تحديات شائكة.. مستقبل الصومال بعد الانتخابات الرئاسية

حظيت مراسم تتويج الرئيس المنتخب، حسن شيخ محمود، في 9 يونيو/حزيران الجاري (2022)، لفترة ثانية بمشاركة إفريقية وعربية واسعة، وذلك غداة ماراثون انتخابي استمر قرابة عامين، رافقه خلافات سياسية حادة وأزمات أمنية، فضلًا عن تردي الوضع المعيشي للبلاد، نتيجة تفاقم أزمة جفاف تهدد حياة نحو 7 ملايين صومالي في جنوب البلاد ووسطها، وجاءت عودة "شيخ محمود" إلى القصر الرئاسي لولاية تمتد لغاية 2026 في لحظة حرجة تعيش فيها البلاد مشاكل داخل وخارجية، ويفسر البعض إعادة انتخاب هذا الرجل بأنه استجابة لإجراء مصالحة حقيقية بين مكونات المجتمع المحلي خيارًا إستراتيجيًّا لإنقاذ البلاد من الوقوع ثانية في فخ الأزمات.

في هذا التقرير، نسلِّط الضوء على أسباب إعادة انتخاب حسن شيخ محمود بعد فترته الأولى بين عامي 2012 و2016، ورصد التحديات والملفات التي تنتظر الرئيس الجديد، وهي تحديات مهولة لا يمكن الفكاك من شراكها بسهولة، إلى جانب استشراف مستقبل البلاد وإمكانية تجاوز الانتخابات غير المباشرة بحلول عام 2026 إلى انتخابات عامة، وتموضع الصومال في قلب الاهتمام الدولي والإقليمي في منطقة القرن الإفريقي منذ عام 2018.

أسباب فوز "شيخ محمود": قراءة في النتائج

الرئيس حسن شيخ محمود (بالمنتصف) وعلى يساره الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله فرماجو.

بعد تأجيل متكرر لعملية تنظيم الانتخابات الرئاسية في الصومال دام قرابة عامين، قرر البرلمان الصومالي في جلسة مشتركة بين المجلسين (الشعب والشيوخ) تنظيم الاستحقاق الرئاسي في الـ15 من مايو/أيار الماضي. وتم تسجيل 39 مرشحًا لخوض السباق الانتخابي، ومع بدء العدِّ التنازلي للانتخابات الرئاسية انسحب ستة مرشحين من المنافسة، وانحصرت المعركة الانتخابية بين 33 مرشحًا، أغلبهم وجوه جديدة، مع أربعة مرشحين أقوياء، كان من بينهم الرئيس محمد عبد الله فرماجو، والرئيسان السابقان، حسن شيخ محمود وشريف شيخ أحمد، ورئيس الحكومة السابق، حسن علي خيري، واشتدت المنافسة الانتخابية في الجولة الأولى من الانتخابات؛ حيث حصل رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، على 65 صوتًا، بينما حصد الرئيس فرماجو 59 صوتًا، وحصل الرئيس حسن شيخ محمود على 52 صوتًا، وحقَّق حسن علي خيري 48 صوتًا، بينما كان من نصيب الرئيس شريف أحمد 39 صوتًا.

ووفق الدستور الصومالي، فإن المرشح الذي يحصل على ثلثي الأصوات (219 صوتًا) من إجمالي عدد أصوات النواب الـ329 في الجولة الأولى من الانتخابات، يفوز بمنصب الرئاسة. أما إذا لم يحدث ذلك، فإن المرشحين الأربعة الأكثر حصدًا لأصوات الناخبين (البرلمانيين) يذهبون إلى الجولة الثانية، وبعدها يذهب المرشحان الأكثر حصدًا للأصوات إلى الجولة الثالثة والأخيرة، ويفوز المرشح الذي يحصل على نسبة 50+1 من الأصوات بمنصب الرئاسة.

وبعد انتهاء الجولة الثانية من المنافسة الانتخابية، تمكَّن مرشحان فقط من الذهاب إلى الجولة الثالثة والأخيرة، وهما: الرئيس محمد عبد الله فرماجو بعد أن حصل على 83 صوتًا، والرئيس حسن شيخ محمود الذي حصل على 110 أصوات، وخرج من المعترك الانتخابي كل من رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله دني (68 صوتًا)، ورئيس الحكومة السابق، حسن علي خيري (63 صوتًا)، وانتهت الجولة الثالثة بحصول فرماجو على 110 أصوات، ليتمكن الرئيس حسن شيخ محمود من الفوز بفارق 214 صوتًا، ليصبح أول رئيس صومالي يُنتخب لفترة ثانية منذ انتخابات عام 1960.

واعتُبرت الانتخابات الرئاسية التي أُجريت بشق الأنفس، إنقاذية واستباقًا لفرض عقوبات على الصومال من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين تشمل تعليق المساعدات المالية التي تُمنح للصومال لدعم ميزانيته بواقع 65 في المئة، بينما الحكومة الفيدرالية لا تُؤمِّن سوى 35 في المئة منها لصرف رواتب موظفيها ومستحقات الجيش الصومالي؛ ما عجَّل بعملية تنظيم الانتخابات الرئاسية قبل حلول 17 من مايو/أيار الماضي، وهو الموعد الذي حددته الجهات الدولية الداعمة للصومال لوقف مساعداتها المالية للحكومة الفيدرالية إذا لم تُجْرَ الانتخابات الرئاسية.

وتبدو أسباب عدة ساهمت في فوز الرئيس حسن شيخ محمود لفترة ثانية (2022-2026)، أبرزها:

  • الواقع السياسي المأزوم في البلاد:

منذ محاولة تمديد فترة الرئاسة والبرلمان في أبريل/نيسان عام 2021، دخلت البلاد موجة من الخلافات السياسية نشبت بين رأسي السلطة التنفيذية في البلاد (رئيس البلاد ورئيس الوزراء)، منذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2021، وكادت أن تتحول إلى صراع مسلح داخل القصر الرئاسي، بسبب مخاوف من أن يسحب فتيل التوتر بينهما زناد الأسلحة الملقمة بين حرس الرئيسين داخل القصر.

  • مخاوف من تفجر صراع أهلي في البلاد:

وكان يعتقد كثيرون أن احتمالية عودة فرماجو لم تكن مبشرة بالتفاؤل، في حال عودته إلى الحكم لولاية ثانية، بسبب انتهاجه سياسة الكبت والتضييق على المعارضة، واستخدام عسكرة السياسة، والمال السياسي وإلقاء خطابات شعبوية تخوِّن رموز المعارضة، لمقارعة خصومه السياسيين.

  • ارتفاع حدة التوتر العشائري:

في فترة حكم الرئيس محمد عبد الله فرماجو ازدادت حدة الاحتقان والتوترات العشائرية خاصة القاطنة في جنوب البلاد، بعد اختلالات شابت عملية توزيع السلطة ومحاولة تهميش قبائل مستأسدة في المعادلة السياسية في البلاد، طبقًا لقاعدة 4.5 في تقاسم السلطة في البلاد، واستدعت الحاجة ضرورة إخماد نار الخلافات بين العشائر من خلال قيادة توافقية جديدة، تنطلق من المصالحة جسرَ عبور لاحتواء الخلافات وردم الهوة بين القبائل.

  • تدهور علاقات الصومال الخارجية إقليميًّا ودوليًّا:
تراجعت علاقات الصومال في فترة حكم الرئيس فرماجو مع الدول المشاركة في عملية دعم بناء الدولة، وفي مقدمتها واشنطن.

