خيبات أمل عراقيين مرفوضين بفنلندا والسويد

جورج حوراني/هلسنكي-ستوكهولم
في مدينة أولو على مقربة من دائرة القطب الشمالي، ظنّ محمود الأنصاري من بغداد (٣٥ عاما) أنه سوف يبدأ حياة جديدة، لكن حلمه اصطدم بحائط مسدود بعد أن تلقى رفضا لطلب لجوئه، وهو الذي اختار فنلندا على أساس احترامها للقيم الإنسانية المشتركة.
وانتهى بهذا الشاب العراقي المطاف بعد رحلة المعابر البحرية المحفوفة بالمخاطر وحيدا يجلس على حافة الباحة الخارجية لمركز التسوق بالمدينة، وإلى جانبه حقيبة صغيرة وضع فيها قفازا وأدوية مهدئات ومضاد الاكتئاب، وأيضا خيبات الأمل.
ويروي الأنصاري معاناة أسرته التي طالت منذ زمن الحصار الاقتصادي ومن ثم الغزو الأميركي للعراق -الحدث الأكثر تأثيرا في حياته- ويقول في حديث للجزيرة نت "كنت صغيرا يومها وكان الوضع أفضل بكثير بالنسبة لأسرتي زمن حكم صدام، لقد تغير كل شيء، مات الملايين خلال الحصار".
ويردف قائلا "لقد تعرضت للسجن في بغداد على يد القوات الحكومية وخسرت العديد من أفراد أسرتي، قتلوا والدتي وفقدت أخوتي. لقد أصبحت وحيدا بلا عائلة وبلا وطن".
قرارات جائرة
وبعد أن شددت فنلندا سياسات اللجوء للحد من تدفق المهاجرين من المناطق التي مزقتها الحرب مثل سوريا والعراق، فإنه وفق قانون اللجوء السائد حاليا، ينبغي على الأنصاري وأقرانه ممن رُفضت طلبات لجوئهم من أفغان وعراقيين وصوماليين العودة لبلدانهم الأصلية، ما لم يتم استيفاء الشروط الشخصية لمنح الحماية الدولية.

ويشكّل العراقيون -الذين استوطنوا فنلندا في مدن كبرى مثل هلسنكي وتوركو وتامبري- نسبة لا تتعدى 1% من السكان الأصليين، وهم ثاني أكبر جالية عربية بعد الجالية الصومالية.
ووصل عدد كبير من العراقيين فنلندا عام 2015، وبلغ مجموع طالبات اللجوء من العراقيين حتى نهاية العام الماضي -وفق إحصاءات دائرة الهجرة- نحو 21500 طلب شكلت نسبة الطلبات المرفوضة منها ما يقارب80%.
وبات الكثير منهم -بعد إعادة دائرة الهجرة تقييم الوضع الأمني لهذا البلد- يشعرون بالخيبة والإحباط، وكان وقع خبر رفض طلبات اللجوء بالنسبة إليهم كالصاعقة لأنهم لن يكونوا في مأمن إذا ما أجبروا على العودة إلى العراق.
وأعربت أجهزة الأمن عن قلقها من اختفاء آلاف اللاجئين العراقيين في أنحاء مختلفة من البلاد دون التمكن من الكشف عن مصيرهم، كما بدأت أجهزة الشرطة بمساعدة منظمة الهجرة الدولية في تنفيذ خطط العودة القسرية للاجئين العراقيين ممن رفضوا العودة الطوعية.
وفي مشهد لم تعتد عليه هلسنكي حيث الهدوء سمة تمتاز بها، افترش العشرات من العراقيين المهددين بالترحيل الأرض بالقرب من مبنى البرلمان ونفذوا اعتصاما مفتوحا رفضا للقرارات الجائرة.
وطالب نور الدين الداود أحد منظمي الاعتصام الفنلنديين بـ "أن يخطوا خطوة إلى الأمام ليقفوا إلى الجانب الإنساني".

