"أنا أو الفوضى".. هل تخطط روسيا لتجويع العالم حتى تنتصر؟

تُدوِّي المدافع دون هوادة، ويرتفع صداها في أقصى شرق أوروبا منذ أكثر من مئة يوم، ويتدفَّق السلاح من كل أرجاء المعسكر الغربي دعما لأوكرانيا، بيد أن الجميع لا يزال يتطلَّع إلى "كييف" وحدها دون غيرها من المُدن الأوكرانية المتساقطة في الجنوب والشرق، لأن مصيرها وحده قد يرسم واقعا سياسيا جديدا في أوروبا. أما روسيا التي قرَّرت المغامرة منذ اللحظة الأولى من أجل إعادة رسم الخارطة، فهي مدفوعة بقناعات لم تقبل التشكيك فيها، منها أن الأزمة فُرضت عليها فَرضا حين تجاوزت واشنطن وحلف الناتو "الخطوط الحمراء" كافة وضمّوا دول أوروبا الشرقية إلى الحلف الغربي بعد نهاية الحرب الباردة. واليوم، تحاول روسيا بالقوة استعادة ما فقدته طيلة عقدين ونيف، وإثبات ثقلها ووزنها التاريخي في صنع السياسة الأوروبية، ومن ثمَّ فهي مُصمِّمة على انتزاع النصر مهما كانت الأثمان، وتفادي شبح هزيمة عسكرية يمكن أن تُعيد السياسة الروسية عقودا إلى الوراء.

بيد أن تكاليف النصر الروسي المنشود، التي بدأت بالعقوبات الغربية وتطلبت استخدام روسيا لكُل أوراقها الاقتصادية، سرعان ما تردد صداها في العالم بأسره، ذلك العالم الذي بات يدرك اليوم أن المواجهة بين موسكو وكييف ليست محض صراع جيوسياسي في شرق القارة الأوروبية، بل صراع بين خصمين يستحْوِذان معا على ثلث سلة العالم من القمح، و80% من الزيوت النباتية، علاوة على ما تُمثِّله روسيا من ثقل في موازين الطاقة عالميا؛ فهي ثاني أكبر منتج للغاز وثالث أكبر منتج للنفط، وواحد من أكبر مُصدِّري المعادن. لذا، لا يبدو أن العقوبات الغربية على ضخامتها قادرة على إخضاع روسيا بسهولة دون أن يتضرَّر الاقتصاد العالمي ضررا بالغا سيطول قطاعات النفط والحبوب وأسواق الأسهم والسندات المالية، وهو ما يُضاعِف العبء على الدول الغربية الكُبرى المنوطة بإدارة المشهد الاقتصادي العالمي.

ولكن رغم تعثُّر الجيش الروسي في محطَّات عديدة في الحرب الجارية، وتراجعه عن هدف إسقاط "كييف" وتغيير النظام فيها، فإن التركيع السريع للروس في المقابل، كما رغبت الدول الغربية، صار بعيد المنال بدوره، وهو ما يُشكِّل ضغطا على العواصم الغربية الحائرة الآن بين إيقاف الحرب والتوصُّل إلى تسوية تتنازل بموجبها أوكرانيا عن الولايات الناطقة بالروسية في الشرق والجنوب، وبين المُضي في الضغط الاقتصادي لفترة أطول تزيد معها أعباء روسيا الاقتصادية ولكن تتفاقم معها الأزمة الاقتصادية الملموسة اليوم في دول العالم أجمع بسبب تداعيات استمرار الحرب.

حظر النفط.. حسابات الحرب المرتبكة

يسعى الروس إلى حصر "كييف" في الدور الذي طالما رسموه لها بأن تظل حديقة خلفية لموسكو، أو أن تصبح على الأقل مساحة محايدة بينهم وبين الدول الغربية، دون أن تندمج في بنية التحالف الغربي سياسيا أو عسكريا. وبينما انطلق الحشد العسكري الروسي نحو تحقيق أهدافه في نهاية الشتاء المنصرم، ماجت ساحات السياسة الأوروبية سريعا لمنع تنفيذ المُخطَّط الروسي، ومع عزوف القوى الغربية عن الرد العسكري المباشر بما في ذلك حظر الطيران، والاكتفاء بدعم النظام الأوكراني بمُعظم السلاح الذي أراد، قرَّرت عواصم أوروبا بالتوازي فرض حظر كامل على النفط الروسي.

أعلنت أوروبا عن حِزَم متنوِّعة من العقوبات في محاولة لتجفيف شريان روسيا الرئيسي الذي تموِّل به الحرب، وذلك عبر حرمانها من 800 مليون دولار يوميا هي حصيلة مبيعات النفط والغاز، ولكن سرعان ما أثار القرار خلافا أوروبيا مُعلنا، فلا يوجد بديل يعوِّض حصة روسيا البالغة 40% من الغاز و30% من النفط المتدفِّق إلى أوروبا. وصدرت الأصوات المُعارضة من الدول الأصغر والأقرب جغرافيًّا من روسيا، والمذعورة من تأثير الحرب على النمو الاقتصادي الخاص بها.

ازدادت المشكلة تعقيدا بعدما بدا أن الأوروبيين لعبوا بكافة أوراقهم الاقتصادية دفعة واحدة وأعادوا ترتيب سوق النفط والغاز الخاص بهم بدعم أميركي، حيث تقرَّر حظر 70% من واردات النفط الروسية في مايو/أيار الماضي، ونحو 90% بحلول نهاية العام، على أن يكون البديل هو نفط بريطانيا وخام بحر الشمال النرويجي وصادرات الولايات المتحدة، بالإضافة إلى جذب المزيد من براميل الخام من غرب أفريقيا. بيد أن ما حدث أن أسعار نفط الزبائن الجدد ارتفع إلى مستويات قياسية بعد زيادة الطلب عليه، ورغم اتفاق الدول المنتجة للنفط في تحالف "أوبِك بلس" على زيادة الإنتاج بمقدار 648 ألف برميل يوميا، ارتفعت الأسعار ومن ثمَّ منحت الكرملين بعض المكاسب المالية رغم أضرار العقوبات.

كان التصوُّر الغربي لنجاح العقوبات مبنيا على عدة عوامل، منها انخفاض طلب الصين على النفط في ظل زيادة الإصابات لديها بفيروس كورونا، وزيادة الإنتاج من "أوبك بلس"، فضلا عن سحب الولايات المتحدة مليون برميل نفط يوميا من الاحتياطي الأميركي. بيد أن مغامرة روسيا، من جهة أخرى، استندت إلى عوامل رأتها موسكو ذات فائدة لها، فمنذ عام 2021 وأسعار النفط والغاز تتصاعد، ولم تجد روسيا صعوبة في إيجاد أسواق بديلة، لا سيما بعد أن عرضت نفطها بتخفيضات وصلت إلى 30 دولارا للبرميل، وهو ما دفع الصين إلى مضاعفة وارداتها من النفط الروسي رغم عدم احتياجها الحالي، وكذلك دفع دولا نامية عديدة لشراء النفط الرخيص بكميَّات سرعان ما قلبت سوق الأسعار.

ونتيجة لذلك، لا يزال المعسكر الغربي حائرا أمام الأزمة، ولا يبدو أنه قادر على اتخاذ قرار راديكالي فيما يتعلق بحظر واردات الغاز الروسي كليا، لأن تبعات القرار ستكون مُدمِّرة على اقتصاديات أوروبا التي دخل بعضها مرحلة الركود، لا سيما الدول الأصغر ذات الاقتصادات الأكثر هشاشة. وفي الوقت نفسه، ليس ثمَّة بديل في الأفق للغاز الروسي، لأن كبرى الدول المُصدِّرة الأخرى، مثل الولايات المتحدة وأستراليا وقطر، لا يُمكِنها زيادة صادراتها على الفور بكميَّات كبيرة، مما يعني أن منازل القارة ستظل مُهدَّدة الشتاء القادم إن قرَّرت أوروبا المقاطعة، وهذا هو رهان إطالة أمد الحرب وضعف عزيمة المُقاطعين الذي تراهن عليه روسيا حين تتجاوز الحرب شهرها التاسع.

