أديس ستاندارد: هل يمكن لإثيوبيا أن تنجو من تهديدات ترامب؟

انسحاب إثيوبيا من مفاوضات سد النهضة ثاني أهم حدث في الأسبوع
الكاتبان: عبارات ترامب الحادة تعد تصرفا مشينا وموقفا مؤسفا كما تعد تحريضا على العدوان ضد إثيوبيا (الجزيرة)

انتقد باحثان إثيوبيان بشدة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي حذّر فيها من أن مصر قد تضطر لنسف سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا بالقرب من حدودها مع السودان.

وقال ديجين يمان ميسيلي ويوهانس إينيو أياليو، الباحثان في القانون الدولي العام، إن تصريحات ترامب رغم أنها كانت "جارحة" فإنها "لم تكن غير متوقعة".

ويرى الباحثان، في مقال مشترك نشرته لهما صحيفة "أديس ستاندارد" (Addis Standard) الإثيوبية، أن تلك التصريحات توجز -على ما يبدو- بيانات وخطبا ظلت تصدر من واشنطن منذ أن انخرطت الولايات المتحدة في موضوع سد النهضة.

وأثار تحذير ترامب -الذي يصفه المقال بأنه قرع لطبول الحرب- ضجة في إثيوبيا، كما أنه يشكل خرقا للقانون الدولي، وفق تعبير الباحثين ميسيلي وأياليو.

وكان الرئيس الأميركي قد تحدث عن النزاع بشأن سد النهضة -خلال اتصال هاتفي- مع قادة السودان وإسرائيل يوم الجمعة الماضي، وعن تطبيع العلاقات بين الجانبين.

وقال ترامب "لا يمكنكم لوم مصر لشعورها بقليل من الانزعاج". وأضاف "وضع خطير للغاية لأن مصر لن تتمكن من العيش بهذه الطريقة". وتابع "سينتهي بهم الأمر إلى تفجير السد. قلتها وأقولها بصوت عال وواضح: سيفجرون هذا السد".

من ناحيته، استنكر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ما وصفها بالتهديدات والإساءات لسيادة بلاده.

ترامب المثير للنزاع

وتعثرت المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة على مدار السنوات الماضية، وسط اتهامات متبادلة بين القاهرة وأديس أبابا بالتعنت والرغبة بفرض حلول غير واقعية.

وتصر أديس أبابا على ملء السد حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق مع القاهرة والخرطوم، في حين تصر الأخيرتان على ضرورة التوصل أولا إلى اتفاق ثلاثي بشأن السد الواقع على النيل الأزرق، الرافد الرئيسي لنهر النيل.

ووفقا لمقال أديس ستاندارد، فقد بات ترامب -الذي توشك ولايته الرئاسية الأولى على الانتهاء- يمثل تهديدا لمبدأ التعددية والنظام العالمي. كما أنه يُلام على "نزعته الشعبوية في الداخل والخارج على حد سواء".

ثم إن مواقفه في قضايا السياسة الخارجية تظهر توجهاته الرئاسية المثيرة للنزاع. ولا يتردد منتقدو ترامب في تحميله أوزار جميع الشرور التي تحدث في أميركا، على حد تعبير الباحثيْن القانونيين.

ويعتبر الكاتبان أن فيروس كورونا الفتاك، والأعاصير، وحرائق الغابات، والحوادث ذات الدوافع العنصرية والمحاكم التي تطعن في أهلية الرئيس، نقطة ضعف إدارة ترامب.

تصرف مشين

ويرى الكاتبان أن لإثيوبيا حقا سياديا في بناء سد على موارد مياهها الطبيعية، وهي سيادة يجوز للمؤسسات الحكومية ممارستها داخل الدولة.

واقتبس كاتبا المقال بنودا من ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية في تعزيز حجج الدولة الإثيوبية في بناء سد النهضة، وأشارا إلى أنه بموجب تلك الشواهد فإن الدول سواسية ليس في نظر النظام العالمي القائم على ميثاق المنظمة الدولية فحسب، بل وفقا للمفهوم التقليدي للقانون الدولي. ومن جهة أخرى، فإن "إثيوبيا دولة ذات تاريخ وحافظت على حضاراتها من الهيمنة الأجنبية ودافعت بنجاح عن سيادتها من نير الاستعمار. وهي عضو مؤسس لعصبة الأمم (السابقة) والأمم المتحدة (الحالية)".