في فترة حكم الرئيس فرماجو (2017-2021) تم طرد سفراء أجانب من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي تحت ذريعة حماية السيادة واستقلالية الصومال، وتراجعت العلاقات مع الدول المشاركة في عملية دعم بناء الدولة في الصومال، وفي مقدمتها واشنطن، فضلًا عن وتيرة متصاعدة من الخلافات بين الولايات الفيدرالية والحكومة الصومالية، نتيجة سوء تفاهم في إدارة عملية تنظيم الانتخابات النيابية والرئاسية.

وقد تضافرت جملة العوامل والأسباب آنفة الذكر، لتسهم في نجاح حملة الرئيس حسن شيخ محمود التي كان شعارها "صومال متصالح ومتصالح مع العالم"، وانتُخب شيخ محمود، أملًا في تفكيك أزمات الصومال الداخلية والخارجية، ويعوِّل عليه كثيرون لإنجاز ملفات معقدة وشائكة، وإذابة كتلة جليد من تحديات جمة، يمكن تفصيلها في الآتي:

الملفات والتحديات

يرث الرئيس الجديد للصومال جملة من التحديات والملفات الشائكة؛ حيث لم تحقق البلاد تقدمًا مقنعًا في تثبيت أركان النظام الفيدرالي، وتحويل النظام السياسي من نظام مركزي إلى فيدرالي على نحو فعلي، إلى جانب تفاقم أزمات سياسية داخلية وأخرى خارجية، وفشل جهود تجاوز النظام السياسي المعتمِد على سلطة رجال القبائل في تنظيم الانتخابات وتوزيع السلطات، وهو ما يجعل الملفات أكثر تعقيدًا.

وفيما يلي يمكن حصر أبرز الملفات التي تنتظر الرئاسة الحالية في النقاط التالية:

  • ملف الأمن والمصالحة:

أكد الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في تصريح صحافي له بعد انتخابه رئيسًا للبلاد، أن مئة يوم الأولى من رئاسته، ستحفل بمهام كثيرة، ومن أبرزها: تقنين التشريعات والقوانين لشيوع نظام أمني فيدرالي غير مركزي في عموم البلاد، من خلال سَنِّ تشريعات جديدة تخص المؤسسة العسكرية، وذلك بالتوافق مع الولايات الفيدرالية، من أجل ضمان أمن العاصمة، مقديشو، التي تواجه ثقلًا أمنيًّا كبيرًا منذ سنوات. ولتأمين العاصمة وضواحيها وَعَد الرئيس المنتخب بأن حصون الدفاع الأولى لأمن مقديشو ستكون ما بعد إقليمي شبيلى السفلى والوسطى، والقضاء على بؤر تنظيم حركة الشباب، مبديًا استعداده للتعاون مع الشركاء الدوليين في إنهاء الوجود والتمرد الأيديولوجي المدجج بالسلاح في البلاد. وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي أعلن رئيسها، جو بايدن، غداة إعلان فوز شيخ محمود بالرئاسة إعادة انتشار القوات الأميركية في الصومال والتي يصل قوامها نحو 700 جندي أميركي، لمواجهة أفرع تنظيم القاعدة في القرن الإفريقي.

ويعد ملف المصالحة الداخلية الذي لم يحقق نجاحًا منذ سنوات، من بين الملفات التي تنتظر الرئاسة الحالية، وهو ملف يوليه الرئيس المنتخب اهتمامًا كبيرًا، لتقريب المواقف وحل المسائل والقضايا الشائكة عبر الحوار، داخليًّا وخارجيًّا. وانطلاقًا من هذه الرؤية، بدأ الرئيس حسن شيخ محمود جولة نحو الولايات الفيدرالية الخمس (جوبالاند، بونتلاند، هرشبيلي، جلمدغ، جنوب غربي الصومال) لتعزيز العلاقة بين المركز والأطراف، ودفع البلاد نحو نظام سياسي متصالح معه بدل الفرقة والنزاعات التي أعاقت جهود تقدم الصومال نحو الأمام. هذا فضلًا عن إحياء مسار المفاوضات المتعثرة مع أرض الصومال (صوماليلاند)، والذي لم يحقق تقدمًا ملموسًا أيضًا في السنوات الخمس الماضية. ويؤمن الرئيس الحالي بأن الحوار هو السبيل الوحيد لإقناع ساسة أرض الصومال، وثنيهم عن فكرة الانفصال، ولا تجدي أدوات الضغط أو حجبهم عن تلقي مساعداتهم المالية من المجتمع الدولي، لاحتواء الأزمة السياسية بين شطري البلاد.

  • ملف بناء مؤسسات الدولة:

شهد الصومال في الفترة الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في عودة معظم المؤسسات الرسمية بشكل تدريجي، لكن عودتها توصف بـ"الهيكلية" فقط، دون مأسسة رسمية لهذا القطاع، وهو ما يحتاج إلى جهد جبار لتفعيل عمل تلك المؤسسات على نحو يخولها توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، بدل أن تكون مجرد هياكل إدارية فارغة؛ الأمر الذي يحتم على القيادة الجديد سن تشريعات جديدة لضبط عمل تلك المؤسسات، إلى جانب مكافحة الفساد المستشري في جسد أركان ومؤسسات الدولة من البلدية إلى الوزارات والقطاعات الخدمية الأخرى. وعلى الرغم من جهود المجتمع الدولي بما فيه المنظمات الأممية لدعم بناء مؤسسات الدولة، إلا أن غول الفساد يلتهم تلك المؤسسات عن آخرها، مما دفع الرئيس المنتخب للتعهد ببناء تلك المؤسسات الرسمية عبر سَنِّ تشريعات وقوانين جديدة.

 

  • ملف الانتخابات المباشرة: 

من بين جملة القضايا والمهام العالقة منذ تولي الرئيس السابق، محمد عبد الله فرماجو، مهمة إيصال البلاد إلى انتخابات مباشرة، وبحسب تصريح للرئيس الصومالي المنتخب لفترة ثانية، حسن شيخ محمود، فإنه سلَّم ملفًا كاملًا حول كيفية إجراء انتخابات مباشرة، إلا أن تلك المهمة فشلت قبل أوانها، وأُجريت بدلًا من ذلك انتخابات ذات صبغة عشائرية نُظِّمت في ظروف معقدة، أمنية وسياسية، ومحدودة المشاركة ولا تعبِّر عن تطلعات السواد الأعظم من الصوماليين. ومع عودة شيخ محمود إلى القصر الرئاسي من جديد، تبدو الآمال معلقة عليه، لتنظيم انتخابات عامة، لكن إنجاز هذا الملف أمامه مطبات كثيرة، والتي من أولها: استكمال الدستور الصومالي المؤقت (دستور عام 2012)، وثانيها: العمل على تفعيل التعددية الحزبية السياسية في البلاد، التي أقرَّها الرئيس حسن شيخ محمود سابقًا، والسماح للأحزاب بفتح مكاتب تمثيل سياسية لها في عموم الولايات الفيدرالية، تمهيدًا لطي صفحة الانتخابات ذات الطابع العشائري والتي تنظم منذ انتخابات عام 2004.

ووفق مقربين من الرئاسة الحالية، فإن الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، سيبذل قصارى جهده من أجل إيصال البلاد إلى انتخابات عامة مع نهاية فترته الثانية، عام 2026، وهي انتخابات ستكون قاعدتها الشعبية فئة الشباب التي تمثل نحو 70 في المئة من المجتمع الصومالي.

 

  • ملف السياسة الخارجية: 
الرئيس الصومالي حسن شيخ (بالمنتصف) يحيط به رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله (على يمينه) ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد (على يساره) يحضران حفل تنصيبه في مقديشو ، الصومال 9 يونيو 2022. (رويترز)

تأثرت سياسة الصومال الخارجية في العامين الماضيين بالتوترات السياسية التي شهدتها البلاد، كما تأثرت بشكل عميق بالمتغيرات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة القرن الإفريقي، بعد بروز قوى إقليمية وتكتلات جديدة غيَّرت قواعد اللعبة في المنطقة، وأثارت أيضًا شهية القوى الصاعدة والمهيمنة على المنطقة؛ ما جعل حدَّة التوتر والاستقطاب بين دول القرن الإفريقي، خاصة إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، تتفاقم يومًا بعد الآخر، تحت تأثير تكتلات دولية وأخرى عربية لها تأثير مباشر في التحولات التي شهدتها دول المنطقة، منذ وصول آبي أحمد إلى سدة الحكم، عام 2018. وكانت علاقات الصومال مع كل من نيروبي وجيبوتي والإمارات والسعودية ومصر، متقطعة نوعًا ما، وكانت تلك الدول تطمح إلى انتخاب رئيس جديد للصومال، بغية إعادة تطبيع علاقاتها مع الصومال بعد جمود طال علاقاتها مع مقديشو، ويُنتظر من القيادة الصومالية الجديدة تحسين سياستها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة؛ لدفع عملية بناء الدولة في الصومال نحو الأمام.

تعقيدات وعقبات في عملية بناء الدولة

تواجه الرئاسة الصومالية الحالية تحديات وتعقيدات كثيرة إلى جانب ملفات معقدة تم التطرق إليها آنفًا. جملة التحديات التي يواجهها الرئيس المنتخب في فترته الثانية، تتلخص في محورين، فإذا نجح حسن شيخ محمود في تجاوزها فيمكن أن يحقق تقدمًا مقنعًا إلى الأمام، لكن إذا فشل في العبور من مطباتها بإرادة وإصرار، فسيترك فراغًا أكبر وندوبًا أوسع في عملية بناء الدولة في الصومال، وهذه المحاور هي:

  • محور التحدي الأمني والاضطرابات السياسية الداخلية:

طغت معضلة الأمن التي تعاني منها الدولة الصومالية، وكيفية إصلاحها ومواجهة التحدي الأمني، على برامج حملة الرئيس المنتخب، ما يعكس رغبة القيادات الصومالية المنتخبة في كل استحقاق رئاسي، في فرض الأمن والاستقرار، لكن آلية تنفيذ مخططاتها الأمنية ومواجهة التحديات الأمنية يغلب عليها دومًا هجمات حركة الشباب، التي تختفي عن الأنظار تدريجيًّا مع بداية كل فترة رئاسية، لكن تستعيد نفوذها مع قرب انتهاء كل فترة وانشغال الأجهزة الأمنية بالخلافات السياسية التي تنفجر عادة بين الرئاسة الصومالية والحكومة الفيدرالية أو بين رؤساء الولايات الفيدرالية من ناحية أخرى، وهو ما ينسف جهود سنوات لتقويض الجماعات المناوئة للدولة الصومالية، وخاصة "الشباب المجاهدين" وفرع تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال (داعش)، ويمكن التغلب على هذا التحدي من خلال رد الاعتبار للجيش الصومالي، وتقنين قوانين وتشريعات لضبط عمل الهيئات الأمنية وتنسيق جهودها، ومكافحة الفساد داخل المنظومة العسكرية الصومالية، تمهيدًا لاستقلاليتها وعدم حشرها في أتون الخلافات بين القيادات الصومالية باستخدامها آلةً لقمع طرف سياسي معارض.

