دمشق القديمة.. من قبلة للسياح في العيد إلى مدينة منسية

دمشق – إذا دخلتها من بابها الشرقي، استقبلتك دمشق -أقدم عاصمة مأهولة- بأعمدة من الحجر الأبيض تطوي في تعريقاتها الرومانية عصائر التاريخ الممتد من القرن الثاني للميلاد إلى لحظتنا الراهنة، وإن دخلتها من بابها الشمالي رحب بك نهر بردى وقوس شامخ شاهد على المجد.
مدينة تربعت أوابدها على عرش الجمال المعماري العتيق وخلدت منازلها الدمشقية، بأبوابها المعشقة بالأصداف والمزينة بالنقوش، أبدع الأعمال الحرفية وأكثرها إتقانا على مر العصور، وأصبحت عام 2009 واحدة من أكثر المدن الآسيوية استقطابا للسياح مسجلة زيارة 6 ملايين سائح.
رونق ومكانة نراهما اليوم وقد خفت بريقهما وانطوى سحرهما في ظل ما تشهده المدينة من ترد متفاقم للواقع الخدمي وسوء إداري وكساد سياحي، إضافة لما شهدته من تحولات اقتصادية واجتماعية وما لحق بها من أضرار مادية خلال سنوات الحرب (2011 -الآن) لتبدو اليوم كمدينة مهملة بعدما كانت قبلة للسياح.
كما غابت عن دمشق هذا العام مظاهر وأجواء البهجة التي عادة ما تسبق عيد الفطر بأيام، وتتواصل طيلة أيامه، لنجد الدمشقيين وقد اكتفوا بمجيء العيد مسرة، متخلين -تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية- عن تزيين مدينتهم ابتهاجا بالعيد.

استقبال متواضع للعيد
اعتاد أهل المدينة القديمة في دمشق الاحتفاء بعيد الفطر المبارك سنويا على طريقتهم الخاصة، فتراهم يزينون أبواب وواجهات محالهم وسقوف أسواقهم بالشرائط المضاءة والأهلة الملونة قبل حلول العيد، ومع حلوله ينتشر باعة الحلويات والألعاب في الأزقة والأسواق وإلى جانبهم تُنصَب الأراجيح وغيرها من تسالي الأطفال في باحات هيئتْ خصيصا لهذا الغرض.
مظاهر مبهجة أخذت بالتلاشي تدريجيا بمرور سنوات الحرب وما خلفته -وما تزال- من بؤس وأزمات متفاقمة يصعب تجاهلها حتى أيام العيد، وسط واقع معيشي وخدمي هو الأسوأ منذ بداية الحرب.

ورغم حضور بعض المظاهر المبهجة هنا وهناك في بعض أحياء المدينة وأسواقها، غير أن عفيف (44 عاما) -صاحب محل شاورما بدمشق القديمة- يرى أن هذه المظاهر لا يمكن مقارنتها بتلك التي عهدتها سنوات السلم.
وعن هذا الفرق يقول عفيف للجزيرة نت "كانت زينة العيد فيما مضى تملأ كل مكان في المحال والساحات وعلى الطرقات، وكان الأطفال ينتشرون قبل العيد بيومين أو ثلاثة بثيابهم الجديدة ومسدساتهم الخرز (لعبة) معلنين بداية الاحتفال، وتزدحم الأسواق إلى مرحلة لا يعود بإمكان الشخص المرور منها، وتمتلئ المطاعم عن آخرها".
ويضيف "أما اليوم فإن معظم تلك التفاصيل لم تعد موجودة، فالزينة أصبحت رفع عتب لا أكثر ولا أقل، تجدها في بعض المحلات وغالبا ما تكون متواضعة، والأسواق خالية إلا من بعض الميسورين الذين جاؤوا لكسوة أنفسهم وأولادهم أو شراء حلويات العيد التي قد يصل ثمن كيلوغرامين منها اليوم إلى 150 ألفا (40 دولارا) على أقل تقدير. وبالمجمل فإن الناس ليس بمقدورهم أن يحتفلوا في هذا العيد كما يجب مع كل هذه الأزمات وذلك للارتفاع الكبير للأسعار".
ولا يقتصر هذا الغياب لمظاهر العيد ومباهجه على المدينة القديمة في دمشق فحسب، بل ينسحب أيضا على مختلف المناطق والمدن الخاضعة لسيطرة النظام نتيجة للأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد.
ففي آب/أغسطس 2021 بلغ معدل التضخم في سوريا 139.46% مسجلا نسبة غير مسبوقة، في حين تراوح سعر صرف الدولار بالسوق السوداء بين 3800 و3900 ليرة منذ مطلع العام الجاري بزيادة 11% عما كان عليه عام 2021، وهو ما ترافق مع موجة غلاء بلغت ذروتها قبل أيام من حلول شهر رمضان وما تزال مستمرة إلى الآن.