وبحسب المقال، فإن تصريحات ترامب بشأن سد النهضة تنتهك الغرض الذي من أجله صيغ ميثاق الأمم المتحدة. وقوله إن مصر ستنسف السد يعتبر "خرقا صارخا للبند 2 (4) من الميثاق، والبند 8 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدرأ نزعة الهيمنة، التي بدورها تقوّض وحدة الأراضي الإثيوبية".

ثم إن "عباراته الحادة تعد تصرفا مشينا وموقفا مؤسفا من رئيس الولايات المتحدة –العضو الدائم الرائد في مجلس الأمن الدولي الذي يُفترض أن يكون صانع سلام وأمن دوليين- وينم عن تحريض على العدوان ضد إثيوبيا".

عواقب وخيمة

ونصح ديجين ميسيلي ويوهانس أياليو في مقالهما المشترك الحكومة الإثيوبية بأخذ تحذير ترامب على محمل الجد إذ قد تكون تصريحاته بمثابة قمة جبل الجليد. ومن هذا المنطلق "يتعين على الحكومة الإثيوبية تحديدا العمل على وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد على الوجه الصحيح، ونزع أسلحة الأطراف المسلحة طالما أنها لا تزال متفلتة وتنشط في إقليم بني شنقول قمز حيث يُقام السد".

ذلك أن الدخول في صراع دولي مسلح في مثل هذا الوقت ليس بالأمر المرجح، وغير مجدٍ لمصر "التي ربما تساعد وتدعم أطرافا مسلحة (إثيوبية) كما دأبت على ذلك".

وإذا قُدِّر لمصر أن تهاجم سد النهضة ـكما يقول الكاتبان- فإن الفيضانات ستدمر السودان برمته، الأمر الذي سينجم عنه إزهاق أرواح المدنيين بشكل كارثي، خاصة أن خزان السد مملوء بالفعل بــ 4.9 مليارات متر مكعب من المياه.

وفي لهجة تنمّ عن وعيد، جاء في المقال أن مصر إذا تمكنت من نسف سد النهضة فإن إثيوبيا قد تضطر في نهاية المطاف إلى اتخاذ ما سماه الكاتبان بـ"إجراءات مضادة خطيرة مبررة بموجب القانون الدولي، بما في ذلك استهداف السد العالي في أسوان".

وعلى افتراض أن إثيوبيا اضطرت لشن هجوم مضاد وتفجير سد أسوان العالي، "فإن تأثير ذلك على المدنيين سيكون فادحا".

ومهما يكن من قوة مصر الاقتصادية، فإن إثيوبيا تظل قوة لا تُقهر في ساحات الوغى والتاريخ شاهد على ذلك، بنظر كاتبي المقال.

سيناريو النجاة

وأشار الكاتبان في هذا الصدد إلى أن مصر خاضت حربين مع  إثيوبيا، الأولى معركة غوندت في عام 1875. أما الثانية فكانت بالقرب من مدينة غور في إريتريا عام 1876، وكان النصر فيهما حليف الجانب الإثيوبي. ووقعت المعركتان إثر محاولات المصريين السيطرة على منابع النيل الأزرق.

ولا يستبعد كل من ديجين ميسيلي ويوهانس أياليو في مقالهما المشترك احتمال تعرض سد النهضة لهجمات، لكنهما يأملان في ألا يحدث هذا السيناريو "كما يشتهي ترامب"، وفق تعبيرهما.

وختم الباحثان بأن الحكومة الإثيوبية إذا واصلت "موقفها الصارم تجاه قضية سد النهضة وعالجت مشاكلها الداخلية، فإن البلاد تستطيع الصمود بوجه تهديد ترامب، كما أنها لن ترضخ لأي شكل من أشكال الاستعمار الجديد".

المصدر : الصحافة الإثيوبية