حركة الشباب بالصومال

وتمثل الاضطرابات السياسية في الصومال منذ انهيار النظام المركزي، عام 1991، تحديًا كبيرًا يواجهه الرئيس الحالي، وهو ما يعني أن استمرار الخلافات السياسية، خاصة في ما يتعلق بعلاقة الرئاسة الصومالية بالبرلمان من جهة والحكومة الفيدرالية من جهة ثانية، ورؤساء الولايات الفيدرالية، ثالثًا، بمنزلة ألغام سياسية قابلة للانفجار، إذا لم يستطع الرئيس المنتخب لم شمل كل الأطراف عبر فتح قنوات الحوار، وهو ما يهدف الرئيس حسن شيخ محمود إليه من جولته نحو الولايات الفيدرالية، والتي يجري فيها لقاءات مع رؤساء الولايات الفيدرالية الخمس، بهدف الحفاظ على الاستقرار السياسي، ودعم جهود الدولة الوليدة وحل القضايا والإشكالات القائمة بالحوار والمفاوضات، فالاستقرار السياسي داخل البيت الحكومي هو من بين شروط تحقيق تحسن أمني في البلاد، والحد من تأثير التدخلات الخارجية في الشأن الصومالي.

  • محور تحدي التدخلات الخارجية:

لا يزال الصومال يعتبر دولة هشة وضعيفة تتأثر بالتدخلات الخارجية، وتحديدًا من قبل دول الجوار التي تشارك في عملية قوات حفظ السلام الإفريقية الانتقالية (أتمس)؛ ما يوفر هامشًا أوسع للمناورة والضغط على حكومة مقديشو لتمرير أجنداتها السياسية، وهو ما يعيق جهود فرض استقرار أمني في البلاد، كما أن تأثير الدول الخليجية بات واضحًا في السنوات الأخيرة، لاسيما من الإمارات العربية المتحدة، التي تلعب أدوارًا متناقضة في المشهد السياسي الصومالي، من خلال ربط شراكتها وتوثيق صلاتها مع جمهورية ما يسمى بـ"أرض الصومال" وولاية بونتلاند، دون تنسيق مباشر مع حكومة مقديشو، وهو ما يفسر وجود حالة مراوحة سياسية في السياسة الخارجية لـ"أبوظبي" تجاه الشأن الصومالي، فهل يخفض الرئيس الجديد في الإمارات، محمد بن زايد، سقف تعامل دولته الدبلوماسي مع تلك الأنظمة الصومالية في شرق وشمال الصومال (صوماليلاند وبونتلاند) والتعاون مباشرة مع الرئاسة الجديدة في الصومال دعمًا للتحول الذي شهدته البلاد؟ كما أن سياسة إثيوبيا تجاه الصومال، تنحصر في المجال الأمني ومواجهة خطر حركة الشباب في عقر دارها، انطلاقًا من سياسة عدم نقل المهددات الأمنية القادمة من الصومال إلى العمق الإثيوبي، وهو ما يجمل أهداف التدخل العسكري الإثيوبي وسبب وجود آلاف من الجنود الإثيوبيين ضمن قوات حفظ السلام الإفريقية في جنوب الصومال، كما أن عملياتها داخل البلاد تتحرك أيضًا وفق معطيات الحرب الإثيوبية، خاصة الصراع في إقليم تيغراي، المستمر بين مدٍّ وجزر، وتسحب القيادة الإثيوبية عددًا من جنودها من الصومال، إذا دعت الحاجة ثم تعيد إرسالهم إلى الصومال.

أما دوليًّا، فإن تأثير التدخلات الدولية في السياسة الصومالية متفاوت بين الدول الداعمة لعملية بناء الدولة في الصومال، وتعد تهديدات الاتحاد الأوروبي والأممية بقطع مساعداتها للصومال في كل خلاف سياسي جديد ينشب بين القيادات الصومالية نوعًا من أنواع التدخل والضغط الدولي المفروض على الصومال، تطبيقًا لمقولة: "من لا يملك قوته لا يملك قراره"، لكنه تدخل في نظر كثيرين إنقاذي ويتجاوب مع رغبة كثير من فسيفساء المعارضة للضغط على الحكومات الصومالية، إذا لم تستجب لمطالب المعارضة أو انحرفت عن مسارات العمل بالدستور واللوائح المعمولة بها اجتماعيًّا في توزيع السلطات، لكن هذا التدخل سلبي في مجمله من حيث اختلاف وتباين رؤى مواقف الدول الأوروبية والاتحاد الإفريقي بشأن النظام السياسي في الصومال، وهو ما يجعل الصومال ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية أحيانًا، فضلًا عن التنافس الدولي بين روسيا والصين من جهة وأميركا من جهة ثانية في المنطقة.

