تركيا لم تغب كليا.. مصر تكشف اتفاقها مع اليونان في البحر المتوسط

السيسي تجاهل نصائح أجهزته بشأن الاتفاق مع اليونان (الجزيرة)
السيسي تجاهل نصائح أجهزته بشأن الاتفاق مع اليونان (الجزيرة)

فتح نشر الجريدة الرسمية المصرية نص اتفاق تعيين الحدود البحرية بين مصر واليونان الباب أمام تساؤلات عديدة بشأن تعمد الغموض والتكتم لأكثر من شهرين، خاصة أنه تبين أن الاتفاق جزئي وليس كليا، على عكس ما كان يتردد في وسائل الإعلام المصرية التي وصفت الاتفاق بالضربة القاضية لتركيا في منطقة شرق المتوسط.

وتضمن الاتفاق مفاجأتين، الأولى أنه "تعيين جزئي للحدود البحرية بين مصر واليونان"، وأنه سيتم "استكمال التعيين حيثما كان ذلك مناسبا فيما بعد النقطة "إيه" (A) والنقطة "إي" (E) من خلال المشاورات".

والمفاجأة الثانية أن الاتفاق شمل بندا يسمح بتعديله مستقبلا إذا دخلت إحدى الدولتين الموقعتين في مفاوضات مع "دول أخرى تشترك مع الطرفين في مناطق بحرية، فإن قبل ذلك الطرف -قبل التوصل إلى الاتفاق النهائي مع الدولة الثالثة- يجب أن يخطر الطرف الأول ويتشاور معه".

ولم يعلق الإعلام المصري على فحوى نص الاتفاقية التي تم الكشف عنها للمرة الأولى، وفتحت الباب أمام إمكانية تعديل الحدود البحرية بين الدول المجاورة لمصر واليونان مثل تركيا وليبيا، واكتفى بنشر خبر تصديق الرئيس السيسي عليها ونشره في الجريدة الرسمية.

مصلحة مصرية

يأتي الاتفاق المصري اليوناني الجزئي في سياق اتفاق مماثل وقعته تركيا وليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 لتعيين الحدود البحرية بينهما، مما أثار غضب القاهرة واليونان، وأعربتا وقتها عن رفضهما له جملة وتفصيلا.

وأعلنت وزارة الخارجية التركية رفضها الاتفاقية اليونانية المصرية، وقالت في بيان إنه "لا توجد حدود بحرية بين اليونان ومصر"، مؤكدة أن "ما تسمى اتفاقية ترسيم مناطق الصلاحية البحرية الموقعة بين مصر واليونان باطلة بالنسبة إلى تركيا".

لكن أنقرة أكدت أكثر من مرة أن مشكلتها مع اليونان وليس مصر التي لم تتعد على حدود تركيا البحرية، كما كررت التأكيد على أن مصلحة مصر تقتضي ترسيم الحدود مع تركيا، لأن ذلك يمنح القاهرة مساحة أكبر في المنطقة الغنية باحتياطيات الطاقة.

وفي يونيو/حزيران الماضي قال موقع "مدى مصر" إن "وزارة الخارجية وجهاز المخابرات العامة المصرية يضغطان على الرئيس المصري لقبول الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا في هدوء، إذ إنه سيمنح القاهرة امتيازا بحريا ضخما في المفاوضات البحرية المتعثرة مع اليونان".

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي نشرت قناة الجزيرة مباشر وثائق حصرية تكشف تجاهل السيسي توصية الخارجية المصرية برفض الطرح اليوناني لتعيين الحدود البحرية، خاصة أن تمسك اليونان برؤيتها يؤدي لخسارة مصر 7 آلاف كلم مربع من مياهها الاقتصادية، كما يؤثر على أحقية مصر في تعيين الحدود مستقبلا مع تركيا.

وفي 19 سبتمبر/أيلول الماضي كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن وجود مباحثات مع مصر في هذا الصدد.

وفي رده على سؤال بشأن وجود اتصالات مع مصر فيما يتعلق بتحديد مناطق الصلاحية البحرية بين البلدين، قال الرئيس التركي إن "هناك العديد من التطورات المختلفة هنا، على سبيل المثال إجراء محادثات استخباراتية مع مصر أمر مختلف وممكن، وليس هناك ما يمنع ذلك، لكن اتفاقها مع اليونان أحزننا".

على الجانب الآخر، تواصلت جهود التقارب بين تركيا واليونان في الشهر ذاته، وقالت الحكومة اليونانية إن هناك احتمالا للتواصل بين الرئيس التركي ورئيس الوزراء اليوناني، في الوقت الذي رحبت فيه المفوضية الأوروبية باستئناف المفاوضات بين البلدين.

أفق جديد

ويؤكد عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى المصري السابق محمد جابر أنه "لا يمكن أن يتم ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان بشكل كلي، نظرا لوجود دولتين لهما حدود مشتركة مع البلدين، وهما تركيا وليبيا".

وفي حديثه للجزيرة نت، أضاف جابر أن أي ترسيم لا يمكن أن يتم بشكل نهائي إلا بعد الترسيم بين الدول الأربع: مصر وتركيا وليبيا واليونان، نظرا لوجود حدود مشتركة بين جميع تلك الدول المتجاورة، وهو ما ألمح إليه نص الاتفاقية.

واستنتج البرلماني المصري السابق أنه بذلك يظل الباب مفتوحا للترسيم، بل ويصبح الترسيم بين مصر واليونان مؤقتا، لأنه في حال الترسيم بين تركيا واليونان ربما تصبح اتفاقية الترسيم بين مصر واليونان لا قيمة لها.

ملاحق سرية

من جهته، قال عصام عبد الشافي أستاذ العلوم السياسية رئيس أكاديمية العلاقات الدولية إن السيسي يناور في كل الملفات السياسية التي يتعاطى معها، وأعتقد أن كل تصريحاته ومواقفه أو حتى ما يصدر عن أذرعه من بيانات وتصريحات غير دقيق.

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد عبد الشافي أنه من الوارد جدا أن تكون هناك ملاحق سرية لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي قام بالتوقيع عليها كما حدث في تيران وصنافير، وكما حدث في إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة.

وأضاف أن مبارك كان يتحفظ على التوقيع مع اليونان، لأنه يعلم حجم الخلاف بينها وبين تركيا في المناطق المشتركة، وكان حريصا على علاقاته مع الدولتين، لكن السيسي على عكس مبارك، يمكن أن يتنازل عن كل شيء، فقط للحفاظ على شرعية نظامه في مواجهة الداعمين له، ومن بينهم اليونان التي تشكل أهم أوراق ضغطه في مواجهة تركيا.

وختم عبد الشافي بالقول: لذا لا يجب الرهان كثيرا على قضية الترسيم الجزئي أو الكلي، فرعاة السيسي الإقليميين يتبنون الكثير من السياسات التدميرية للدولة التركية، ولا أعتقد أنهم سيفتحون المجال لها للحصول على أي مكاسب في البحر المتوسط.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المصالح الاقتصادية أم المكايدة السياسية أم كلاهما؟ ربما يكون هذا السؤال الأدق بشأن الجدل الذي أثاره توقيع مصر لاتفاقية الحدود البحرية مع اليونان بما يضر تركيا ويخصم من حقوق مصر في غاز المتوسط.

10/8/2020
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة