طقوس العاشقين على جبل بايين

مجموعة من الشباب الصيني من زوار قمة جبل بايين
مجموعة من الشباب الصيني من زوار قمة جبل بايين (الجزيرة)

علي أبو مريحيل – شياو ما (جنوب الصين)

لم يكن الأمير "وانغ تشين" يعلم قبل آلاف السنين أن حرمانه من الزواج من الفتاة التي أحبها سيخلد قصته في كتب التاريخ وفي سجلات العاشقين.

ها هو جبل "بايين" يقف شامخا في وجه الشمس، مخلدا على أعلى قممه إحدى أقوى قصص العشق الصينية، التي تجسد حجم التضحية التي قدمها أحد الأمراء الصينيين حين مُنع من الارتباط بالفتاة التي اختارها قلبه، لأنها لم تكن على ذات المستوى من الثراء الذي كان يتمتع به هو وعائلته، لأنه ينحدر من سلالة ملكية حكمت الصين عقودا طويلة امتدت نحو 75 عاما.

بايين سان.. بايون شان.. بااااايين.. لم تسعف لغتي الصينية المتواضعة سائق التاكسي في معرفة الوجهة التي أقصدها، فاضطررت أن أنتظر قرابة الساعتين لمجيء أحد أصدقائي الصينيين الذين يجيدون اللغة الإنجليزية، والذي قطع إجازته خصيصا لمرافقتي في هذه الرحلة الشاقة.

كنت أظن قبل الوصول إلى مدخل الجبل أننا نستطيع أن نصل إلى القمة في دقائق معدودة، لكني فوجئت بأن الحافلات بشتى أنواعها لا تستطيع أن تقطع أكثر من نصف المسافة لقمة الجبل الذي يرتفع بنحو 381 مترا عن سطح البحر، ومساحته تتجاوز 28 كلم2، فلم يكن أمامنا سوى خيار "التلفريك" الذي ارتفع بنا نحو 200 متر، اضطررنا بعدها إلى قطع المسافة المتبقية سيرا على الأقدام، حيث استغرق المسير نحو 45 دقيقة قبل أن نصل إلى القمة.

طريق طويل ومتعب إلى قمة الجبل اقتداء بالأمير العاشق (الجزيرة)
طريق طويل ومتعب إلى قمة الجبل اقتداء بالأمير العاشق (الجزيرة)

لم نمكث على القمة سوى دقائق، حتى تجمهر حولنا الصينيون الذين كانوا يتواجدون في المكان، حين عرفوا أننا نعد تقريرا صحفيا، كوننا نحمل الكاميرات والمعدات اللازمة لذلك، وعلى الفور بدأنا باستطلاع آرائهم، ففوجئنا بأنهم لا يملكون أدنى فكرة عن قيمة المكان وعن قصة الحب العظيمة التي شهدتها هذه القمة، حيث تراوحت إجاباتهم بين التلعثم والابتسام للكاميرا، وكان من المفارقات الغريبة أن بعضهم قطع مسافات بعيدة تتجاوز الـ200 كلم، فقط للاستمتاع بالمناظر الخلابة التي يطلّ عليها الجبل، من دون سابق معرفة بخلفيته التاريخية.

إعلان

ونحن في حيرة من أمرنا، ظهر فجأة شاب أنيق، قدم نفسه لنا على أنه أحد العاملين في المحافظة التي يقع فيها جبل بايين، ثم قام باصطحابنا إلى مكتب صغير على حافة الجبل، وهناك قدم لنا العديد من الهدايا التذكارية والكتيبات الصغيرة التي تتناول تاريخ المنطقة، ولكن لم نجد في هذه الكتيبات أثرا لقصة الصخرة التي أصبحت مزارا.

وبينما كنا نهمّ بالرحيل، دخل علينا عجوز طاعن في السن، يجرّ كهولته على عكازه، برفقة صبيّة نحيلة، تساعده في حمل مغلف ورقي، قِيل لنا إنه يحتوي على مخطوطات قديمة توثق تاريخ الجبل وقصة الصخرة في أعلى قممه. ورغم إلحاحنا على التقاط صور للعجوز "السيد شو"، وللمخطوطات التي يحتفظ بها، فقد رفض ذلك بشدة، واكتفى فقط بالموافقة على سرد القصة، وهذا ما لم نكن نحلم به.

إطلالة من قمة جبل بايين على المدينة (الجزيرة)
إطلالة من قمة جبل بايين على المدينة (الجزيرة)

وانغ تشين، هو الابن الثالث للملك "زانغ" الذي حكم إحدى المقاطعات الجنوبية في الصين في الفترة الممتدة بين (210 و235 ق.م)، رفض والده زواجه من فتاة أحبها، لأنها من عائلة فقيرة، ولم يكتف بذلك، فقام بسجنها وعائلتها على قمم أحد الجبال. وكان للسجن باب كبير لا يفتح إلا بواسطة صخرة موجودة أسفل الجبل، تحتوي على مادة مغناطيسية تتفاعل مع المادة التي صُنع منها الباب، فتفتحه بمجرد وضعها داخل إطار معين، موجود على بعد متر واحد من باب السجن.

فأخذ الأمير على عاتقه مهمة إنقاذ حبيبته، لأنه كان يدرك في قرارة نفسه أنه سبب ما حلّ بها من مصائب. فحمل الصخرة على كتفيه وصعد بها إلى الجبل. وكان يقطع في البداية قرابة خمسين مترا دون أن يستريح، إلى أن أدركه الإرهاق والتعب، فأصبح يقطع عشرين مترا يأخذ بعدها قسطا من الراحة، ثم عشرة أمتار ثم خمسة، إلى أن أصبح يقطع مترا واحدة كل نصف ساعة.

وظل على هذا الحال قرابة ثلاثة أيام حتى وصل إلى القمة منهكا لا يقوى على الحراك، وعلى بعد أمتار من السجن، حمل الأمير الصخرة للمرة الأخيرة، حين هم بوضعها في الإطار المخصص لها. وما هي إلا لحظات حتى سقط أمام باب السجن مفارقا الحياة، دون أن تعلم حبيبته ماذا صنع أميرها العاشق لأجلها، ودون أن يعلم هو أنها فارقت الحياة منذ الليلة الأولى لها في السجن.

يقتدي الزوار بالأمير وانغ بصعود الجبل سيرا على الأقدام لمسافة 2,5 كيلومتر (الجزيرة)
يقتدي الزوار بالأمير وانغ بصعود الجبل سيرا على الأقدام لمسافة 2,5 كيلومتر (الجزيرة)

هكذا كانت النهاية الدرامية لهذه القصة التي خلّدها التاريخ الصيني، والتي علقت في الأذهان من خلال الصخرة التي ما زالت حتى يومنا هذا شاهدا على أقوى قصص الحب الصينية، التي أصبحت تقليدا وشعائر يؤديها العشاق الصينيون كلما زارو جبل "بايين".

ويقوم العشاق بتسلق الجبل عبر ذات الطريق الذي سلكه الأمير إلى أن يصلوا إلى القمة، هناك حيث توجد "صخرة الحب"، التي حملها الأمير إلى جانب نصب تذكاري محاط بسلاسل حديدية متشابكة بأقفال مختلفة، حيث يدرج وفق الطقوس المتبعة أن يعلق العاشقان قفلا بإحدى السلاسل، ثم يقومان برمي مفتاحه من أعلى قمة الجبل، في إشارة إلى التعهد بإبقاء الحب بينهما مدى الحياة، امتثالا لإخلاص الأمير وتفانيه في الدفاع عن حبه العذري .

إعلان

إذاً، هي قصة حب صينية تضاف إلى قائمة القصص الجميلة، التي قد تكون أسطورية، والتي تجسد حجم الولاء والتضحية التي يقدمها العشاق الاستثنائيون الذين غالبا يجمعهم قدر واحد .. الموت حبا أو بعدا عمن يحبون.

المصدر: الجزيرة

إعلان