إعلام الخارج.. يخشاه السيسي لكنه يدفع المصريين لمتابعته

ربما لا يمكن حصر المناسبات والمرات التي هاجم فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إعلام المعارضة باعتباره يهدد استقرار البلاد، ويبخس قيمة مشروعاته القومية، على حد وصفه.
آخر تلك الانتقادات كانت الأحد الماضي عندما حذّر السيسي من مغبة الإنصات لإعلام المعارضة والانسياق وراءه، منتقدا تشكيك هذا الإعلام فيما وصفه بالإنجازات الكبيرة التي يحققها النظام المصري، ومهددا بالشكوى إلى الله يوم القيامة.
والمثير أن تكرار انتقاد السيسي للإعلام لم يقتصر على إعلام المعارضة، بل امتد أيضا إلى إعلام النظام نفسه، والذي تهيمن عليه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، حيث يشتكي السيسي من عجز إعلامه في مواجهة إعلام المعارضة، والتصدي لما أسماها بالشائعات والأكاذيب، رغم حجم الإنفاق الضخم على القنوات الفضائية.
وكثيرا ما يكرر السيسي انتقاده لقنوات المعارضة بتهمة بث الشائعات والتشكيك في إنجازاته، كما ينتقد أحيانا إعلام نظامه لعدم الترويج لتلك الإنجازات، علما بأنه فرض قبضة حديدية جعلت من إعلام السلطة إعلام الصوت الواحد المكرر، وهو ما اعتبره البعض من أهم أسباب انصراف المصريين نحو قنوات المعارضة.
السيسي: "والله والله سأحاج الكل قدام ربنا يوم القيامة على اللي بنعمله لبلدنا" pic.twitter.com/HopWmOhoxt
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) October 11, 2020
وتمكنت السلطات المصرية عقب انقلاب يوليو/تموز 2013 الذي قاده السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، من إخضاع جميع وسائل الإعلام والصحافة لسيطرتها وتحكمها، بعد حملة عنيفة ضد القنوات والمواقع الصحفية المعارضة للانقلاب وإغلاقها، أتبعتها بحجب مئات المواقع الصحفية، وفق منظمات ومؤسسات حقوقية.
ورغم نجاح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المصرية، في إسكات أي صوت معارض بالداخل، وملاحقة الإعلاميين والصحفيين والحقوقيين واعتقال المئات منهم خلال السنوات الماضية، فإن وسائل إعلام ومواقع صحفية بالخارج نجحت في اختراق كل تلك الموانع، ما شكّل هاجسا وصداعا دائمين للنظام المصري.
فهل نجح إعلام الخارج في إقناع ملايين المصريين بأنه البديل الحقيقي لإعلام الداخل، وأنه بمثابة المرآة التي تعكس واقعه المرير؟
وإذا كانت إنجازات وإصلاحات السيسي لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، فلماذا لا يراها مواطنوه، ولا يشعرون بها، ولماذا لا يسمعون له ولإعلامه الذي يدندن ويتغنى بها ليلا ونهارا؟
أكثر ما يفزع السيسي
في معرض إجابته عن تلك التساؤلات، قال المرشح الرئاسي الأسبق أيمن نور، إن أكثر ما يفزع نظام السيسي هو ما يبثه إعلام المعارضة بالخارج، والذي بات جزءا من ثقافة ووعي المصريين البسطاء، وهم من خرجوا رغم القبضة الأمنية في مظاهرات نادرة من قلب الريف في سبتمبر/أيلول الماضي للمطالبة برحيل السيسي.
نور الذي يترأس مجلس إدارة قناة الشرق الفضائية، قال في حديثه للجزيرة نت إن مصر تحتل المرتبة الثانية على قائمة الدول العربية الأكثر امتلاكا للقنوات الفضائية، بامتلاكها بشكل مباشر وغير مباشر، نحو 98 قناة تلفزيونية تديرها وتمتلك بعضها الأجهزة المخابراتية والأمنية، التي انتقلت إلى ممارسة هذا الدور في العلن خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن قنوات عربية تدعم نظام السيسي.
ووفق السياسي المصري المعارض، فإن نظام السيسي "يرتعد من بضع قنوات فضائية لا يتجاوز عدد أصابع اليد، على الرغم أن حجم إنفاقها ربما يكون أقل من حجم إنفاق قناة واحدة من تلك القنوات المؤيدة له، لأن الصدق يهزم مليارات يضخها تحالف أعداء الشعوب، ويهزم كل محاولات التشويه والنيل من أصحاب الرأي".
نظام هش
من جهته، قال أحمد عبد العزيز -المستشار الإعلامي للرئيس الراحل محمد مرسي- إن السيسي كأي دكتاتور مستبد، يدير دولته بالتخويف والتجهيل الدائمين، ومن ثم فهو منزعج جدا من إعلام الخارج المعنيّ بالشأن المصري.
وأضاف عبد العزيز في حديثه للجزيرة نت، أن المصريين يرون أنفسهم في هذا الإعلام ويسمعون صدى صوتهم، ويتفقدون أوضاعهم وأحوالهم، وليس تلك التي يسمعون عنها في إعلام الانقلاب، والذي يبدو وكأنه يتكلم عن شعب آخر ودولة أخرى.
وتابع المستشار السابق للرئيس الراحل "كان من البديهي أن يتوجه الشارع المصري لمتابعة ذلك الإعلام النابض بهمه ووجعه، الأمر الذي من شأنه أن يزعج السيسي ونظامه أشد الإزعاج، ويولد لديه شعورا بالفشل في السيطرة على الشعب وإقناعه بأكاذيبه التي لا تنتهي، لأنه نظام هش".
السيسي وإعلام الخارج
الفضل في نجاح إعلام الخارج في التأثير على المصريين يعود إلى الدكتاتور السيسي الذي يحجب الحقائق، ويقول للمصريين لا أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، هذا ما ذهب إليه الكاتب الصحفي المعارض أبو المعاطي السندوبي.
السندوبي المقيم خارج مصر، أوضح في حديثه للجزيرة نت أن لا أحد داخل مصر يستطيع انتقاد سياسات النظام سواء الاقتصادية أو الحقوقية أو السياسية، مضيفا "الشيء الوحيد الذي نجح فيه السيسي، هو جعل الإعلام في مصر هو إعلام الصوت الواحد، الذي يعبر عن رؤية السيسي فقط، ويبرر كل أخطائه وجرائمه".
وكشف الصحفي المصري أن السيسي ليس متابعا لإعلام الخارج فقط، وإنما يحلله أيضا، ويدرك مدى تأثيره وقوته من خلال متابعته الشخصية، وما تقدمه الأجهزة المخابراتية والأمنية من تقارير، مشيرا إلى أنه كلما زادت الاحتجاجات الداخلية المعارضة له، زاد هجومه على إعلام وصحافة الخارج.
وأكد السندوبي أن أوضاع المصريين المتردية -اقتصاديا وحقوقيا وسياسيا- تؤكد "زيف ادعاءاته وكذبه فيما يتعلق بإنجازاته التي يتحدث عنها، ولو كانت ذات أثر، لما عدّدها في كل مناسبة".
لكن السندوبي أشار إلى أن إعلام المعارضة في الخارج لم ينجح بعد في الانتقال من مرحلة رصد الواقع ورد الفعل إلى مرحلة الفعل الذي ينبغي أن يحدث.