تسليح "الغذاء".. أزمة الفائض المؤثِّر

لم تمضِ أيام على دخول الجيش الروسي إلى قلب أوكرانيا، حتى ظهرت مُعِدَّاته على شكل مُخلَّفات مُحطَّمة متروكة في العراء أو مُكدَّسة كغنائم، مما أغرى الجيوش على الجهة الأخرى بأنه لا داعي للتفاوض حاليا ما دامت جبهات العدو تنزف دما. بيد أن الروس الذين تحرَّكوا في جبهات عديدة في البداية وفق إستراتيجية عسكرية قديمة نسبيا، سرعان ما أعادوا ترتيب أوراقهم وأولوياتهم، التي باتت الآن تركز على السيطرة الكاملة على شرق وجنوب أوكرانيا بما فيها منطقة "دونباس" الانفصالية وضمّها إلى السيادة الروسية، وذلك من أجل إقامة جسر بري نحو شبه جزيرة القرم التي استحوذت موسكو عليها عام 2014، ومن ثمَّ يتحقق لها الممر البري المطلوب بين الجزيرة وبقية روسيا، مع سواحل أطول على البحر الأسود.

رغم الأهداف المُعلَنة التي بدا أنها جيوسياسية في المقام الأول ولن تطول سوى جغرافيا شرق أوروبا، طالت نيران المعارك أهدافا أخرى بعد أن حاصرت روسيا الموانئ واستهدفت الحقول ومنعت تصدير شحنات الحبوب إلى خارج أوكرانيا. ولذا، تأثَّرت بالطبع اقتصادات الدول التي تبعُد آلاف الأميال عن مناطق الحرب، فقفزت أسعار القمح في الأسواق الأوروبية بنسبة 20%، وبعد مرور مئة يوم على الحرب وصل الارتفاع إلى 60%، مُتأثِّرة بمفاجآت أخرى هي حظر تصدير القمح من جانب الهند، ثاني أكبر مُصدِّر للقمح في العالم، بعد موجة جفاف ضربت المحاصيل الزراعية فيها. وقد منح قرار الهند ورقة مجانية للروس، التي بدأ قادة الغرب يهاتِفون قادتها لحل أزمة تصدير الحبوب الأوكرانية.

في خضم الأزمة، نالت موسكو اتهامات بأنها تتعمَّد حجز ملايين الأطنان من الحبوب ومنع تصديرها، وأنها تُسلِّح الغذاء جزءا من حربها. وتُقدِّر منظمة التجارة أن هناك نحو 25 مليون طن من الحبوب الأوكرانية المُخزَّنة، وأنه يمكن حصاد الرقم نفسه خلال الموسم القادم. وحتى تعود الهند إلى موقعها القديم، فإن روسيا التي فرضت حصارا خانقا على الموانئ الأوكرانية تضع شروطا للإفراج عن شحنات الحبوب (وهي ثلث إمدادات القمح العالمية) وفق قاعدة تفاوضية أساسها "رفع العقوبات مقابل الغذاء"، بيد أن واشنطن رفضت الرضوخ للمساومات. في غضون الشد والجذب بين القوى الدولية، وضعت 23 دولة قيودا على تصدير الغذاء إلى خارجها، ومعظمها دول من أفريقيا والشرق الأوسط تعتمد في وارداتها من القمح على محاصيل روسيا وأوكرانيا.

كيف انتعش الروبل تحت النيران؟

بالتزامن مع ذلك، وبينما أحدث الجيش الروسي الدمار والفوضى في شوارع أوكرانيا، استعمل الغرب نفوذه في الاقتصاد العالمي، وبدأ في توجيه ضربات نجحت في خلق حالة من الإرباك داخل الاقتصاد الروسي. فقد عمدت أوروبا في البداية إلى تجميد أصول البنك المركزي الروسي، مما حدَّ من قدرته على الوصول إلى 630 مليار دولار بما يُمثِّل 60% من احتياطاته الدولية، مع فصل البنوك الروسية عن النظام المالي الدولي، إلى جانب إجراءات أخرى استهدفت عزل روسيا اقتصاديا. وقد هدفت الخطة الأوروبية إلى تقويض الاقتصاد الروسي، وسارت الإستراتيجية وفق ما رُسِم لها عقب فقدان الروبل ثلث قيمته مقابل الدولار، وانهيار أسعار أسهم العديد من الشركات الروسية.

