فرنسا تكرم جزائريين ساعدوها في احتلال بلادهم

بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي لتكريم الجزائريين الذين حاربوا في صفوف الجيش الفرنسي خلال احتلال بلادهم والذين يطلق عليهم اسم "الحركيين" أعلنت وزيرة الدولة للجيوش الفرنسية جنفياف داريوسيك أمس الثلاثاء تدابير جديدة للتكريم.
وبعد إقرار فرنسا قبل حوالي أسبوعين بأنها أنشأت خلال حرب الجزائر (1954-1962) نظاما استخدم فيه "التعذيب" أعلنت الحكومة مبادرة جديدة تهدف إلى "العمل على تصفية الذاكرة" حول هذه الصفحة الأليمة من التاريخ الفرنسي.
وخلال حفل رسمي أقيم في باحة الشرف التابعة لمجمع "ليزينفاليد" العسكري أمس، كشفت الوزيرة عن "خطوات جديدة على صعيد الاعتراف والتعويض والتضامن حيال الحركيين" تستند إلى تقرير سلمته مجموعة عمل نهاية يونيو/حزيران الماضي.
وقالت "إن الجمهورية ترفع تكريما رسميا للذين تخلت عنهم فرنسا، فتعرضوا لأعمال انتقامية عنيفة أو عرفوا الأسوأ، وهي تذكر كل الذين اضطروا لمغادرة بلادهم وكانوا يأملون أن تستقبلهم الجمهورية بأخوّة لكنهم واجهوا النسيان أو العداء".
وأقرت الوزيرة بأن بلادها "قصرت في واجبها بتأمين الحماية للذين وضعوا ثقتهم فيها".
وتنص "خطة الحركيين" الجديدة على تخصيص 40 مليون يورو على أربع سنوات لرفع معاشات المقاتلين القدامى، ومساعدة أولادهم الذين يعيشون في ظروف مالية هشة.
وأوضحت الوزارة أن التدابير المتعلقة بـ "الجيل الثاني من الحركيين" ستترافق بمساعدة تفصل بحسب احتياجات كل منهم لمواكبة عودتهم إلى العمل، وقد تشمل بضع آلاف الأشخاص من أصل 80 إلى 100 ألف "يندمج غالبيتهم الكبرى بشكل ممتاز".
"تضميد الذاكرة"
وتعتزم الحكومة أيضا القيام بعدة مبادرات "لتضميد الذاكرة" تتعلق بالاعتراف بمصير الحركيين، ومنها تنظيم "معرض وطني ضخم حول التزام الحركيين". وبهذا السياق، أعلنت داريوسيك عن تنظيم "حفل تكريم استثنائي تحت إشراف رئيس الجمهورية خلال الأشهر المقبلة".
وقام ماكرون الجمعة بترقية مقاتلين سابقين من الحركيين وممثلي جمعيات إلى درجة جوقة الشرف برتبة فارس، وهي أعلى رتبة تكريم تمنحها الدولة.
وهذه ليست أول مرة يُكرم فيها حركيون، فقد شهدت فرنسا مبادرات مماثلة عامي 2011 و2014 لكنها المرة الأولى التي يشمل التكريم فيها هذا العدد الكبير، وفق وزارة الجيوش.
وشملت الترقية لأول مرة أبناء حركيين (16 من أصل 37) تم تكريم أعمالهم ومسارهم الشخصي.
وقالت فاطمة بسنسي لانكو التي شملها التكريم "فكري يتجه نحو كل عائلات الحركيين الذين عانوا أولاً بالجزائر ثم فرنسا. أهدي وسام الشرف إلى جدَّي اللذين قاتلا في الحرب الكونية الأولى وحازا على ميدالية عسكرية واختفى أحدهما بظروف مأساوية عام 1962″.
وقبل ماكرون، اعترف فرنسوا هولاند عام 2016 بـ "مسؤوليات" فرنسا في "التخلي" عن الحركيين. غير أن بعض أفراد هذه المجموعة يعتبرون هذه الخطوات غير كافية ويطالبون بتعويضات أكبر.
وقال محمد بادي من "لجنة الارتباط الوطنية للحركيين" إن هذه الإعلانات "لا تناسبنا إطلاقا، ونريد مع رؤساء الجمعيات الآخرين الذهاب إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للحصول على قانون اعتراف وتعويض مالي مناسب هذا اليوم مجرد تمويه لإخفاء أسباب استيائنا المطلق".
وقد حارب الحركيون في صفوف القوات الفرنسية ضد المقاتلين من أجل تحرير الجزائر، في حرب غير متكافئة اتسمت بالوحشية وشهدت تفجيرات وعمليات تعذيب وخطف.
وخدم 150 ألف "حركي" بصفوف القوات الفرنسية، لكنهم بعد انتهاء الحرب جردوا من أسلحتهم وتُرك القسم الأكبر منهم (ما بين 55 و75 ألفا بحسب المؤرخين) في الجزائر حيث اعتبروا خونة وتعرضوا لعمليات انتقامية.
وتمكن نحو 60 ألفا من الوصول إلى فرنسا ضمن موجة العائدين من المستوطنين الفرنسيين المولودين بالجزائر والذين يعرفون بـ "الأقدام السوداء" لكنهم واجهوا ظروفا من البؤس بدون فرص حقيقية للاندماج.