على خلاف أحكام القانون والدستور، وحيازة منشورات.

22/1/2020

قالت مصادر حقوقية إن نيابة أمن الدولة في مصر مددت حبس الصحفي هيثم حسن لمدة 15 يوما على ذمة التحقيق في اتهامات بنشر أخبار كاذبة، على خلفية نشر مواد صحفية تتعلق بتعامل السلطة المصرية مع فيروس كورونا.

10/8/2020
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة