صناعة الكريستال.. فن اكتشفه الإنجليز صدفة وتميز فيه الفرنسيون

باريس – اكتشف الكريستال للمرة الأولى في إنجلترا في نهاية القرن الـ17 عن طريق الصدفة عندما اضطرت مصانع الزجاج إلى استخدام الفحم لتزويد الأفران بالوقود من أجل الاحتفاظ بخشب الغابات لبناء الأسطول البحري الملكي.

وتسبب هذا الأمر بتلوين الزجاج وإنتاج الكريستال الرصاصي، وهو عبارة عن زجاج تضاف إليه نسبة معينة من أكسيد الرصاص، مما يمنحه نقاء ولمعانا متلألئا وصوتا رنينيا لا مثيل له عند ملامسته.

لم يكن الكريستال لينال شهرة واسعة ويصبح رمزا للرفاهية على موائد وقصور الملوك دون خبرة ورش العمل الموجودة في جبال الفوج المهد التاريخي لصناعته في فرنسا.

الصورة 9: ثريا تتوسط درج متحف الكريستال باكارا، يتكون من 150 مصباح الجزيرة
ثريا تتوسط درج متحف الكريستال "باكارا" وتتكون من 150 مصباحا (الجزيرة)

من الزجاج المزخرف إلى الكريستال

بدأت قصة كريستال "باكارا" -الذي يعد إحدى شركات الكريستال الفرنسية الرائدة- في قرية صغيرة تحمل نفس الاسم في منطقة لورين شرقي فرنسا، وفي ستينيات القرن الـ18 شكل إغلاق مصانع الملح الملكية في روزيير ضربة اقتصادية قاسية للسكان المحليين الذين وجدوا أنفسهم أمام مخزون هائل من الخشب، الأمر الذي دفع أسقف ميتز إلى تقديم اقتراح للملك لويس الـ15 بإنشاء مصنع للزجاج، وهو ما اقتنع به على الفور.

وبالتالي، ساهمت هذه الفكرة في التخلي عن استيراد الأواني الزجاجية الفنية من الخارج، والتي كانت مكلفة للغاية ومطلوبة في جميع القصور الأوروبية، بالإضافة إلى تعزيز الاقتصاد المحلي والمعرفة الفرنسية في هذا المجال، ولكن وقبل كل شيء التخلص من فائض الخشب بذكاء.

كان الحرفيون يصنعون الزجاج والمرايا بشكل أساسي في العقود الأولى، وبعد انتهاء الحروب النابليونية وإعادة توزيع الأراضي وتحديدا في عام 1816 تم شراء مصانع الزجاج وتحولت إلى مصنع للكريستال.

وأشارت ميكايلا ليرش مديرة التراث في "باكارا"، في حديث لـ "الجزيرة نت"، إلى أن مجموعة خدمة الملك لويس الـ18، المكونة من 160 قطعة، كانت أول طلبية تحصل عليها الدار في عام 1823، ومثلت بداية سلسلة طويلة من التكليفات من قادة وملوك الدول.

الصورة 3: تعاون بين المصمم فيليب ستارك وباكارا لإنتاج مجموعة "هاركورت غلاس" المميزرة باللون الأسود الجزيرة
تعاون بين المصمم فيليب ستارك و"باكارا" لإنتاج مجموعة "هاركورت غلاس" المميزة باللون الأسود (الجزيرة)

وفي العام 1823 تلقت "باكارا" أول طلبية ملكية من لويس الـ18 مكونة من 160 قطعة، لتمثل بذلك بداية سلسلة طويلة من التكليفات من قادة وملوك الدول حول العالم، ولا تزال مدينة باكارا الفرنسية تعيش على إيقاع صناعة الكريستال، ففي العام 1891 عمل أكثر من نصف سكان المدينة -البالغ عددهم 5723 آنذاك- في المصنع.