وقال الشاب الذي حاول إحراق نفسه نتيجة اليأس والإحباط من القهر السياسي والاجتماعي الذي تمارسه الحكومة العراقية ومن مشاعر الرفض وخيبات الأمل في بلد اللجوء في حديث للجزيرة نت "إن هناك العديد من حالات الانتحار لشباب عراقيين ممن فقد الأمل بعد قرارات الترحيل".
ووجدت أصوات المعتصمين وهتافاتهم تأييدا واسعا لأحزاب المعارضة كحزب اليسار والحزب السويدي، وكذلك حزب الخضر الذي انتقد بشدة رئيسه فيلي نينستو سياسات اللجوء المتشددة التي تنتهجها الحكومة الحالية، وطالب بإعادة تقييم الوضع الأمني في العراق.
وأعربت جمعيات من المجتمع المدني عن بواعث قلق من مخاطر الترحيل، ووصفت الناشطة الحقوقية والكاتبة مارياتا ماتساريلا قضية هؤلاء بالشائكة والصعبة، وقالت في حديث للجزيرة نت "نحن بصدد إعداد ملف متكامل تمهيدا للطعن بقرارات الرفض أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان".
حالات قتل غامضة
قد يختلف كثيرا وضع اللاجئين العراقيين في السويد عما هو الحال بالدولة الجارة فنلندا، إذ تقدر أعداد أبناء الجالية العراقية حاليا بمئتي ألف مقيم، أي ما نسبته 2% من السكان الأصليين، بعد أن فتحت السويد أبوابها واسعا أمامهم قبل 12 عاما تقريبا، كما أدى غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 إلى تدفق المزيد من العراقيين.
ويرى مراقبون أن العديد من العراقيين الذي قدموا السويد استطاعوا أن يندمجوا ثقافيا بشكل جيد، وهم يتبوؤون حاليا مراكز متقدمة في الحياة السياسية والعامة بالبلاد.

لكن مسألة الهجرة والتشدد بسياسات اللجوء شغلت الرأي العام السويدي على وقع اعتصامات نظمتها عدة جمعيات عراقية ناشطة أمام مبنى البرلمان السويدي للمطالبة بإعادة تقييم الوضع بالعراق وتسريع معاملات طلب اللجوء، في وقت شهدت عدة مدن سويدية بينها العاصمة ستوكهولم جرائم قتل طالت عراقيين كان آخرها مقتل الشاب أحمد نجم الذبحاوي (16 عاما) على يد مجهولين بمدينة مالمو التي يسكنها عدد كبير من أبناء الجالية.
وأكدت مصادر في الداخلية السويدية في اتصال مع الجزيرة نت على "متابعة التحقيقات في ما يخص الضحايا العراقيين، والعمل لملاحقة المجرمين ومحاسبتهم".
ويبدي العديد من طالبي اللجوء العراقيين الرغبة بالعودة إلى الوطن بدلا من الانتظار الطويل للحصول على تصاريح الإقامة.
ويقول سيف الذي لا يزال ينتظر جوابا من دائرة الهجرة "الاستخفاف واللامبالاة تجاه الجوانب الإنسانية بقضيتنا تدفعنا بالتفكير بالعودة بالرغم من مخاطر الموت في بلدنا".
وتفيد تقارير إعلامية أن عددا متزايدا من طالبي اللجوء العراقيين عادوا بالفعل إلى العراق بسبب طول فترات الانتظار للبت بطلباتهم والتي تستغرق أحيانا نحو أكثر من عام، وفق ما ذكرت صحيفة سودسفانسكان السويدية التي أشارت إلى انخفاض حاد في عدد طالبي اللجوء من العراقيين خلال ٢٠١٦ ومطلع العام الحالي مقارنة مع ما شهدته البلاد من تدفُق غير مسبوق للاجئين قبل عامين.
ورأى كمال علاوي الناشط العراقي في منظمة العفو الدولية-فرع ستوكهولم في حديث للجزيرة نت أن "هناك تحديات جمة أمام القادمين الجدد مرتبطة بمسألة الاندماج في المجتمع السويدي وسوق العمل".