معجزة الصين.. هكذا تحققت نبوءة التنين في 7 عقود

عام 1949 أعلن ماو تسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية على أنقاض الجمهورية الصينية (رويترز)
عام 1949 أعلن ماو تسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية على أنقاض الجمهورية الصينية (رويترز)

الصين.. هناك في شرق الكرة الأرضية تمتد جغرافيتها بما يتسع لعدد سكانها، وعلى قدر امتداد تاريخها بقي سورها العظيم يلفها ويدفع عنها الغزاة ويحميها، كانت دلالته الرمزية في خلود البلاد للعزلة والحياد أوضح، لكن كما بدا فقد كان ذلك السكون الباعث على التأمل -كما في الثقافة البوذية- استعدادا لانطلاقة على بصيرة.

في 1 أكتوبر/تشرين الأول 1949 أعلن ماو تسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية على أنقاض الجمهورية الصينية، وأطلق على البلاد أيضا اسم "الصين الشيوعية" أو "الصين الحمراء".

وبعد اكتمال العقد الثالث لقيامها كانت "نبوءة" القائد دينغ شياو بينغ أن "البلاد تحتاج إلى نصف قرن لاستكمال عملية التحديث والسيطرة السياسية والاقتصادية".

بدأ دينغ شياو بينغ في أواخر السبعينيات من القرن الماضي في إرسال البعثات إلى البلاد الغربية، لتعلم الهندسة والاقتصاد وطرق الإدارة الحديثة بغرض التطوير الإقتصادي في البلاد.

آمن أبناء الشعب بنبوءة القائد وانطلقوا، فما هي إلا عقود قليلة حتى تحولت الصين من دولة معزولة إلى واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في العالم، ولتصبح كما أطلق عليها ديفيد مان كبير الاقتصاديين الدوليين في بنك ستاندرد تشارترد (Standard Chartered) "ورشة العالم، وأكبر المعجزات الاقتصادية في التاريخ".

قلق الناتو

في العاصمة البريطانية لندن العام الماضي، وخلال اجتماع قادة حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) بمناسبة مرور 70 عاما على تأسيسه كان ملف صعود الصين حاضرا لأول مرة على جدول أعمال القمة.

سبق القمة تحذيرات من مايك بنس نائب الرئيس الأميركي قال فيها "إن الصين تسعى للسيطرة على 90% من الصناعات الأكثر تقدما في العالم، بما فيها صناعات الروبوت والتقنيات البيولوجية والذكاء الاصطناعي، ويتضمن ذلك تكنولوجيا الجيل الخامس كجزء من خطتها الهادفة إلى أن تصبح القوة العظمى المسيطرة على العالم في القرن الـ21".

في هذا التقرير نلقي نظرة بالأرقام والبيانات على أهم المنجزات التي حققتها الصين بعد 7 عقود على إعلان قيام دولتها الحديثة:

المارد الاقتصادي يتململ

مرت الصين بمرحلة انتقالية، من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد مختلط مع بيئة سوق مفتوح على نحو متزايد، وهو نظام أطلق عليه رسميا من قبل الحزب الشيوعي الصيني "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، وكانت هذه بعض نتائج ذلك التحول:

  •  في تسعينيات القرن الماضي بلغت نسبة نمو الاقتصاد الصيني مستويات قياسية، وانضمت البلاد إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، مما منح اقتصادها دفعة إضافية.
  • في عام 1985 بلغت قيمة صادرات الصين 25 مليار دولار، ولم تكن تشكل أكثر من 1% من حجم التجارة العالمية، وبعد عقدين فقط ارتفعت قيمة الصادرات الصينية إلى 4.3 تريليونات دولار.
  • أما اليوم فتعتبر الصين أقوى محرك للنمو للاقتصاد، وتسهم بـ35% من النمو الاقتصادي العالمي، كما أن أهميتها للنمو العالمي تبلغ 3 أضعاف أهمية الولايات المتحدة.
  • الناتج المحلي الإجمالي بحسب "فاكت بوك/ سي آي إيه" (CIA) يساوي 13.1 تريليون دولار.
  •  يقول تقرير للبنك الدولي إن أكثر من 850 مليون صيني تمكنوا من الخروج من دائرة الفقر، وإن البلاد تسير حثيثا للتخلص من الفقر بشكل كلي في هذا العام.
  • البطالة لا تتجاوز 4%، والأمية لا تتجاوز 3% من عدد السكان.
طريق الحرير (الجزيرة)