ويمكن القول إن تاريخ المصنع الشهير لا يختلف كثيرا عن تاريخ الجمهورية الفرنسية، ففي الحربين العالميتين لم تنجُ الدار من الأضرار التي طالت البنية التحتية في مصنعها وانخفاض نشاطها بسبب القصف ونقص القوة البشرية.

وقد تم تعويض أيادي الحرفيين الشباب حينها بعمل النساء أو كبار السن الذين لا يستطيعون المشاركة في المعركة، وعلى الرغم من كل العقبات فإن "باكارا" لم تغلق أبوابها ليوم واحد.

الصورة 1،2 : ميكايلا ليرش، مديرة التراث في دار باكارا الجزيرة
ميكايلا ليرش: نثري أنفسنا باستمرار بإبداعات جديدة وابتكارات تقنية متناغمة مع العصر (الجزيرة)

طراز فرنسي عريق

مع مصنعها الذي لا يزال يحتفظ بموقعه في لورين ومحفوظاتها التراثية التي تشمل أكثر من 10 آلاف قطعة، تعتبر دار "باكارا" واحدة من جواهر الصناعة اليدوية الفرنسية.

وعلى الرغم من تطور الدراية الفنية للدار وفقا لتقدم العصر تكنولوجيا فإنها لم تغير طرق تحويلها المادة الخام إلى كريستال مضيء، إذ يلتزم حرفيوها بالأساليب التقليدية المعتمدة على الذراعين والأفواه للنفخ في الزجاج والنقش وغيرها.

وأكدت ليرش، في حديثها لـ "الجزيرة نت"، أن "الدار لم تكن لتحتل مكانتها المرموقة ويكون لها وجود في هذا المجال من دون حرفيي الزجاج البالغ عددهم 13 عاملا، هم الأفضل في فرنسا".

ويتم الحصول على الكريستال عن طريق خلط 3 أجزاء من السيليكا وجزأين من المعدن وجزء واحد من البوتاس و3 أجزاء من الزجاج (كريستال معاد تدويره) وبعض المواد الأخرى، ثم يتم صهر كل هذه العناصر عند أكثر من 1100 درجة مئوية قبل تنظيفها من جميع الشوائب بدرجة حرارة تتعدى 1450 درجة، ليتحول الزجاج إلى قطع ثمينة يتجاوز لمعانها وشفافيتها حدود الأماكن والعصور.

الصورة 1،2 : ميكايلا ليرش، مديرة التراث في دار باكارا الجزيرة
ميكايلا ليرش: ثريات باكارا تتميز بقطعة كريستال صغيرة ثمانية الأضلاع باللون الأحمر الذي تشتهر به (الجزيرة)

ويقال إن صانع الكريستال يستغرق 15 عاما لإتقان عملية الصنع باستخدام قضيب معدني ينفخ فيه ويدوره بيديه ليوزع الكتلة الزجاجية التي تبرد عند ملامستها الهواء، ويدحرجها على الرخام لتحديد الشكل النهائي للقطعة.

أما في ما يخص مراحل النقش والتذهيب فتتم ممارسة هذه التقنية يدويا أيضا من خلال قلم مزود بعجلات نحاسية صغيرة تحفر في الكريستال، فيما يسمح مزيج من مسحوق الذهب بتطبيق التذهيب المنقوش بفرشاة.

وأوضحت مديرة التراث في باكارا أنه يمكن معرفة أصالة منتجات الدار الفاخرة من خلال طبعة محفورة تحتوي على اسم الدار، في حين تتميز الثريات بقطعة كريستال صغيرة ثمانية الأضلاع باللون الأحمر الذي تشتهر به.

وتغوي القطع والثريات الكريستالية بلاد المشرق بأنماط مستوحاة من قبل الثقافة الشرقية، بما في ذلك الخيول والنسور العربية والأواني المزخرفة بطراز تركي قديم.

