الحوار مع المسلحين.. رفقة الشيطان لعبور الجسر

المحفوظ فضيلي
فمن بوابة العمل الدبلوماسي منذ أواخر السبعينيات، شارك باول في العديد من المفاوضات، ثم عمل رئيسا لمكتب رئيس الوزراء توني بلير، وطيلة عقد كامل (1997-2007) كان كبير المفاوضين باسم بلاده في أيرلندا الشمالية، وبعد مغادرة 10 دوانينغ ستريت، أصبح وسيطا دوليا يجوب العالم في سبيل تسوية بعض الصراعات المسلحة.
لا يخفي المؤلف أنه في أول اتصالاته مع الجيش الجمهوري الأيرلندي رفض مصافحة بعض قيادييه لاعتبارات شخصية، حيث إن والده أصيب برصاص ذلك التنظيم عام 1940، وكان شقيقه الأكبر على رأس قائمة اغتيالات الجش الأيرلندي عندما كان موظفا في فريق رئيس الوزراء مارغريت تاتشر.
ويعترف المؤلف لاحقا بأن ذلك الموقف لم يكن سليما، حيث تطورت الأمور إلى اقتناع قوي بأن الحوار هو السبيل الصحيح للتعاطي مع مطالب الجيش الأيرلندي، رغم ما يكتنف ذلك المسار من تحديات وصعوبات، وما ينطوي عليه من مزالق ومفارقات.
يقول الكاتب إن "الحوار مع الإرهابيين والمسلحين سيكون دائما صعبا عمليا، وأخلاقيا سيظل محفوفا بالمخاطر، ولكنني أعتقد جازما بأنه السبيل الوحيد". ولتأكيد قناعته يسوق مثلا بلقانيًّا كان مفضلا للرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت يقول "يجوز لك في ساعات الخطر المحيق أن تمشي مع الشيطان ريثما تجتاز الجسر".

عين الصواب
وانطلاقا مما بات يعتبره "عين الصواب بالنسبة للحوار مع الإرهابين"، ومن عصارة تجربته في قيادة التفاوض مع الجيش الجمهوري الأيرلندي، كان جوناثان باول من أوائل من نادى بالحوار مع حركات حماس وطالبان وتنظيم القاعدة وغيرها من الحركات في العالم الإسلامي.
ولا يستبعد المؤلف أيضا ضرورة الحوار مع تنظيم الدولة الإسلامية بالنظر لما يتمتع به من دعم سياسي لأنه في نظره "لم يكن من الممكن لألف من مقاتلي التنظيم أن يدخلوا مدينة الموصل ويحتلونها إذا لم يكن سكانها يخافونهم أقل مما يخافون القوات الطائفية التابعة لدولة يسيطر عليها الشيعة".
واستنادا لتجربته الطويلة في التعامل مع النزاعات المسلحة، تم تعيين جوناثان باول عام 2014 مبعوثا خاصا للحكومة البريطانية إلى ليبيا للمساهمة في بناء استقرارها وفض النزاع المتفاقم فيها، في خضم موجة الربيع العربي ورحيل العقيد معمر القذافي.
ومن العاصمة طرابلس، انبثقت فكرة ترجمة الكتاب إلى لغة الضاد لتيسير إطلاع القارئ العربي على ما يحفل به من أفكار وتجارب ونماذج ودروس في حل النزاعات المسلحة، وصدرت النسخة العربية منتصف العام الماضي بتوقيع عاشور الشامس عن دار العرب للنشر والتوزيع.
في هذا الكتاب يتصدى المؤلف لجوهر إشكالية التعامل مع ظاهرة الإرهاب والجماعات المسلحة: هل بالمواجهة المسلحة أم بالحوار والتفاوض؟ ويقر بصعوبة الموضوع في ظل غياب اتفاقية دولية حول مفهوم الإرهاب، وعدم حسم المحللين حول سؤال: من الإرهابي ومن المقاتل من أجل الحرية؟
لكن المؤلف يقترح تعريفا عمليا للإرهابيين يقصد به "الجماعات التي تتحرك خارج الدولة وتستمتع بقدر من الدعم السياسي وتلجأ بصورة متعمدة لاستعمال أسلوب الفزع والترويع للهجوم على أهداف مدنية وعسكرية لتحقيق مآربها السياسية".
وانطلاقا من ذلك التعريف، يعرج المؤلف على أساليب تسوية الكثير من الصراعات في عدة مناطق من العالم في آسيا والعالم العربي وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، مع الإشارة إلى خصوصيات كل حالة، وما تنطوي تلك التجارب من أوجه الشبه والاختلاف واستخلاص العبر والدروس منها.

تجارب الآخرين
ويحفل الكتاب بعرض عدد من تجارب التفاوض بشأن بعض النزاعات التي تهم العالم العربي، خاصة مسار الحوارات والمشاورات التي تمخضت عنها اتفاقية أوسلو عام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ولتعزيز أطروحته حول ضرورة الحوار والتفاوض، لم يكتف المؤلف بعرض العبر والتجارب التي استخلصها من مساره الخاص، بل اطلع على مفاوضات سابقة مع الجماعات الإرهابية والمسلحة، وعلى قصص ومواقف مستقاة من مذكرات لأشخاص عاشوا تلك المواقف، وكانوا أطرافا في صراعات وأزمات انفرجت عبر آليات الحوار.
كما أجرى مقابلات مع رؤساء دول سابقين وزعماء جماعات مسلحة ومسؤولين في المخابرات وعسكريين ووسطاء شاركوا في تسوية صراعات وفي عمليات السلام التي جاءت بعهدها.
ولا يدعي المؤلف أنه ألّف كتابا أكاديميا، ويقول إنه ليس رجل نظريات، وليس أكاديميا، وإنما هو رجل عملي. ويشير إلى أنه رغم وجود كتب عديدة حول نظرية التفاوض ونظريات التعامل مع الإرهابيين، فإن هناك القليل جدا حول الممارسة العملية للتفاوض المباشر مع الإرهابيين.
وهنا يقول جوناثان باول إن كتابه جاء خصيصا لملء الفراغ، ولا يستبعد أن يتطور تنقيحا وتعديلا ومراجعة ليتم إخراجه في شكل دليل مفيد للمفاوضين في المستقبل.
ومن شأن هذا الكتاب أن يكون في صيغته الحالية مرجعا للأطراف الحكومية التي يلومها الكاتب بسبب توجهها غالبا لاعتماد الأساليب نفسها، وارتكاب الأخطاء نفسها في التعامل مع الجماعات المسلحة، ويدعوها بالتالي للاستفادة من تجارب من سبقوها.