دمشق.. المدينة المنسية
تعد المدينة القديمة في دمشق أقدم مدينة مأهولة بالسكان حيث يعود تاريخها إلى ما قبل الألف السابع قبل الميلاد، حيث شهدت المنطقة الممتدة من باب شرقي شرقا إلى باب الجابية غربا على ولادة واندثار عشرات الحضارات على مر العصور، وكان من أهم تلك الحضارات الحضارتين الكنعانية والرومانية.
حضارات خلفت وراءها أوابد ومعالم سياحية أصبحت بمرور الوقت قبلة للسياح من جميع أنحاء العالم، وبلغ عدد زائري المدينة عام 2009 نحو 6 ملايين سائح أنفقوا 5.2 مليارات دولار وهو ما كان يعادل 23.8% من القطع الأجنبي بالبلاد.
ولكن مع اندلاع ثورة 2011 وما تلاها من صراع بين القوى المتنازعة، أخذ القطاع السياحي بالركود تدريجيا وتباطأت حركة السياحة حتى وصلت لحالة أشبه بالجمود تزامنا مع قرار لجنة التراث العالمي "اليونسكو" وضع منطقة دمشق القديمة على قائمتها للمواقع الأثرية المهددة بفعل المعارك في يونيو/حزيران 2013.
وتكبدت المنشآت السياحية والأعمال التجارية والصناعات والحرف التقليدية المرتبطة بالسياحة في المدينة خسارات كبرى نتيجة لهذا الركود المتسارع في القطاع، يقول للجزيرة نت إسماعيل (53 عاماً) صاحب محل أنتيكا (قطع أثرية مقلدة) بمنطقة باب شرقي "لم يدخل إلى محلي سائح أجنبي منذ 5 أعوام، واضطررت إلى بيع بعض القطع النادرة من الفضة والنحاس على مدار أعوام بأسعار بخسة لتجار محليين حتى أتمكن من تخفيف حجم الخسارة، ومع ذلك ما يزال مردود المحل لا يكفي حتى لتغطية بدل إيجاره".
ويضيف إسماعيل "إن ما يمنعني من إغلاق المحل أو تسليمه إلى الآن هو ارتباطي الوجداني بالمنطقة وتعلقي بهذه المهنة التي أعمل بها منذ 23 عاماً".
وإلى جانب هذه الخسارات التي تهدد باندثار مهن وحرف دمشقية ترجع بعضها بجذورها إلى ما قبل الميلاد، تعاني المدينة من ترد متفاقم للواقع الخدمي وإهمال إداري يجعل منها أشبه بمدينة منسية أو عشوائية حيث تنتشر الأوساخ والقاذورات في طرقاتها وأزقتها وحتى في أبرز معالمها الأثرية كقلعة دمشق نجد القمامة تملأ ممراتها الخلفية.
في حين تهدد حركة المرور العشوائية في المدينة أرضيتها الأثرية التي أخذت أحجارها بالتشوه فعلا نتيجة لحركة السير الدؤوبة فوقها، إلى جانب التلوث البيئي والضوضاء التي تحدثهما تلك السيارات وما يعكسانه من آثار سلبية على حركة السياحة، وبالرغم من إطلاق الحكومة مبادرة "دمشق القديمة من دون سيارات" عام 2019 فإن المبادرة لم تلق الصدى المتوقع نتيجة عدم توفر مواقف سيارات كافية للمركبات خارج المدينة.