مبادرة الحزام والطريق

تقدم الصين للعالم مشروع مبادرة الحزام والطريق، والذي يعتبر عالميا المحرك الأساسي لسياسة بكين داخليا، ولدبلوماسيتها خارجيا، وهو المشروع الأساس للرئيس الصيني شي جين بينغ.

ويعتبر المشروع أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية، ويسعى إلى ربط نصف سكان الأرض تقريبا ببعضهم البعض، ودمج خُمس الناتج الوطني الإجمالي العالمي من خلال تأسيس ارتباطات تجارية واستثمارية تمتد إلى كل زوايا الكرة الأرضية.

وتهدف المبادرة إلى ربط العالم بالصين بطرق ومسارات للتبادل التجاري والسياسي، لتكون بمثابة هجوم اقتصادي ناعم سيحمل في طياته مخاوف سياسية وأمنية لقوى إقليمية ودولية كثيرة، ويعتمد نجاحه على قدرة الصين على طمأنة جوارها الإقليمي والمجتمع الدولي بأن مبادرتها فعلا للكسب المشترك.

نفوذ التنين

انتهجت بكين سياسة خارجية قائمة على مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى" الذي ظهر منذ العام 1954، لكن الصين باتت حاليا قوة مختلفة كثيرا عما مضى مع امتلاكها أكبر جيش في العالم وثاني أقوى اقتصاد.

ويعتمد نفوذ الصين الدولي على قوتها الاقتصادية، كما أنها تفتقر حتى الآن إلى "الرغبة في الهيمنة"، وهو الإحساس المرتبط بوجود مهمة خارجية، لكن كيري براون مدير معهد "لاو تشاينا" التابع لكينغز كوليدج في لندن يقول إنه "لا يمكن للفيل أن يتظاهر بأنه فأر"، لذا يرى مراقبون أنه من المتوقع أن تلعب بكين دورا دوليا أكثر نشاطا فيما يشبه بشكل متزايد دور الولايات المتحدة.

الصين في آسيا

تشكل الصين شريكا تجاريا مهما لمعظم دول آسيا، بما فيها دول منظمة آسيان والهند وباكستان ودول آسيا الوسطى، امتدادا إلى المنطقة العربية ودول الخليج.

وتنتاب الولايات المتحدة هواجس كبيرة بشأن التوسع الصيني في آسيا وفي مناطق المحيطين الهادي والهندي، وتعتبر واشنطن -وفقا لتقارير نشرتها صحف أميركية- أن الاستثمارات الصينية المطروحة في مبادرة الحزام والطريق ما هي إلا قناع لتوسع عسكري.

وتشير التقارير إلى أن الولايات لم تعد تتمتع بالتفوق العسكري هناك، وأن قدرتها على "الاحتفاظ بتوازن القوى لصالحها أصبحت محل شكوك متزايدة، وأنها تعاني في الدفاع عن حلفائها أمام الصين".

ومع ذلك، تسعى الصين إلى عدم حدوث أزمة في المنطقة، لكن إذا حدثت فإن هدف بكين سيكون منع القوات الأميركية من الوصول إلى منطقة "سلسلة الجزر الأولى"، وهي منطقة بحر جنوب الصين التي يحدها خط يبدأ من جنوب اليابان، مرورا بتايوان وغرب الفلبين.

الصين وأفريقيا

نمت التجارة بين الصين والقارة السمراء من 10 مليارات دولار عام 2000 إلى 190 مليارا بحلول عام 2017.