الصورة 8: ثريا يظهر فيها العلامة التجارية للدار والمتمثلة في قطعة كريستال حمراء ثمانية الأضلاع الجزيرة
ثريا تظهر فيها العلامة التجارية للدار والمتمثلة في قطعة كريستال حمراء ثمانية الأضلاع (الجزيرة)

كريستال الملوك

يقول القائمون على "باكارا" إن منتجاتهم لا تزال تزين قصر الإليزيه في باريس منذ عام 1899، كما اعتمد كل من نابليون الثالث والبابا يوحنا بولس الثاني وملك المغرب الأيقونة الخاصة للدار "هاركورت".

وعندما جاء القيصر نيكولاس الثاني إلى باريس في العام 1896 أعاد إحياء شغف جده ألكسندر الثالث بالكريستال الفرنسي، وأمر بإنتاج شمعدانات كهربائية سميت "شمعدان القيصر" تكريما للملك، ويقال إنه أمر بصنعها لتكون شاهدا على روعة وحداثة البلاط الروسي.

ويبلغ طول هذه القطعة الاستثنائية 3.85 أمتار ومجهزة بـ79 مصباحا، ترتكز على قاعدة ثلاثية تتكون من دعامة خشبية وزنها 22 كلغ، ولوح من الحديد يزن 100 كلغ، فضلا عن عربة خلفية نحاسية مدعمة بـ208 قضبان معدنية فضية و3320 قطعة من الكريستال.

وفي العام 1855 تم تقديم تحفة ثريا "باكارا" في المعرض العالمي في طوكيو بارتفاع 5 أمتار و250 مصباحا تطلّب العمل عليها أكثر من 15 ألف ساعة عمل وموهبة 13 من أفضل الصناع الفرنسيين.

ومن الإليزيه إلى إمبراطور اليابان ومهراجا راجستان استطاعت دار "باكارا" التألق لأكثر من 260 عاما وحصدت لقب "الكريستال الأرستقراطي" أو "كريستال الملوك".

دار باكارا تألقت لأكثر من 260 عاما وحصدت لقب "الكريستال الأرستقراطي" أو "كريستال الملوك" (الجزيرة)

تعاون مع ألمع المصممين

بدأت القصة بين المهندس الفرنسي فيليب ستارك ومصنع "باكارا" للكريستال في العام 2003 لمزج أفكار المصمم المبدع مع حرفيي الزجاج.

ومن هنا أتت فكرة إصدار الكريستال الصافي الأسود الذي لطالما اشتهرت به مجموعة "هاركورت غلاس" بلونه الغامض على طاولات أعظم الشخصيات في العالم.

ويعتبر اللون الأسود من أصعب الألوان في التصنيع، وفقا لمعايير الجودة الخاصة بشركة باكارا، إذ يمثل تجسيدا حيا للكمال ولا مجال لوجود أي عيب في الإنتاج.

الصورة 4: عبوات عطور من تصميم سلفادور داري الجزيرة
عبوات عطور من تصميم سلفادور داري (الجزيرة)

كما تميزت الدار في تصميم زجاجات العطور، وحازت على استحسان أهم المصممين، بما في ذلك ديور وكارتييه وشانيل وغيرلان برمزها المميز "شاليمار"، فضلا عن صناعة المجوهرات وتزيين الفنادق والمطاعم الفاخرة.

ولعل مزهرية "ميديسي" (Medici XXL) المستوحاة من الرخام الفلورنسي القديم من أهم القطع الأيقونة لدار "باكارا"، والتي أنتجت عام 1909 للمعرض الدولي شرق فرنسا وصنعت من 13 ألف قطعة كريستال.

ويرتكز هذا الإبداع المهيب على قاعدة برونزية مزينة بمخالب أسد، ويصل ارتفاعها إلى 89 سم ووزنها 66 كلغ، أما سعرها فيبلغ 500 ألف يورو.

المصدر : الجزيرة