بينما تكثر في المدينة التجاوزات من إشغالات وتعديات على الأرصفة العامة لأنشطة بيع الخمور والعطور وغيرها من التجارات التي يقوم بها أصحاب الأكشاك المتنقلة "بسطات" دون تراخيص، إضافة للإشغالات والمخالفات التي تقوم بها الملاهي الليلية والخمارات المنتشرة بكثرة في المدينة والتي تشغل الأرصفة بالطاولات وتزعج السكان بضوضاء الاحتفالات التي تستمر إلى ساعات متأخرة من الليل.
تعديات ومخالفات تهدد "النسيج العمراني والاجتماعي والحضاري للمدينة" بحسب بدر (36 عاماً) خبير آثار ومنسق جولات سياحية سابق في إحدى شركات السياحة الخاصة في دمشق، والذي يقول عن أسباب ذلك الواقع المستجد على المدينة في حديثه للجزيرة نت "الفساد يأتي بالدرجة الأولى، فالمسؤولون المتعاقبون على منصب الإدارة العامة لمديرية المدينة القديمة وجدوا بالمخالفات والتعديات في دمشق القديمة فرصة سانحة لملء جيوبهم من المخالفين مقابل غض النظر عن المخالفات بما فيها الأكشاك والمحال التي لا تملك ترخيصا".
ويضيف "كما لعب تدهور القطاع السياحي دورا كبيرا فيما وصلت إليه المدينة، كون انتعاش القطاع فيما مضى كان حافزا أساسيا من الحوافز التي ساهمت في الحفاظ على صناعات وأعمال وخدمات مستقطبة للسياح كالفنادق التي كانت في الأساس منازل عربية عريقة، إضافة للحرف اليدوية الدمشقية الأصيلة كفن الموزاييك والحفر في المعادن وتصديف الخشب والتي تغدو اليوم مهددة فيما لو استمرت السياحة بالركود".
وخلال الأعوام الخمس الماضية التهمت حرائق كبرى متعاقبة أسواقا دمشقية تراثية فألحقت بمعالمها الأثرية أضرارا كبيرة إلى جانب الأضرار التي طالت المعالم التاريخية الموجودة ضمنها أو بمحاذاتها، كحريق سوق العصرونية الذي اندلع عام 2016 والتهم نصف محال السوق التي يعود تاريخ بناء بعضها إلى عام 1868 زمن الخلافة العثمانية، وكانت معظم تلك الحرائق تعزى إلى "ماس كهربائي" وفقا لوسائل الإعلام الرسمية مع إقرار بالإهمال الإداري وهشاشة البنى التحتية وحاجتها إلى الصيانة في تلك الأسواق.

من التحف إلى الخمور
كما تشهد المدينة القديمة تحولا بارزا على صعيد الأنشطة التجارية والصناعية، لا سيما في تلك المحال الموجودة على جانبي الطريق الواصل بين باب شرقي جنوبي المدينة وبين منطقة "القشلة" وسطها، حيث تحولت معظم تلك المحال خلال العقد الماضي من محال لبيع الشرقيات (تحف وتذكارات دمشقية) والنحاسيات العتيقة إلى أخرى لبيع الخمور على صورة نواد ليلية وخمارات وبارات، وأصبحت المنطقة اليوم تجمعا معروفا لمحال الخمور، وبات شباب المنطقة يسمونه "شارع البارات".
يقول طارق (47 عاما)، أحد سكان المنطقة، للجزيرة نت "حين سكنت هنا لم يكن في الحي سوى خمارة واحدة يديرها أبو جورج بلا لافتة، أما اليوم فمن النادر أن تجد محلا ليس خمارة أو بارا أو شيئا من هذا القبيل".

وعن أثر هذا التحول في الأنشطة التجارية بتلك المنطقة على السياحة يقول بدر "تشغل هذه المنطقة أهمية خاصة على المستوى الحضاري والتراثي والديني، ولكنها تشغل أهمية أكبر على المستوى السياحي، فمعظم السياح يقصدون دمشق ليزوروا مساجدها وكنائسها القديمة وأبوابها الشهيرة، ومنطقة باب شرقي تحتضن أبرز تلك المعالم، وإن محال تلك المنطقة كانت جزء لا يتجزأ من هويتها التراثية لما فيها من خصوصية معمارية وقيمة أثرية، وبالطبع فإن السائح لن يكون مسرورا عندما يجد دمشق وقد تحولت إلى مدينة أخرى".
بينما يرى البعض أن هذا التحول المستمر من الأنشطة المرتبطة بالسياحة إلى غيرها جاء كنتيجة متوقعة بعد التدهور الكبير الذي شهده القطاع السياحي وحاجة المستثمرين إلى استقطاب شرائح أخرى من الزبائن تكيفا مع الواقع الجديد للمدينة القديمة.