ولكن على خلاف المتوقَّع والمُخطَّط له، وبعد مرور الوقت، تحسَّن أداء الروبل الروسي نسبيا، فبعد انخفاض قيمته إلى 150 روبل مقابل الدولار إثر صدمة العقوبات الأولى، سجَّل بعدئذ أعلى قيمة له منذ خمس سنوات هي 59 روبل مقابل الدولار، وقت كتابة التقرير. وجاءت انتعاشة الروبل بسبب قرارات صارمة اتخذتها "ألفيرا نابيولِّينا"، رئيسة البنك المركزي الروسي وأقرب المستشارين الاقتصاديين للرئيس بوتين منذ توليها المنصب عام 2013، التي يُنسب لها صمود الاقتصاد في وجه العقوبات طيلة السنوات الفائتة. وقد بدأت "نابيولِّينا" عقب تجميد الغرب احتياطات البنك المركزي بالقفز مباشرة إلي إستراتيجية ضبط تدفُّقات رأس المال خارج البلاد، كما فرضت قيودا على حركة الأموال التي يمكن تحويلها إلى دول غير صديقة، بما في ذلك منع بيع أصول مالية مملوكة من قِبَل أجانب داخل روسيا.

فرضت "نابيولِّينا" خلال حرب أوكرانيا على الشركات الروسية المُصدِّرة للطاقة أن تُحوِّل 80% من قيمة مبيعاتها إلى الروبل الروسي، سعيا للحصول منهم على ما يمتلكونه من العملة الصعبة، مقابل الحصول على القيمة نفسها بالروبل، وذلك ضمن خطة تهدف إلى رفع الطلب على العُملة الروسية باستخدام ما تحوزه روسيا من موارد. ولذا، نجحت "نابيولِّينا" في الحفاظ على قيمة الروبل من الانهيار أمام الدولار، وسرعان ما استعادت العُملة اتزانها بعد هبوطها السريع في بداية الحرب. بل وذهبت روسيا إلى أبعد من ذلك حين أعلن بوتين أنه سيَفرض على الدول "غير الصديقة" المستوردة للغاز الروسي أن تدفع لموسكو بالروبل بدلا من الدولار، وهي تراهن بالطبع على أن الجميع سيطلب الروبل للحفاظ على استمرار تدفُّق الطاقة.

رهانات القوة في مواجهة رهانات الهشاشة

حسنا، رغم ذلك كله، لا يزال يراهن المعسكر الغربي على أن انتصارات روسيا الاقتصادية لن تصمد طويلا في ظل هشاشة اقتصادها مقابل الاقتصادات الصناعية الكُبرى، وأن العواصف ستضرب موسكو من جديد لأسباب عديدة، منها أن صعود الروبل مرتبط بإيرادات روسيا الخارجية، وأن اقتصادها حتما سيدخل مرحلة الركود إذا ما طال منع استيراد المواد اللازمة من الغرب، كما أن استقرار الوضع الداخلي الذي دفع الروس إلى ضخ أموالهم من جديد عقب سحبها سيرتبط بشكل أو بآخر بمسار الحرب. ومع استمرار سياسة العقوبات، تراهن الولايات المتحدة أن حلول سنوات روسيا العجاف ليس سوى مسألة وقت، وأن موسكو ستبدأ بالتخلُّف عن سداد ديونها الخارجية للمرة الأولى منذ نحو قرن إذا ما طال أمد الحرب.

في المقابل، تقول موسكو إنها ليست طهران في نهاية المطاف مهما تكالبت عليها العقوبات، وإن بحوزتها من الموارد ما يكفيها لتُناوِر في الاقتصاد العالمي الحالي، أو على أقل تقدير كي تضمن أن تؤدي العقوبات عليها إلى أثمان باهظة على خصومها تُجبرهم على التفاوض في النهاية. لا تراهن روسيا إذن على قوتها العسكرية والاقتصادية التي ما انفكت تتضاءل منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، بل تُراهن على أن حجمها الكبير وتأثيرها في الاقتصاد العالمي يُمكِن لهما أن يخلقا فوضى عالمية لن يسع عواصم الغرب أن تقف مكتوفة الأيدي أمامها.

لذا، قد تنتهي معركة العقوبات بمكاسب روسية في النهاية، ليس بسبب قوة الروس ولكن بسبب قدرتهم على تصدير الهشاشة إلى جميع أركان الاقتصاد العالمي، الذي أصبح، للمفارقة، شريكا لروسيا في هشاشتها. وحدها الأيام القادمة ستكشف الخاسر الأكبر من إطالة أمد الحرب، وهل هو الاقتصاد المحدود لروسيا الذي يُكافئ تقريبا اقتصاد إيطاليا، أم أن الاقتصاد العالمي كله سيواصل معاناته تحت وطأة القصف.

المصدر : الجزيرة