مستقبل الصومال في ظل تحولات إقليمية متغيرة

بات الصومال في السنوات الأخيرة فاعلًا كبيرًا وجزءًا مهمًّا في عملية التحول والمتغيرات الجيوسياسية التي شهدتها دول القرن الإفريقي منذ عام 2017، إما بوصفه حليفًا قويًّا مع إثيوبيا بزعامة آبي أحمد وشريكًا مع إريتريا، أو من خلال أوضاع تقلباته الداخلية وتزايد حجم التداخل الدولي والاهتمام به، إقليميًّا ودوليًّا، خاصة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية؛ حيث تطمح بيجين إلى إمكانية تدشين قاعدة عسكرية ثانية لها في شرق إفريقيا بعد قاعدتها في جيبوتي، تحديدًا في الصومال، وهو ما يعيد المنطقة إلى زمن الاستقطابات وعُهدة التوترات بين الكبار.

وعلى الرغم من انتهاء فترة القلاقل السياسية في البلاد بانتخاب رئيس جديد، لكن تظل أصعب التحديات المهيمنة على سياسة الصومال الخارجية، هي كيفية مواربة أبواب العلاقات الدبلوماسية مع عدم الانخراط في أحلاف وتكتلات إقليمية ليس الصومال طرفًا فاعلًا فيها أو المستفيد الأكبر من نتائجها، بل تجذب أنظار خصوم جدد نحوه، هو في غنى عن دخول صراع سياسي معهم، ثم تبني سياسة خارجية أكثر هدوءًا وتوازنًا مبدؤها "صفر مشاكل" مع الجميع، تضع سياسة الصومال الخارجية في إطار توجه جديد، بعد ثلاثة أعوام من توترات دبلوماسية بين مقديشو والدول الإقليمية وبعض الدول العربية، خاصة بعد حصار قطر عام 2018، نتيجة مواقف السياسة الخارجية الصومالية تجاه أزمة إقليم تيغراي من جهة، وتدشين علاقة جديدة مع إريتريا بواسطة إثيوبيا من جهة ثانية، فضلًا عن موقف الحياد الذي تبناه الصومال حيال أزمة الخليج عام 2018.

هذا، وتتركز رؤية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في سياسته الخارجية، في معادلتين لتصفير مشاكل الدولة الوليدة مع العالم، وهي فرض استقرار داخلي أمنيًّا وسياسيًّا. فمن حيث الاستقرار الأمني يريد تقويض نفوذ حركة الشباب، وجعل العاصمة، مقديشو، آمنة بسياسة نقل الحرب إلى عرين حركة الشباب في المناطق التي تسيطر عليها، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية وبعثة الاتحاد الإفريقي، لتصويب المعادلة الأمنية في البلاد. أما سياسيًّا، فيسعى شيخ محمود إلى فرض مصالحة بين الحكومة المركزية في مقديشو والولايات الفيدرالية، بحثًا عن استقرار سياسي أكيد، بينما اجتماعيًّا يهدف إلى تعزيز المصالحة بين مكونات المجتمع الصومالي، حقنًا للنعرات السياسية التي أجَّجتها عملية تنظيم الانتخابات النيابية والرئاسية بين العشائر الصومالية في البلاد، واحتواء الأحقاد الدفينة في نفوس كثيرين والتي لم تُرمَّم بعد على نحو يدفعها للتسامح، انطلاقًا من مقولة شيخ محمود: "لا يمكن نكران جروح الماضي، لكن يمكن غفرانها".

أمام الرئيس، حسن شيخ محمود، الذي تُوِّج لفترة ثانية، فرصة تاريخية لوضع الصومال على سكة الاستقرار أمنيًّا وسياسيًّا، وعدم تكرار أخطائه الإدارية السابقة.

إن غياب رؤية سياسية خارجية للدولة الصومالية منذ انهيارها مطلع التسعينات أورث الحكومات الصومالية إشكاليات عدة، منها غياب عنصر الديمومة والاستمرارية في التوجه الخارجي الصومالي، نتيجة الاضطرابات الداخلية التي عانتها البلاد، والخلافات السياسية التي تطيح بالحكومات الصومالية باستمرار، والتعديلات الطارئة التي تشمل حقيبة وزارة الخارجية، وهو ما يربك التوجه الخارجي للدولة، وهو ما حصل في فترة حكم الرئيس، محمد عبد الله فرماجو، حيث أسند هذا المنصب لأربعة وزراء بتوجهات وأفكار مختلفة، دون توافر توجه خارجي محدد، ما يحتم على الرئاسة الحالية صياغة سياسة خارجية محددة الإطار والتوجهات، بدل الاعتماد على السياسة العائمة وسط الاضطرابات، فضلًا عن تأثيرات السياسة الخارجية، الإقليمية والدولية، الموجهة أو المضادة تجاه الصومال ما يضاعف حجم التحديات الخارجية التي يواجهها الصومال في الفترة المقبلة، إذا لم يحقق شروط استقرار الداخل أولًا وتصويب بوصلة السياسية الخارجية للبلاد.

خلاصة

في النهاية، يبدو الصومال يتحرك ببطء للخروج من مزالق الفشل السياسي والأمني ويتقدم نحو التعافي تدريجيًّا، فمع كل فترة انتخابية تكثر التحديات السياسية والأمنية الداخلية والخارجية، وتزداد كالفطر، ويرث كل رئيس جديد للدولة التحديات ذاتها وهي مركبة ومضاعفة، إلى جانب المهام المنتظرة التي تلفها التعقيدات والصعوبات، وذلك في مقابل قلَّة الموارد المادية والكفاءات البشرية لمواجهة تلك التحديات وتذليل صعوباتها، فالدولة الصومالية لا تزال تعتمد على المجتمع الدولي، أمنيًّا واقتصاديًّا، كما أن التدخلات الخارجية والدعم الخارجي المشروط بتنفيذ سياسات ما، لا يتعلق بمصلحة البلاد، لا من قريب أو بعيد.

اللافت، أن أمام الرئيس، حسن شيخ محمود، الذي تُوِّج لفترة ثانية، فرصة تاريخية لوضع الصومال على سكة الاستقرار أمنيًّا وسياسيًّا، وعدم تكرار أخطائه الإدارية السابقة، والاستفادة من تجارب وفشل سابقيه، وعدم الوقوع في فخ الأزمات السياسية والأمنية، ودفع البلاد نحو الأمام، على الرغم من قلة الإمكانات المادية للدولة وتقلص مستوى الاستجابة الدولية للتدخل إنسانيًّا واقتصاديًّا.

يعلِّق المجتمع الصومالي آماله على الرئيس المنتخب، حسن شيخ محمود، فإذا تمكن من تحقيق وعوده للبلاد، فإن المرحلة القادمة من البلاد تكرس لدخول فترة جديدة منعَّمة بالاستقرار، بتمكين البلاد من إجراء انتخابات شعبية وطي صفحة الانتخابات ذات التوزيع العشائري والمحاصصة القبلية، وتوجيه الاستثمار الأجنبي والمحلي لاستثمار ثروات البلاد الزراعية والبحرية والنفطية، وعدم إتاحة الفرصة للتدخلات الخارجية والجماعات المناهضة، لكن شرط منع تكرار خيبات الفشل التي مُني بها الصومال منذ ثلاثة عقود.

____________________________________________________

هذا التقرير مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات.

المصدر : الجزيرة