292 حزبا تتنافس بانتخابات العراق.. فوضى سياسية أم حالة ديمقراطية صحية؟

292 حزبا وحركة وتجمعا سياسيا تستعد لخوض الانتخابات بالعراق (رويترز)

حراك سياسي ملحوظ يشهده العراق استعدادا لخوض الانتخابات المبكرة المزمع إجراؤها في يونيو/حزيران 2021، حيث سارع 292 حزبا وكيانا سياسيا للتسجيل لدى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

وقد تنوعت خلفيات هذه الأحزاب والكيانات بين الإسلامية والعلمانية والشيوعية والقومية وغيرها، وأكدت المفوضية في بيان لها أن عدد الأحزاب التي منحت لهم الإجازة 230، بالإضافة إلى 62 حزبا قيد التسجيل.

ويرى مراقبون أن زحمة الأحزاب قد تزيد مشاكل العملية السياسية، وما أفرزته من فساد وترهل كبير في المؤسسات الحكومية، بسبب غياب البرامج الواضحة لأغلب تلك الأحزاب، في حين يرى آخرون أن ما يجري حالة ديمقراطية صحية تضمن التعددية السياسية.

رئيس مركز التفكير السياسي د. (إحسان الشمري (الجزيرة نت)
الشمري استبعد قدرة الكيانات الجديدة على منافسة الأحزاب المتنفذة (الجزيرة نت)

ثغرات قانونية
قانون الأحزاب شُرّع لغرض تنظيم الحياة الحزبية، وبما يتوافق مع النظام الديمقراطي، بحسب رئيس مركز التفكير السياسي د. إحسان الشمري.

ويشير الشمري إلى أن هذا القانون فيه الكثير من الثغرات خصوصا إذا ما نظر إلى طبيعة النصوص، والتي يمكن تأويلها بأكثر من شكل، كما أن قانون الأحزاب لم يشدد على مراقبة تمويلها، معتبرا أن العقوبات المنصوص عليها بهذا القانون غير رادعة بما يكفي.

ويبيّن للجزيرة نت أن قانون الأحزاب بحاجة إلى التعديل، من خلال تشريع جديد يتضمن قضية حصر السلاح بيد الدولة، واتخاذ إجراءات تمنعه عن هذه الأحزاب التي تمتلك أجنحة عسكرية. لكن هذه الإجراءات لم يفعل بالشكل الكبير لأن النصوص كانت تأويلية.

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية حسين العقابي إلى أن المشكلة ليست في القانون، ولكن القوى السياسية، وخصوصا الكتل النيابية، تسوق بأن القانون الانتخابي إنجاز، وهو ليس كذلك.

ويضيف للجزيرة نت: ليس هنالك نظام انتخابي مثالي على الإطلاق، فكل نظام بمختلف دول العالم فيه إيجابيات وسلبيات.

ويبين أن النظام الانتخابي لابد أن يتناسب مع التركيبية السكانية والبيئة السياسية، وهناك عوامل كثيرة تساهم في صياغة شكل القانون الانتخابي، لافتا إلى أن المشكلة في مخرجات العملية الانتخابية، وفي تطبيقات النظام الانتخابي في العراق.

الهنداوي رأى أن كثرة الأحزاب لا تسهم في حل المشكلات (الصحافة العراقية)

تخمة الأحزاب
أسباب تشكيل الأحزاب كثيرة ومختلفة، بحسب مستشار رئيس الحكومة لشؤون الانتخابات حسين الهنداوي، وهي ظاهرة قديمة ومتعددة الأهداف السياسية ومنها خوض الانتخابات للوصول إلى السلطة.

وشدد الهنداوي، في حديثه للجزيرة نت، على أن كثرة الأحزاب لا تسهم في حل مشكلات العراق بأي قدر، ولا تستطيع الأحزاب الجديدة الفقيرة منافسة الأحزاب الكبيرة الغنية إلا إذا اتحدت وعرفت كيف تحقق الفوز المباغت.

ويعود العقابي للقول إن كثرة الأحزاب ليست مشكلة من حيث المبدأ، وهذه الحالة موجودة في أغلب دول العالم، وليس هنالك أي مانع قانوني أو اجتماعي.

ويضيف عضو اللجنة القانونية النيابية أن العراق يعيش حالة ديمقراطية ناشئة، لذلك نرى التحولات والانشقاقات والانقسامات بسبب عدم وجود استقرار سياسي.

ويلفت إلى أن هذه مسألة طبيعية، مع وجود الطموح السياسي "لذلك نحتاج فترة زمنية أطول حتى تستقر الأوضاع".

وبدوره يرى الشمري أن هذه الزيادة في أعداد الأحزاب ستستمر لحين إجراء الانتخابات، وقد تقفز بما نسبته 50% من الأعداد الموجودة الآن أو أقل من ذلك "لذا من الضروري ترشيق ودمج بعض الأحزاب لكيلا يرتبك الناخب".

