السودان.. تطبيع بلا تفويض

السودان .. كيف وجدت الانتقالية تفويضا للتطبيع ؟

الشارع السوداني يرفض التطبيع ويؤكد دعمه للقضية الفلسطينية (الأناضول-أرشيف)
الشارع السوداني يرفض التطبيع ويؤكد دعمه للقضية الفلسطينية (الأناضول-أرشيف)

شهران فقط يفصلان إعلان الحكومة السودانية أنها لا تملك "تفويضا" لاتخاذ قرارا حول التطبيع مع إسرائيل، وبين تأكيدها أمس موافقتها على تطبيع العلاقات معها، مبشرة "بالفوائد الجمة" التي تنتظر السودان.

ففي 25 أغسطس/آب الماضي، أعلن رئيس الحكومة السودانية الانتقالية عبد الله حمدوك -عقب محادثات مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الخرطوم- أن حكومته "لا تملك تفويضا" لاتخاذ قرار بشأن التطبيع مع إسرائيل.

وقال حمدوك لبومبيو إن قرارا في هذا الصدد يحتاج إلى انتظار حكومة منتخبة ديمقراطيا، في غضون 3 سنوات، ودعا الإدارة الأميركية إلى ضرورة "الفصل" بين عملية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ومسألة التطبيع مع إسرائيل.

ونقل الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الإعلام فيصل محمد صالح عن حمدوك قوله -ردا على الطلب الأميركي بتطبيع العلاقات مع إسرائيل حينئذ- إن المرحلة الانتقالية في السودان "يقودها تحالف عريض بأجندة محددة لاستكمال عملية الانتقال وتحقيق السلام والاستقرار في البلاد وصولا إلى قيام انتخابات حرة، ولا تملك الحكومة الانتقالية تفويضا يتعدى هذه المهام للتقرير بشأن التطبيع مع إسرائيل".

كررت الحكومة السودانية تأكيد أنه ليس لديها تفويض للتطبيع مع إسرائيل خلال زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ووفد سوداني يضم وزير العدل إلى أبو ظبي في 21 سبتمبر/أيلول الماضي.

وقال وزير الإعلام السوداني "إن الوفد الوزاري المرافق لرئيس مجلس السيادة الانتقالي لا يحمل تفويضًا لمناقشة التطبيع مع إسرائيل"، وأشار إلى أن الوفد مخول ببحث رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مع فريق الإدارة الأميركية المتواجد في الإمارات.

وأكد صالح أن موقف بلاده "ثابت حيال التطبيع مع إسرائيل، وليس لدينا تفويض لاتخاذ قرار في مثل هذه الأمور، وهي من مهام حكومة منتخبة، وما زلنا عند الموقف ذاته، ولم نتراجع عنه".

البرهان أثناء استقباله بومبيو في الخرطوم قبل شهر (الأوروبية)

تجاهل

لم يمر الكثير على هذا الموقف والرد السوداني الذي نال إشادة واسعة في حينه، حتى أكد وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين أن الحكومة الانتقالية وافقت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وفي أول تعليق رسمي من الحكومة عقب البيان الثلاثي الذي أصدره البيت الأبيض أمس، قال قمر الدين إن ما تم الإعلان عنه "هو اتفاق من الجهاز التنفيذي والسيادي على التطبيع مع إسرائيل".

واعتبر الوزير السوداني أن التطبيع "ليس حدثا منقطعا، بل عملية مستمرة، وفي حال المصادقة على الأمر فستكون الفوائد التي يجنيها السودان جمة. إن هذا الاتفاق ينهي حالة العداء مع دولة إسرائيل، وسيتبع ذلك كثير من العمل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والاستثماري".

لكن قمر الدين لم يقدم تنويرا يوضح إذا كانت حكومته الانتقالية حصلت على تفويض بالتطبيع؟ وكيف حصلت على ذلك التفويض الذي أكده وباركه؟ وذلك رغم قوله إن المصادقة على الاتفاق "تأتي من المجلس التشريعي، والمؤسسات الديمقراطية التي تضم كل الأحزاب والحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية".

ولم يتطرق الوزير السوداني أو وأي من زملائه في الحكومة الانتقالية إلى تعارض الاتفاق مع القانون السوداني الصادر عام 1958 المعرف باسم "قانون مقاطعة إسرائيل "الذي يعتبر التطبيع "جريمة تستوجب العقاب".

وبموجب هذا القانون، بالإضافة إلى مواد أخرى بالقانون الجنائي، رفع محامون سودانيون في فبراير/شباط الماضي دعوى جنائية ضد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان عقب لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مدينة عنتيبي الأوغندية، وطالب المحامون من النيابة السودانية تقييد الدعوى، وتوجيه التحري لاتخاذ الإجراءات اللازمة لرفع الحصانة عن "البرهان".

وقالت مجموعة المحامين -التي تقدمت بالدعوى- إن "المتهم عبد الفتاح البرهان تجاوز صلاحياته المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، كما خالف نص المادة (2) من قانون مقاطعة إسرائيل، التي تمنع أي شخص من أن يعقد بالذات أو بالوساطة اتفاقا من أي نوع مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل، أو مع أشخاص يعلم أنهم ينتمون إلى إسرائيل أو يعملون لحسابها، فضلا عن مخالفته مواد أخرى بالقانون الجنائي متعلقة بالتعامل مع الدول المعادية والإخلال بالسلامة العامة".

لا يعرف أحد مصير تلك الدعوى ضد البرهان، لكن يبدو أنها لم تترك تأثيرا على الماضين قدما في خطوات التطبيع حالها حال الفعاليات الشعبية والأحزاب السودانية، التي سبق أن أدانت اللقاء الذي جمع بين البرهان ونتنياهو، واعتبر "طعنة للقضية الفلسطينية، وتلطيخا لمواقف البلاد، المساندة والمعاضدة للشعب الفلسطيني وقضيته ضد الاحتلال الإسرائيلي".

في المقابل، تجددت مظاهر الرفض الشعبي في الشارع السوداني عقب الإعلان الثلاثي للتطبيع من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل والسودان، وشهدت الخرطوم مظاهرات تؤكد رفض السودانيين التفاوض أو التصالح مع إسرائيل، كما تؤكد دعم الشعب السوداني للقضية الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة + وكالات

حول هذه القصة

خرجت مظاهرة مساء أمس في الخرطوم تنديدا بإقدام الحكومة السودانية على إعلان الاتفاق مع إسرائيل على تطبيع العلاقات. ووصفت إيران الاتفاق بأنه جاء بعد تجاهل السودان حقوق الفلسطينيين، ودفعه فدية مناسبة.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة