المدينة القديمة بالدار البيضاء.. رعب الانهيار والانتظار

الحياة ببيوت تحتضنهم، توقفت في لحظة انطلق فيها تساقط جدرانها تباعا عصر السبت الماضي
أمل السكان بعد النجاة من الانهيارات أن تساعدهم الحكومة على الانتقال إلى بيوت آمنة (الجزيرة)

عزيزة بوعلام-الرباط

كان كل شيء يبدو طبيعيا في حياة لطيفة أجماني، إحدى سكان المدينة القديمة بمدينة الدار البيضاء المغربية، فالروتين نفسه يتكرر ببيتها القديم.. لكن فجأة كل شيء توقف بعد انهيار جدران البيت تباعا عصر السبت الماضي بعد هطول الأمطار غير المسبوق الذي شهده المغرب في الآونة الأخيرة.

الفرحة التي شعرت بها لطيفة -المرأة الخمسينية- في تلك المدة بعد نجاة عائلتها من الموت تحت الأنقاض، تحولت اليوم إلى عبء جديد يجثم على أنفاسها. فاليوم تجمعها وأسرتها خيمة بسيطة من قماش، إلى جانب ضحايا الانهيارات الذين تزدحم بهم خيام الإيواء على أنقاض بيوتهم المهدمة.

"لقد نجوت وجيراني من حادث انهيار منازلنا، لكن طيف الموت يحوم فوق المنازل المتصدعة"، هكذا تصف لطيفة الوضع، وتحكي كيف تهدم بيتها وكيف نجحت في حمل بعض من متاعها الذي وصلت إليه يداها لحظات قبل الانهيار. وكل أملها الآن هو ترحيل سريع لمسكن آمن ينتشلها من الرعب الذي قدر أن تعيش يومياته في الشارع.

الرعب يسكن قلوب سكان المدينة القديمة من انهيارات المنازل المتصدعة التي لم تنهر بعد (الجزيرة)
الرعب يسكن قلوب سكان المدينة القديمة من انهيارات المنازل المتصدعة التي لم تنهر بعد (الجزيرة)

الموت يلاحق الأحياء
تقول لطيفة وكأن أرواح من ماتوا من جيرانها تبعث حية في دموعها وفي صوتها الحزين، هنا "دفن العشرات من ساكنة المدينة القديمة، قضوا نحبهم تحت ركام الانهيارات، ولا تزال قصصهم تجترها ذاكرة تأبى النسيان".

تاريخ "الفواجع" لا يزال مكتوبا على أطلال منازل سقطت فجرحت وقتلت، وأخرى تفاقم شرخها وتعددت شقوقها، قائمة بين بقايا بنايات مهدمة، يقول ساكنوها إنهم تعودوا النطق بالشهادتين كلما أووا إلى فرشهم، يواجهون بها الموت وهم مضطرون، لأنهم ببساطة لا يملكون مكانا آخر يذهبون إليه.

يوسف، أحد الضحايا، جلس على ركام بيته يفكر، هل ينتظر الحل الموعود منذ سنوات طويلة بالترحيل إلى مسكن آمن يتنفس فيه الحياة، أم يبقى وسط الخراب شاهدا على فواجع أخرى؟

إعلان

منذ أكثر من ثماني سنوات تلقت عائلة يوسف إخطارا من محافظة المدينة بإخلاء بيته المصنف في الخانة الحمراء، أي آيل للسقوط.. لكنه فضل البقاء محتميا به من التشرد، لأنه لا يملك مبلغ 20 ألف دولار، ثمن الاستفادة من شقة ضمن المشروع المخصص لإعادة إيوائهم دون أي تعويض عن الضرر، كما يقول في حديث للجزيرة نت.

"سلطات المدينة لا تملك حلا، فهي تطالبنا بالرحيل من بيوتنا التي نعيش فيها منذ أزيد من عشر سنوات، لكن إلى أين؟" يتساءل يوسف بحرقة.

المدينة القديمة استفاقت غير ما مرة على فواجع انهيارات منازل على رؤوس قاطنيها (الجزيرة)
المدينة القديمة استفاقت غير ما مرة على فواجع انهيارات منازل على رؤوس قاطنيها (الجزيرة)

الرحيل.. إلى أين؟
قصة يوسف واحدة من بين مئات القصص التي يعيشها السكان بالمدينة العتيقة، التي استفاقت غير ما مرة على فواجع الانهيارات، حيث دكت منازل وتهاوت على رؤوس قاطنيها. وتتتابع هذه القصص كأنها رواية واحدة بفصولها المتعددة.

تتوصل عشرات العائلات بقرارات تقضي بمغادرة منازلها المهددة بالانهيار، وتصل حسب إحصاءات رسمية إلى ما يقارب 2870 منزلا يعود تشييدها إلى أكثر من قرن، ويقطن بها حوالي 72 ألف أسرة.

وترفض الساكنة الترحيل لعدم قدرتهم على أداء مستحقات البيوت الاقتصادية للبسطاء، ويطالبون بحل جذري يخلصهم من كابوس الانهيارات المفاجئة والمتوالية التي تواصل حصد أرواح السكان.

يزداد غد هؤلاء قساوة في ظل قول عبد الحق الناجحي رئيس بلدية سيدي بليوط، التي تقع المدينة القديمة ضمن ترابها، إن الخبرة التقنية السابقة التي صنفت الدور إلى ثلاث درجات يتم على أساسها إعادة إيواء قاطنيها، أصبحت غير ذات جدوى، مؤكدا أن المباني الآن في وضعية خطرة.

ولذلك السبب، شدد الناجحي على ضرورة المساواة في الاستفادة من السكن، ومراجعة المبالغ المفروضة على المستفيدين الذين ولدوا وعاشوا في هذه المنطقة، والذين لا تسمح لهم أوضاعهم المادية بتوفير المبلغ المطلوب.

وإلى حين وجود مخرج لهذا الملف، يستمر انتظار "لطيفة" وجيرانها، ويستمر خوفهم من الانهيار.

المصدر: الجزيرة

إعلان