العقابي يرى أنه ليس هنالك نظام انتخابي مثالي على الإطلاق (الجزيرة نت)

مناورة الأحزاب الكبيرة
وحول سبب تشكيل عشرات الأحزاب، يرى الشمري أن بعض الأحزاب الجديدة هدفها خوض الانتخابات، ولكن البعض الآخر تابع للأحزاب التقليدية والتي تعمل على تأسيس ما يسمى أحزاب وكيانات الظل.

ويضيف أنها أحزاب رديفة لتلك التقليدية، تحاول أيضا كسب الأصوات، من خلال تضليل الرأي العام العراقي، إذا ما أدلى بأصوات إلى هذه الأحزاب وكيانات الظل، وبالتالي ستلتحم بعد نتائج الانتخابات مع تلك الأحزاب التقليدية.

واستبعد الشمري قدرة الأحزاب الجديدة على منافسة الأحزاب المتنفذة التي تمتلك المال والسلاح وموارد الدولة، وتمتلك الدعم الخارجي الكبير، واستطاعت النفاذ إلى بعض المؤسسات المهمة لكي تعمل على تمكينها، كما حصل في مفوضية الانتخابات، حيث كانت الأحزاب المتنفذة هي من يتحكم بمجالس المفوضية وقراراتها.

من جانبه نوّه العقابي إلى موضوع غياب رقابة تمويل الأحزاب وإمكانياتها المالية وقدراتها، معتبرا أن هنالك فساد كبيرا، يتمثل في شركات واستثمارات وعقارات تقدر بالمليارات، خصوصا لدى الأحزاب الكبيرة.

أحزاب مدنية ومسلحة
تسجيل أحزاب سياسية تابعة لجهات مسلحة يعد خرقا للدستور والقانون، وفق الشمري الذي حث حكومة الكاظمي والبرلمان ومفوضية الانتخابات ودائرة الأحزاب المعنية على أن تعمل على رفض طلبات كهذه، خصوصا وأن استمرار وجود السلاح وهيمنته قد يدفع باتجاه تصادم ما بين الناخبين، أو ما بين الأحزاب الأخرى.

ويعتقد الشمري أن وجود الأحزاب المسلحة يدفع التيار المدني باتجاه أن يكون قلقا من وجود هذا السلاح أو هذه الواجهات السياسية، وبالتالي قد يزيد من الاحتقان والتشكيك بالانتخابات أو حتى الديمقراطية والتعددية الحزبية.

وفي السياق ذاته يبين رئيس مفوضية الانتخابات الأسبق عادل اللامي أن المفوضية لم تكن حازمة بالشكل المطلوب، لذلك نرى الكثير من الأحزاب لديها تشكيلات أو فصائل مسلحة أو أجنحة عسكرية، وقادتها أعضاء في البرلمان وبنفس الوقت هم ينتمون لأجنحة عسكرية معينة.

Iraqis take to the streets on protest anniversary
الآلاف احتشدوا بساحة التحرير ببغداد احياء للذكرى الأولى لانطلاق انتفاضة تشرين (رويترز)

متظاهرو تشرين
إلى ذلك يؤكد المهندس الفاروق الصالحي، أحد ناشطي الاحتجاجات، التزام المحتجين بالسلمية والابتعاد عن العنف، وأنهم مستمرون في طريق السلمية حتما للوصول به إلى صناديق الاقتراع.

ويوجز الصالحي، في حديثه للجزيرة نت، مطالبهم الأساسية في تشريع قانون انتخابي عادل ينصف العراقيين ويفضي بالنتيجة إلى تمثيل حقيقي للشعب، وكذلك مفوضية مستقلة حقيقية من قضاة مستقلين، وإشراف دولي على الانتخابات المبكرة.

ويتابع: كل ذلك يسبقه الكشف عن قتلة المتظاهرين والبدء بإجراء محاكمة علنية لهم، بالإضافة إلى إجراءات حقيقية لحصر السلاح بيد القوات الأمنية الرسمية، ومنع السلاح المنفلت لأنه يؤثر على نتائج الانتخابات.

ويكشف الصالحي عن محاولة بعض الأحزاب شراء مجموعة من المتظاهرين النشطين وتكوين أحزاب جديدة تحمل الصفة المدنية، بدعم غير معلن، من أجل ركوب موج المدنية والمواطنة من جديد وتضليل الرأي العام، في محاولة منها لإعادة تشكيل الخارطة السياسية مرة أخرى.

ويختم بدعوة نشطاء الاحتجاجات إلى العمل على تكوين حركة سياسية موازية للحراك الثوري، وإقناع الناس بضرورة انتخابها لتكون البديل الحقيقي للأحزاب الحالية.

المصدر : الجزيرة