وتشير التقديرات إلى أن 12% من الإنتاج الصناعي لأفريقيا (500 مليار دولار سنويا) تتولاه شركات صينية، وأعفت دولا أفريقية محددة من سداد ديونها المستحقة لعام 2018.

وفي التقرير الصادر عن المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية، فإن بكين تدير حوالي 2500 مشروع تطوير وأعمال مدنية ومشاريع إنشائية بقيمة 94 مليار دولار في 51 دولة أفريقية.

ولا يقتصر الجهد الصيني في أفريقيا على التغلغل الاقتصادي، فبكين تعمل على استخدام أدوات قوة ناعمة ثقافية ودبلوماسية، فهي تمنح الطلبة الأفارقة فرصة جيدة للدراسة في الصين، كما تأتي إليهم في عقر دارهم فتنشر معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في المدن الأفريقية.

وتنظر الصين بأهمية إلى هذه القارة التي توفر 10% من الاحتياطات العالمية من النفط، و8% من احتياطات الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى أنها تنتج 80% من بلاتين العالم، وأكثر من 40% من ماسه، و20% من الذهب والكوبالت.

النبوءة قالت إن البلاد تحتاج إلى نصف قرن لاستكمال عملية التحديث والسيطرة السياسية والاقتصادية (رويترز)

إستراتيجيات الصين في أوروبا

عملت الصين في أوروبا وفق إستراتيجيات محددة قامت على التعامل مع كل دولة على حدة وليس مع الاتحاد الأوروبي باعتباره كيانا اقتصاديا كاملا، وبذلك تضمن شركات الحكومة الصينية التعامل بالقوانين المحلية للدول.

كما لجأت بكين إلى تعيين كوادر ليبرالية ذات تاريخ سياسي قوي في كيان الاستثمار الصيني بأوروبا، ومن أبرز تلك الوجوه -وفق تقارير صحفية- رئيس وزراء بريطانيا السابق ديفيد كاميرون، ورئيس وزراء فرنسا الأسبق جان بيير رافاران، وفيليب روسلر نائب المستشارة الألماني السابق.

وأخيرا، سعت الصين إلى توفير الدعم الاقتصادي الكبير للدول الأوروبية التي تعاني من تعثر اقتصادي، وبذلك استطاعت أن تضمن أصواتا داعمة لها داخل منظومة الاتحاد الأوروبي.

ومنذ عام 2008 انطلقت الحكومة الصينية عبر مجموعة من رجال الأعمال الصينيين الذين يمتلكون شركات مدعومة بشكل أو بآخر من الحكومة للاستثمار في القارة الأوروبية، وخلال 10 سنوات فقط تمكنت تلك الشركات من إبرام 678 صفقة في 30 دولة أوروبية.

وتمكنت الاستثمارات الصينية من السيطرة على 360 شركة، بدءا من شركات التكنولوجيا في الغرب ومشاريع البنية التحتية في الشرق، مرورا بالقطارات والمطارات والموانئ وفرق كرة القدم ومشاريع توليد طاقة والمحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية وشركات الإطارات.

التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة (الجزيرة)

في العلاقة مع واشنطن

محور الصراع بين بكين وواشنطن على من يكون القوة العظمى عالميا في مجال التكنولوجيا، حيث إن الأمر يرتبط بالتسليح والبنية التحتية وصولا إلى الذكاء الاصطناعي والروبوتات والحواسب العملاقة والسيارات ذاتية القيادة، أي باختصار كل ما يتعلق بحياة الإنسان.

وتكشف بيانات مكتب الإحصاء الأميركي أن الميزان التجاري بين البلدين يميل لصالح الصين، إذ بلغت الواردات الأميركية من الصين خلال الربع الأول من العام 2019 نحو 106 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة الصادرات الأميركية للصين حوالي 26 مليار دولار.

وبلغت قيمة الواردات الأميركية من الصين نحو 540 مليار دولار في 2018، أي أن الولايات المتحدة تستورد بضائع بما قيمته 1.5 مليار دولار يوميا من الصين، فيما كانت الصادرات الأميركية للصين أكثر من 120 مليار دولار.

المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة