بين الضرورات العسكرية والدعاية السياسية.. لماذا تتوسع إسرائيل في تجنيد النساء؟

بين الضرورات العسكرية والدعاية السياسية.. لماذا تتوسع إسرائيل في تجنيد النساء؟

في منتصف يونيو/حزيران الحالي، احتفى قادة جيش الاحتلال الإسرائيلي بتولِّي الضابطة "روت ريتيغ فايس" منصب قائد لواء المدفعية "للفرقة 99″، وهي المرة الأولى في تاريخ دولة الاحتلال التي تَصِل فيها ضابطة امرأة إلى هذا المنصب. وقد قادت "روت فايس" قبل ترقيتها وحدة "سكاي رايدرز" المرموقة والتابعة لسلاح المدفعية، وهي وحدة مهمتها جمع المعلومات الاستخباراتية قبل وأثناء المهام القتالية باستخدام طائرات مُسيَّرة.

بيد أن ما يظهر في السنوات الأخيرة من اتجاه متزايد نحو إدماج النساء في الوحدات القتالية بجيش الاحتلال، لا يزال قضية حسَّاسة للغاية في صفوف الجيش والمجتمع الإسرائيلي بأسره، الذي تتعارض فيه باستمرار القيم الليبرالية والديمقراطية التي تدَّعي الدولة التمسُّك بها مع القيم المحافظة المُستقاة من الشريعة اليهودية. ولذا، ثمَّة عوامل عديدة تعوق اندماج النساء في الوحدات القتالية حتى اليوم، أبرزها موقف الحاخامات المُحافظين ممن يعارضون الوحدات القتالية المُختلَطة. ففي رد صريح على تعيين "ريوت فايس"، وقَّع أكثر من 700 طالب من المدارس الثانوية الدينية على عريضة تطالب رئيس الأركان "أفيف كوخافي" بتقييد سياسة تعيين المُقاتِلات، مُذكِّرين إياه بأنهم سيرفضون الخدمة العسكرية في وحدات مُختلَطة عند تجنيدهم بالجيش.

روت ريتيغ فايس (مواقع التواصل)

مُعضلة قديمة

"أريدك أن تعرف أن هذا الأمن لن يكون موجودا إذا كانت نساء أمتنا لا يعرفن كيفية القتال.. نحن قليلون وأعداؤنا كثيرون".

(ديفيد بن غوريون)

مع بدء احتلال فلسطين عام 1948، أراد "ديفيد بن غوريون"، أول رئيس وزراء للدولة الصهيونية الوليدة، من الشعب الإسرائيلي المُستحدَث آنذاك أن يتقبَّل فكرة الاستعانة بالنساء في الحروب، من أجل توسيع نطاق العنصر البشري القادر على الخدمة العسكرية في ظل ضآلة التعداد الإسرائيلي مُقابل نظيره العربي الذي يفوقه بعشرات المرات. وقد أطلق "بن غوريون" العديد من المُبرِّرات لإقناع اليهود الذين استُجلِبوا من شتى أنحاء العالم بأهمية وجود النساء في ساحات القتال، منها على سبيل المثال قدرتهم على حماية الأطفال إذا ما انشغل الرجال بالقتال بعيدا عن المُدن واضطُرت النساء إلى الدفاع عن بيوتهن، في سيناريو حرب شاملة لم يكُن بعيدا عن أذهان الرجل في تلك اللحظة.

وبالفعل، سجَّل التاريخ مشاركة للنساء الإسرائيليات أثناء تأسيس الدولة العبرية، قبل أن تُمنَع مشاركتهن بعد ذلك في المهام القتالية، وتقتصر على التمريض وخدمة المُجنَّدين ومهام المساندة حتى عام 1994. وقد خاضت النساء العبريات معارك قضائية من أجل السماح لهن بتولي مناصب قتالية بجيش الاحتلال في التسعينيات، وفي عام 1994 قضت محكمة العدل العليا، بموجب استئناف من قِبَل مُهاجِرة من جنوب أفريقيا، بأن بعض الأدوار القتالية يجب أن تكون مفتوحة للمُجنَّدات. بيد أن الحكم الذي أحدث تحوُّلا دراماتيكيًّا أتى عام 1997، يوم نجحت "أليس ميللر" في كسب حُكم قضائي بقبولها في مدرسة الطيران التابعة لجيش الاحتلال. وقد أحدث هذا الحُكم ثورة في قضية قبول النساء بالأدوار العسكرية، إذ استطاعت "ميللر" عن طريقه أن تصبح أول امرأة تنضم إلى الدورات التدريبية للقوات رفيعة المستوى، رغم معارضة قادة الجيش لتلك الخطوة حينئذ. غير أن قضية ميللر لم تفتح الباب على مصراعيه أمام النساء بأعداد كبيرة، فمن أصل 70 سيدة انضمت إلى تلك الدورة مع ميللر، عملت خمس منهن فقط طيَّارات مقاتلات.

بحلول عام 2000، رفعت دولة الاحتلال القيود التي فرضتها على مشاركة النساء في الوحدات القتالية، وتتابع نشر النساء في سلاح المدفعية ثم في وحدات المشاة والفِرَق المُدرَّعة ووحدات النخبة. وبعد ذلك، قرَّرت البحرية توظيف النساء، وفي عام 2004، أُنشئت أول وحدة قتالية مُختلَطة باسم "كَراكال"، تمحورت مهامها حول تسيير دوريات على الحدود الجنوبية لدولة الاحتلال مع مصر لصدِّ المُتسلِّلين. وبعد نجاح الوحدة، وبسبب الحاجة إلى توفير ألوية قتالية للتدريب، شكَّل جيش الاحتلال على مدار العقد المنصرم ثلاثة ألوية مشاة خفيفة إضافية مُختلَطة (بين الرجال والنساء): كتيبة "أسود الأردن"، وكتيبة "بارديلا" أو الفهد، وكتيبة "أسود الوادي".

تمكين للنساء.. أم مجرَّد دعاية؟

في عام 2011، تناقش وزير الدفاع آنذاك "إيهود باراك" مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي "بيني غانتس" أثناء أحد التدريبات العسكرية، ودون انتباه إلى أن الميكروفون أمامهما مفتوح للجمهور، سأل باراك عن المُجنَّدات اللواتي يشاركن في التدريب، وإلى أي كتيبة ينتمين؟ فأجاب غانتس: "إنهن يُغَنّين في فترات الراحة"، مُلمِّحا إلى الجدل المحتدم في ذلك الوقت حول حق المرأة بالغناء في حضور الرجال المُتديِّنين. وقد اضطُر غانتس للاعتذار عمَّا قاله، الذي عُدَّ حطًّا من قدر المرأة ودورها في الجيش.

رغم ما يُظهره بعض قادة المجتمع والجيش في دولة الاحتلال من سعي لتعزيز وجود النساء في الوحدات القتالية، فإن بعض قادة المؤسسات الأمنية يرون في دمج النساء خطأ كبيرا. فمثلا، عندما أُعلن لأول مرة عن فتح سلاح المُدرَّعات أمام المُجنَّدات في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، بالتزامن مع هبوط شعبية الالتحاق بسلاح المُدرَّعات، عارض هذا القرار ضباط كبار وكذلك الجماعات الدينية. وقال حينها الجنرال "أفيغدور كهلاني"، القائد الشهير للواء المُدرَّع السابع، في حديثه مع محطة إذاعة "غاليه تساهل" التابعة للجيش: "إن الدبابات ليست المكان المناسب للنساء، فدور المرأة هو أن تكون أُمًّا، وأن تُنجِب الأطفال إلى العالم". فيما صرَّح الجنرال السابق "رون تال" أن "اقتراح السماح للنساء بتشغيل الدبابات فضيحة، وواحدة من مؤامرات اليساريين المُتطرِّفين لإضعاف الجيش"، وهو تصريح اعتذر عنه فيما بعد.

على صعيد آخر، وفي خضم معارك الإسرائيليات القضائية لكسب حق الوجود في مساحات أخرى غير وحدات المشاة الخفيفة المُختلَطة، قدَّمت أربع مُجنَّدات عام 2020 التماسا إلى محكمة العدل العليا يطالبن فيه بالالتحاق بوحدات قتالية جديدة، وهو تحرُّك دفع قيادة الجيش إلى تشكيل لجنة داخلية للبحث في إمكانية إيكال مهام قتالية جديدة للنساء. وقد صدر قرار تلك اللجنة في يونيو/حزيران الحالي بالموافقة على فتح المزيد من الأدوار القتالية بالفعل، ومن ثمَّ صار الانضمام إلى وحدات النخبة مثل الإنقاذ والهندسة القتالية حقا لهن، وذلك شريطة خضوع الراغبات في الالتحاق لفحوصات ومعايير خاصة.

بموجب هذا القرار، سيكون واحد من أهم المواقع القتالية المتاحة أمام النساء ضمن "وحدة الإنقاذ 669" التابعة للقوات الجوية، وهي واحدة من أرفع الوحدات بالقوات الجوية، إذ يُعنَى العاملون بها بتنفيذ مهام تتعلَّق بإخراج الجنود الجرحى والطيارين الذين سقطوا في أراضي العدو من ساحة المعركة، وكذلك إنقاذ المدنيين في حالات الطوارئ. وكي تنال المُجنَّدات حق الالتحاق بهذه الوحدة، اشترط جيش الاحتلال استيفاء شروط بدنية خاصة، وهي شروط أحبطت الآمال بخصوص القرار الجديد، حيث لا يُتوقَّع أن تجتاز الاختبارات سوى قلة من النساء، فعلى سبيل المثال، يجب على المُلتحِق بهذه الوحدة أن يُثبت قدرته على حمل أحمال ثقيلة تزيد على 40 كيلوغراما لمسافات طويلة أثناء الحرب، وتحتاج المُجنَّدات إلى أن يكون وزنهن 78 كيلوغراما على الأقل، وألَّا يقل طولهن عن 1.66 متر.

بطبيعة الحال، يتوافق ذلك مع ما يجادل به كبار الضباط من أن إشراك النساء في أدوار تشغيلية مُعيَّنة بهذه الوحدات من شأنه أن يتعارض مع المهمات المطلوبة منها، وكذلك مع صحة النساء اللائي سيضطلعن بتلك الأدوار القتالية، حيث يعتقد قادة جيش الاحتلال أن عددا قليلا من المُجنَّدات المحتملات يستوفين الشروط البدنية للخدمة في تلك المناصب. ومع إرفاق شروط صارمة للتجنيد وجدول زمني طويل للتنفيذ، يتكشَّف أن هذا التوجُّه دعائي في المقام الأول. ولذا قالت "إديت شفران غيتلمان"، الخبيرة في دمج النساء بالجيش الإسرائيلي، ورئيسة برنامج الجيش والمجتمع في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أثناء حديثها مع موقع "المونيتور" إن "الجيش غالبا ما يتخذ خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء، فلا تزال هناك مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين ينظرون إلى الكفاح من أجل المساواة بين الجنسين على أنه نزوة ليبرالية نسوية".

بين الليبرالية وسلطان الحاخامات

في 27 من مايو/أيار المنصرم، تجهَّزت ضابطة في جيش الاحتلال لمهمة قيادة مراسم أداء اليمين الذي يؤديه الجنود في ساحة حائط البُرَاق التي أقامتها إسرائيل على أنقاض حي المغاربة وتُسميه بـ"حائط المبكى" (غرب المسجد الأقصى). في هذا الوقت بدا أن المرأة حقَّقت لتوِّها "انتصارا" جديدا في قضية إثبات وجودها في الجيش، ولكن في اللحظة الأخيرة، مُنِعَت الضابطة من تنفيذ ما خُطِّط له بسبب أوامر من "مؤسسة تراث الحائط الغربي"، وهي هيئة حكومية تُدير الموقع وتلتزم بالعادات الأرثوذكسية المُتشدِّدة بشأن الفصل بين الجنسين. وقد عبَّرت هذه الحادثة عن توجُّهات قادة جيش الاحتلال، وحرصهم على عدم إغضاب الحاخامات ولو أدى الأمر إلى العدول عن قرارات عسكرية سابقة.

بالمثل، عقب فتح "الوحدة 669" آنفة الذكر أمام النساء، وجَّه الحاخامات والمُشرِّعون اليهود المحافظون انتقادات حادة للقرار، وجادلوا في بيان وزَّعوه على المعابد بأن الجنود الذين يلتزمون بالشريعة اليهودية لن يكونوا قادرين على الخدمة في وحدات مُختلَطة. وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الدينية في دولة الاحتلال تمتلك أدوات عديدة لتنفيذ ما تريد. على سبيل المثال، هدَّد الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي "إيال كريم" بأنه "لن يُجبَر أيُّ رجل على الخدمة مع النساء في الجيش"، فيما قال النائب اليميني المتطرف "نير أورباخ" إنه إذا حكمت المحكمة العليا لصالح اندماج شامل للنساء، فإنه ينوي العمل على إلغاء هذا الحكم، وأضاف أن "السماح للنساء بالخدمة في مثل هذه الوحدات سيؤدي إلى خسارة الجيش للأخيار الجيِّدين الذين يرغبون بالتجنيد والمساهمة في المجتمع".

في الواقع، نجح رجال الدين بمباركة قادة جيش الاحتلال في تأطير قضية مشاركة النساء القتالية بوصفها صراعا بين الليبراليات المُتطرِّفات والحاخامات الأرثوذكس المحافظين على الشريعة اليهودية، والترويج لقناعة مفادها أن الليبراليات ومؤسساتهن يسعَيْن للتضحية بأمن البلاد باسم المساواة، وهي حُجة قوية في مجتمع مهووس بالأمن بالدرجة الأولى. والخلاصة أنه رغم السير نحو المزيد من تجنيد آلاف النساء في السنوات الأخيرة، فإن جهد المُنظَّمات النسائية لا يزال هامشيا إلى حدٍّ ما، مقابل ما يُشكِّله الحاخامات من مركز ثقل داخل المؤسسات القتالية الإسرائيلية.

 

بيد أن الجانب الأهم في هذه المسالة يتعلَّق بظاهرة لا يتحدَّث عنها كثيرا قادة الجيش ولا يذكرها الحاخامات أيضا، وهي ظاهرة التحرُّش والاعتداء الجنسي داخل صفوف القوات الإسرائيلية. ففي عام 2016 أظهرت إحصائيات إسرائيلية أن نحو 60% من المُجنَّدات أقررن بوجود جو من التمييز على أساس الجنس داخل الوحدات المختلطة، وأن الجنود أو القادة يروون عادة النكات الجنسية، أو يتفوَّهون بتعليقات جنسية مؤذية، أو يشاركون صورا إباحية. وفي الإحصاء نفسه، قالت 35% من المُجنَّدات إنهن تعرَّضن للمس أو لإيماءات وحركات جنسية، فيما أظهرت أرقام أصدرها الجيش حول الاعتداء الجنسي لعام 2020 أنه تلقَّى 1542 شكوى، من بينها 26 حالة اغتصاب، و391 فعلا فاحشا. هذا وبيَّنت الأرقام أن نحو نصف المُخالِفين من المُجنَّدين، وأن 29% منهم من الضباط وضباط الصف، والبقية من الموظفين المدنيين داخل الجيش أو جنود الاحتياط أو المقاولين.

يتبيَّن لنا من متابعة تلك الحوادث في وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الانتهاكات الجنسية في صفوف جيش الاحتلال لا تكاد تتوقف. فقبل بضعة أشهر، تناولت الصحف الإسرائيلية قضية الضابط الكولونيل "دان شاروني"، الذي صوَّر مرؤوساته سرًّا في مواقف حميمية على مدار سنوات خدمته، وكانت هذه القضية من جملة القضايا القليلة التي قُدِّمَت فيها لائحة اتهام، حيث أفضت أغلب القضايا إلى تنازل الضحايا؛ فمن بين 1542 شكوى اعتداء جنسي نظر فيها قادة الجيش، قُدِّمَت 31 لائحة اتهام فحسب أدانت مرتكبيها من الذكور.

الخلاصة إذن أنه رغم ما يُروِّج له الإسرائيليون حول تحقيقهم تقدُّما كبيرا على مدار العقدين الماضيين في قضية دمج النساء داخل الوحدات القتالية التابعة لجيش الاحتلال، فإن نسبة كبيرة من وظائف الجيش لا تزال محظورة على النساء، بما في ذلك قادة الألوية والكتائب والجنرالات ورؤساء الأركان. وبينما تكشف لنا تجاذبات الأفكار بين اليمين واليسار في إسرائيل عن تناقضات فكرية عديدة يموج بها المجتمع الإسرائيلي، فإن هيمنة اليمين المُتطرِّف على المسرح السياسي، والعلاقة الوثيقة بين الحاخامات والمؤسسات العسكرية والأمنية، يشي لنا بأن المرأة الإسرائيلية وحضورها العسكري يبقى محض استثناءات ودعايات موجَّهة للرأي العام الغربي، في حين تُهيمن القيم المحافظة داخل تلك المؤسسات حتى اليوم.

المصدر : الجزيرة